آلام الإسكندرية التي لم يرها ماكرون.. عمارات آيلة للسقوط وقمامة وتراث يُقتلع من الجذور

بينما كانت عدسات الكاميرات تلاحق جولات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على كورنيش الإسكندرية، كانت المدينة القديمة تخفي خلف بحرها الأزرق أوجاعاً ثقيلة؛ عقارات تتساقط، وشوارع تغرق، وترام يُنتزع من الذاكرة، وأحياء كاملة تعيش على حافة الانهيار.

الإسكندرية التي ظهرت في الصور باعتبارها “مدينة ساحلية هادئة”، تعيش في الواقع سلسلة من الأزمات المتراكمة؛ من البناء العشوائي والصرف الصحي المتهالك، إلى الاختناقات المرورية ومشروعات الإسكان المتعثرة، وصولاً إلى القمامة والكلاب الضالة.

العقارات الآيلة للسقوط

في سبتمبر 2025، كشف محافظ الإسكندرية السابق أحمد خالد عن رقم صادم، وهو وجود 24 ألف عقار آيل للسقوط، من بينها 8 آلاف عقار صدرت لها قرارات إزالة فورية، في واحدة من أخطر الأزمات العمرانية التي تواجه “عروس المتوسط”.

ولم تتوقف التحذيرات عند هذا الحد، إذ كشف المتحدث الرسمي لمجلس الوزراء أن عدداً من المباني التي تعاني من مشكلات جزئية في الأساسات أو تحتاج إلى “تنكيس” جزئي في الإسكندرية، يصل إلى نحو 60 ألف وحدة سكنية مستهدفة بالإحلال أو البناء الجديد.

ووصف الدكتور مصطفى مدبولي المشهد بأنه بات يتكرر يومياً، مؤكداً استعداد الحكومة لبناء نحو 55 ألف وحدة سكنية بديلة لنقل المواطنين من مناطق الخطر الداهم.

وتكشف الأرقام حجم الكارثة؛ إذ سجلت المدينة نحو 390 حالة انهيار كلي أو جزئي بين عامي 2020 و2025، مما جعل سكان الأحياء القديمة ينامون وعيونهم معلقة بالأسقف خشية أن تسقط عليهم.

التغيرات المناخية.. البحر يبتلع التاريخ

ومع تصاعد أزمة العقارات، تتزايد المخاوف من ارتفاع منسوب سطح البحر. وقد حذرت دراسة علمية نشرتها صحيفة “ديلي ميل” البريطانية من أن المدينة، التي يتجاوز عمرها 2300 عام، تشهد تسارعاً في معدلات انهيار المباني بسبب تسرب المياه المالحة إلى الأساسات.

وقال الباحثون إنه في العقد الماضي وحده، تسارع معدل الانهيارات من انهيار واحد سنوياً إلى 40 انهياراً “مقلقاً” سنوياً، مع زحف المياه المالحة إلى أسفل أساسات المدينة.

وعلى مدار السنوات العشرين الماضية، دُمّر 280 مبنى بسبب تآكل السواحل، مع تعرض 7 آلاف مبنى آخر لخطر الانهيار مستقبلاً.

فاتورة العشوائيات

وتواصل الإسكندرية دفع فاتورة سنوات من البناء المخالف واستخدام ظاهرة “الكاحول” (شخص وهمي يُسجل العقار باسمه للهروب من المسؤولية)، ما تسبب في بيع آلاف الشقق دون ضمانات هندسية.

وتسعى الدولة إلى غلق ملفات التصالح، حيث أعلن محافظ الإسكندرية السابق الفريق أحمد خالد، في يونيو 2025، الانتهاء من 95% من ملفات التصالح في مخالفات البناء، والتي شملت 54 ألف ملف تم البت فيها.

وقال النائب محمد جبريل، عضو مجلس النواب، إن المحافظة عانت خلال سنوات طويلة نتيجة البناء العشوائي واستخدام ظاهرة «الكاحول» في البناء، مما أدى إلى بيع آلاف العقارات والشقق السكنية وغياب المسؤولية عن الشركة المنفذة أو المقاولين.

