سيناء الحبيبة عادت لأحضان مصر بالحرب والسلم، بعد سلسلة حروب مع إسرائيل، واتفاق سلام وطريق طويل من الجهود الدبلوماسية، لكنها لا زالت شبه فاضية من السكان، مساحة كبيرة تفوق مساحة دول في الشرق الأوسط لكنها بلا تنمية حقيقية أو توزيع سكاني عادل.
نزوح بلا حرب
في صبيحة يوم 29 أكتوبر 2014 فوجئ سكان مدينة رفح المصرية بالبدء في تنفيذ المرحلة الأولى من المنطقة العازلة الموجودة في أقصى الحدود المصرية مع قطاع غزة، والمفاجئ أكتر هي أساليب الإخلاء اللي تمت للبيوت من تفخيخ وتفجير منازل المواطنين المتاخمة للمنطقة الحدودية، واستعجالهم للخروج بلا بدائل حقيقية أو حلول مرضية، توالت موجات الإخلاء حتى بلغت خمس مراحل ووصلت لعمق يتجاوز 5 كيلومترات، بطول 14 كيلومتر هي مساحة الحدود مع قطاع غزة.
تقدر أعداد النازحين بـ 100 ألف سيناوي محرومين من العودة لبيوتهم وبلادهم بعد قرار الحكومة بعزل المدينة وتهجير أهلها وتعويضهم عن ممتلكاتهم.
تعويضات هزيلة وعشش غير آدمية
تحتفل مصر بتحرير سيناء في 25 إبريل من كل عام، لكن أهل رفح لا زالوا عالقين بين أحلام العودة لبيوتهم وشوارعهم وبين التعويضات الزهيدة اللي لا توفر لهم بدائل عادلة بعد استجابتهم للتهجير، أزمة التعويضات بدأت بعد ما حددت الحكومة مبلغ 800 جنيه للمتر الواحد من الأرض و1200 جنيه لمتر المباني، التقدير دا كان بأسعار سنة 2014 اللي اتضاعفت أكثر من 10 مرات بما فيها أسعار الأراضي ومواد البناء.
تسببت إجراءات إخلاء رفح في تشرذم كتير من العائلات السيناوية واضطرار كتير منها للنزوح الاضطراري وبداية حياة جديدة متعبة في محافظات أخري، أما العائلات الفقيرة فاضطرت للسكن في عشرات العشش مؤقتة على طول الطرق الدولية المؤدية لرفح!
نزع الملكية استثناء أم أصل؟
يعد نزع ملكية المواطنين إجراء استثنائي على الحق الدستوري الذي يضمن ملكية المواطنين، لكن التوسع في استخدام هذا الاستثناء جعله أصل الأمور وأكثر الإجراءات الحكومية استخدامًا في مصر، حتى صار احتفاظ المواطن بأملاكه استثناء، عشرات قرارات نزع الملكية تتخذها الحكومة سنويًا لصالح مشروعات الطرق والبنية التحتية، أو الاستثمار الأجنبي وإجراءات بيع الأصول.
يظل ملف عزل رفح وتهجير سكانها هو الأشد وطأة والأكثر إيلامًا لأنه تهجير يتم على شرط العدو الذي بذل المصريين دماؤهم في محاربته، ونجحوا في تحرير بلادهم من احتلاله، لكن ظلت سيناء رغم مرور كل هذه السنوات أسيرة التفاهمات معه، وتحمل أهل رفح ثمنا باهظًا من ممتلكاتهم وأحلامهم ومستقبل أولادهم.
يبقي التحرير الحقيقي هو تحرير الإنسان قبل البنيان، والمواطنة الحقيقية هي التي تضمن للمواطن حقوقه الأساسية، وعلى رأسها حقه في التملك وحقه في السكن، أو التعويض الحقيقي عن الخسائر التي طالته بعد حرمانه من تلك الحقوق، وهي أمور غائبة عن أهل رفح السيناوية منذ 2013 .. فهل تحمل الفترة القادمة حلًا لأزمتهم، وهل يعود تعمير سيناء كاملة لينا لتصبح مصر اليوم في عيد؟