تشهد السوق منذ مطلع العام الحالي جدلاً متصاعداً حول الضريبة المفروضة على الهواتف المحمولة المستوردة، بنسبة تصل إلى 5% إضافية على قيمة الجهاز، بالإضافة إلى الرسوم الجمركية الأساسية، مما يجعل إجمالي الضريبة في بعض الحالات يصل إلى نصف ثمن الهاتف نفسه.
لم يكن القرار بفرض الضريبة أمراً جديداً، إذ أُعلن عنه قبل عام تقريباً، ودخل حيز التنفيذ الفعلي منذ يناير الماضي.
ومع ذلك، أعادت المستجدات الأخيرة إشعال الجدل حيث ارتفعت قيمة الضريبة بشكل ملحوظ نتيجة زيادة أسعار الأجهزة نفسها في السوق المصرية، رغم عدم تغيير النسبة المقررة.
جدل يتجدد وغضب يتصاعد
ويأتي هذا التطور في وقت حساس، حيث قالت مصادر لوسائل إعلام محلية إن أربع شركات عالمية كبرى – هونر، ريلمي، فيفو، وأوبو – قررت تأجيل خططها لتصنيع أجهزة إلكترونية في مصر إلى عام 2027، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج وسعر صرف الدولار مقابل الجنيه.
وتساءل الخبير الاقتصادي ماجد عبيدو: “بعد فشل خطط التصنيع التي لم تبدأ أصلاً والتي كانت من حجج فرض الرسوم، هل سيتم إلغاء فرض الرسوم على الموبايلات من الخارج؟”.
في المقابل، أعلنت شركة سامسونج نيتها توسيع عملياتها التصنيعية في مصر هذا العام نفسه، مع التركيز بشكل أساسي على الهواتف المحمولة وأجهزة التابلت، وهو ما تستخدمه الحكومة كحجة رئيسية لتأكيد نجاح سياستها في جذب الاستثمارات الأجنبية وتوطين الصناعة.
انتقادات برلمانية وشعبية متصاعدة
على أرض الواقع، يواجه المواطنون أعباءً ثقيلة تجعل شراء هاتف محمول رفاهية نادرة.
انتشرت شكاوى عديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تشير إلى أن الضريبة تقترب أحياناً من نصف ثمن الجهاز.
وبحسب تقارير إعلامية محلية فإن سعر إصدار هاتف آيفون 17 برو ماكس في مصر وصل إلى 107 آلاف جنيه (معفي من الضريبة)، وأما في حالة الشراء من الخارج سيتكلف 1200 دولار أي ما يعادل 64.326 جنيها يضاف عليه الضريبة والرسوم الجمركية بمقدار 31.228 جنيها.
وتعليقا على الأمر، كتب المستخدم أيمن عبر حسابه على منصة “إكس”: “يعني طبيعي يكون سعر نفس المنتج في مصر وصناعته مصرية أغلى 50% من سعره في الخليج؟ مع التسهيلات الممنوحة للمستثمر والأيدي العاملة اللي تكلفتها 20% من مثيلاتها في الخارج. طيب مفيش عندكم تعريف آخر للتدليس؟.
وفي منشور آخر، كتب حساب “المهندس لخدمات المحمول”: “حسبي الله ونعم الوكيل في كل واحد كان سبب في موضوع الضريبة ده.. أنتم عايزين إيه من الناس، ليه تاخد ضريبة تليفون نص تمنه وليه تزود الضريبة تاني”.
الشكاوى لم تقتصر على المستخدمين العاديين، بل امتدت إلى إعلاميين مثل أحمد موسى، الذي انتقد القرار علناً مطالبًا بالسماح للمغتربين بإدخال هاتف شخصي واحد معفي من الرسوم.
ترافقت هذه الانتقادات الشعبية مع نقاشات حامية داخل البرلمان، وطالبت النائبة مها عبد الناصر بإلغاء الرسم الجمركي فوراً، مؤكدة أن هذه النسبة العالية لا تشجع على الصناعة المحلية بل تزيد من أسعار الهواتف بشكل غير مبرر.
في المقابل، دافع رئيس مصلحة الجمارك أحمد أموي عن القرار، مشيراً إلى أن الرسوم على مدخلات صناعة المحمول لا تتجاوز 5%، وأن الهدف الأساسي هو تشجيع صناعات مدخلات الإنتاج المحلية.
كما برر نائب رئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، عمرو عباس، نسبة الـ5% الإضافية بأنها مقابل تشغيل منظومة معقدة تهدف في النهاية إلى تغطية السوق بالمنتج المحلي، لافتا إلى أن المصانع المحلية تغطي حالياً نحو 80% من احتياجات السوق.
حلول مشكوك فيها
وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتزايد، أعلنت مصلحة الجمارك بالتعاون مع جهاز تنظيم الاتصالات عن خدمة تقسيط الرسوم عبر شركات التمويل الاستهلاكي.
لكن هذه الخطوة واجهت انتقادات جديدة، خشية أن تضاعف الأعباء من خلال فوائد إضافية ربوية.
على سبيل المثال، حذر المدون محمد عثمان على مواقع التواصل من أن “تقسيط الضريبة سيؤدي إلى تحميل المواطن فوائد ريعية تجعل تكلفة الهاتف أعلى بكثير من سعره الأصلي”، مما يحول الضريبة إلى عبء طويل الأمد.
وأوضح مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية أشرف عبد الغني أن فرض الضريبة يستهدف أساساً توطين صناعة المحمول ومكافحة التهريب، لكنه دعا لإعفاءات محددة مثل السماح بهاتف شخصي واحد للمغتربين.
أما شريف الكيلاني، نائب وزير المالية للسياسات الضريبية، فقد أكد أن الهدف من المنظومة الجديدة هو مواجهة التهريب الذي يصل إلى 95% من الهواتف المستوردة، معتمداً على بيانات رسمية تثبت حجم الخسارة الاقتصادية الناتجة عنه.
فيما اعتبر طاهر عبد الحميد، محلل أبحاث سوق الهواتف المحمولة، أن القرارات الحكومية الخاصة بتنظيم دخول وتشغيل الهواتف المحمولة الواردة من الخارج لا تخدم أشخاصاً أو شركات بعينها، على عكس ما يروج له البعض، وإنما تهدف بالأساس إلى دعم السوق الرسمي وإنهاء سنوات من الفوضى والاقتصاد غير المنضبط.
وأشار عبد الحميد، خلال حواره لقناة محلية، إلى ربط تشغيل الهاتف المحمول بالشبكة أسهم بشكل مباشر في القضاء على فكرة إدخال أجهزة دون سداد مستحقات الدولة.
ولفت إلى أن الهاتف المحمول يُعد سلعة مختلفة عن باقي المنتجات، لكونه لا يعمل إلا من خلال الشبكات الرسمية، وهو ما سهل عملية تقنين السوق وإلزام الجميع بالعمل داخل الإطار القانوني.
وقال إن الدولة باتت حاليًا تراقب أكثر من 95% من سوق الهواتف، وهو ما يمثل تحولًا جذريًا في حجم الاقتصاد الرسمي داخل هذا القطاع الحيوي.
مع استمرار ارتفاع الأسعار العالمية والمحلية وتزايد الضغوط، يظل السؤال الأكبر مفتوحاً هو هل ستنجح مصر في تحويل هذه الضريبة إلى خطوة حقيقية نحو صناعة وطنية قوية، أم ستبقى مجرد عبء إضافي يفاقم أزمة السوق والمستهلك، ويُعمق الشعور بالظلم الاقتصادي؟