ودفع وقف إصدار تراخيص البناء في الإسكندرية النائب رزق راغب ضيف الله، عضو مجلس النواب عن دائرة غرب الإسكندرية، إلى التقدم بطلب إحاطة عاجل موجه إلى الدكتورة منال عوض، وزير التنمية المحلية والبيئة، بشأن استمرار غلق باب إصدار تراخيص البناء.

وحذر “ضيف الله” من تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة نتيجة هذا التوقف المستمر، خاصة في المناطق الريفية والقرى والنجوع.

وأكد النائب، في طلبه، أن استمرار وقف التراخيص تسبب في معاناة كبيرة للمواطنين، وأدى إلى أزمة اجتماعية، مشيراً إلى أن هذا الوضع تسبب في تعطيل مصالح المواطنين الراغبين في بناء مساكن خاصة بهم ولأسرهم.

وأشار “طلبه” إلى أن هذا الوضع دفع بالبعض نحو البناء المخالف نتيجة غياب البدائل القانونية، وهو ما يتعارض مع خطط الدولة في التنمية، موضحا أن ندرة التراخيص أدت إلى ارتفاع غير مبرر في أسعار الوحدات السكنية.

البنية التحتية.. عطش في أحياء وشوارع غارقة

وبعيداً عن الكورنيش، تعيش أحياء شعبية مثل “عزبة كردون” بالمنتزه ومنطقة “الفضالي” بسيدي بشر معاناة يومية مع الصرف الصحي المتهالك.

وفي العجمي، نقل المواطن عامر عبدالرحمن، عبر “فيسبوك”، معاناة أهالي المنطقة، وعلى رأسهم الأطفال وكبار السن والمرضى، من الانقطاع المستمر لمياه الشرب.

ويروي المواطن مازن الملاح مأساة انقطاع المياه قائلاً: “بقينا عاملين جدول لمواعيد النوم عشان نصحى نلحق نملأ ميه الساعة 7 الصبح قبل ما تقطع تاني”.

اقتلاع الترام

وفي فبراير 2026، أُسدل الستار على “ترام الإسكندرية” بعد 150 عاماً من الخدمة، تمهيداً لاستبداله بنظام قطارات خفيفة.

ولم يمر هذا القرار بسلام؛ إذ اعتبره السكندريون “اقتلاعاً لجزء من ذاكرتهم”.

وأقام المحامي محمد فتوح دعوى قضائية لوقف هدم المحطات التراثية مثل “محطة إيزيس” (بولكلي)، مؤكداً أن التطوير لا يجب أن يمس الهوية البصرية للمدينة.

ومع توقف الترام، دخلت مناطق شرق المدينة في “شلل مروري” خانق، مما دفع أعضاء مجلس النواب، صالح عبدالمنعم راغب، ومحمد جبريل، وأحمد علاء فايد، إلى التقدم بطلبات إحاطة حول غياب البدائل والتعويضات للمتضررين من مشروعات النقل الجديدة.

مشروعات الإسكان.. وعود مؤجلة وعيوب فنية

حتى المشروعات التي وُصفت بالفاخرة، مثل “صواري”، لم تسلم من الانتقادات؛ إذ تقدم ملاك بوحدات سكنية بمذكرات رسمية تشكو من تأخر التسليم، ووجود شروخ في العناصر الإنشائية، ونقص الخدمات الأساسية كالغاز والكهرباء.

وفي “مساكن شباب طوسون”، رصد الكاتب الصحفي معتز الشناوي وجود أكثر من 500 وحدة سكنية مغلقة منذ 15 عاماً، بينما تفترش 1000 أسرة الشوارع بحثاً عن مأوى.

القمامة والنباشون

وتكتمل صورة المعاناة في شوارع مثل “المفتش” بالحضرة و”أرض سماحة” بحجر النواتية، حيث تحولت الشوارع إلى بؤر لتجميع القمامة وفرز المخلفات من قِبل “النباشين”.

كما أن انتشار الروائح الكريهة، والكلاب الضالة، ومصانع تدوير الزيوت غير المرخصة، جعل من هذه المناطق بؤراً بيئية خارج نطاق الرقابة.

وسترحل الوفود وتتوقف الكاميرات، وتظل الإسكندرية وحيدة في مواجهة أزماتها الممتدة من العقارات المنهارة إلى الهوية المفقودة.

أضف تعليقك
شارك