لم يكن أمام عبدالله محمود سوى سباق مع الزمن لإنقاذ نجله الثلاثيني، الذي تعرّض لأزمة قلبية مفاجئة داخل المنزل، حيث حاول الأب نقل نجله إلى أحد المستشفيات الحكومية، لكن دون جدوى بسبب عدم توافر أسِرّة عناية مركزة، ما اضطره إلى التوجه إلى مستشفى خاص أملاً في إنقاذ حياته.
وبعد استقبال الحالة وإجراء الإسعافات اللازمة، تم إدخاله إلى العناية المركزة، غير أن المفاجأة جاءت لاحقًا حين طُلب من الأب التوجه إلى الحسابات لاستكمال الإجراءات، ليتبين أن تكلفة الإقامة تتجاوز 20 ألف جنيه لليلة الواحدة، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر.
ورغم محاولاته المتكررة عبر الخط الساخن “137” للبحث عن سرير رعاية في مستشفى حكومي، لم يتلقَّ ردًا إلا بعد مرور يوم كامل، حين أُبلِغ بتوافر سرير، لكن الأطباء كانوا قد أكدوا خطورة نقل الحالة في تلك المرحلة، ما اضطر الأسرة إلى الاستمرار داخل المستشفى الخاص حتى استقرت حالة المريض وخرج لاحقًا.
فاتورة الفقد
لم تكن تجربة جلال عواض أقل قسوة، إذ عاش واحدة من أصعب لحظات حياته عندما فقد والده، البالغ من العمر 62 عامًا، وعيه بشكل مفاجئ في وقت متأخر من الليل.
استُدعي طبيب إلى المنزل، وأكد ضرورة إدخال الحالة إلى العناية المركزة فورًا لإنقاذ حياته.
توجه جلال إلى أحد المستشفيات الخاصة بمنطقة مكرم عبيد، حيث طُلب منه دفع 20 ألف جنيه تحت الحساب لقبول الحالة، قبل إدخال والده إلى العناية المركزة، حيث مكث لمدة خمسة أيام قبل أن يتوفاه الله.
لكن المعاناة لم تنتهِ عند هذا الحد، إذ فوجئ لاحقًا بمطالبة مالية من المستشفى بلغت 120 ألف جنيه، في تجربة وصفها بأنها “فاتورة فقد” امتزج فيها الألم الإنساني بالعبء المادي الثقيل.
استغاثات مستمرة
ومع تكرار مثل هذه الوقائع، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة لاستغاثات يومية للبحث عن أسرة عناية مركزة.
فعلى مجموعات مثل “سرير رعاية مركزة”، تتوالى المنشورات التي تعكس حجم الأزمة في مختلف المحافظات.
تقول أسماء الحسيني: “محتاجة ضروري سرير في العناية المركزة بالقاهرة في مستشفى حكومي، الحالة لا تملك أي ماديات”.
وتضيف سميرة محمد: “نحتاج سرير رعاية بالإضافة إلى عزل حكومي، الحالة تدهورت بتشنجات شديدة، والدكاترة يشكون في التهاب سحائي وتسمم دموي”.
فيما يقول أحمد سعد: “الحالة جلطة في المخ، والمستشفى الخاص يطلب 25 ألف جنيه لليلة، ولا نملك المبلغ”.
أما عبدالرحمن الكاشف، فيحذر من عمليات نصب، قائلاً: “سيقولون لك إن اليوم 250 جنيهًا، ثم تفاجأ بأرقام تصل إلى 5999 جنيهًا”.
طلبات برلمانية
في ظل هذا الضغط المتزايد، تحرك عدد من أعضاء مجلس النواب لتقديم طلبات إحاطة ومذكرات رسمية إلى وزارتي الصحة والتعليم العالي، للمطالبة بزيادة عدد أسرة العناية المركزة.
ففي 2 أبريل الجاري، تقدم النائب مجدي الحسيني بطلب إلى وزير التعليم العالي الدكتور عبدالعزيز قنصوه، لزيادة عدد أسرة العناية المركزة بواقع 30 سريرًا في مستشفى أسوان الجامعي، نظرًا لزيادة أعداد المرضى وتكدس قوائم الانتظار.
كما تقدم النائب أنور بهادر بطلب مماثل لزيادة 20 سرير عناية مركزة في مستشفى سوهاج الجامعي. إلا أن الطلبين أُحيلا إلى إدارات الجامعات المختصة، حيث وجه وزير التعليم العالي الطلبات إلى الدكتور لؤي سعد الدين رئيس جامعة أسوان، والدكتور حسان نعمان رئيس جامعة سوهاج، للدراسة وإبداء الرأي.
وفي محافظة مطروح، تقدم النائب عمر إدريس هيبه بطلب إلى وزير الصحة الدكتور خالد عبدالغفار لزيادة عدد أسرة العناية المركزة بالمستشفيات العامة، باعتبارها “ضرورة قصوى”، وتمت إحالة الطلب إلى وكلاء الوزارة المختصين للدراسة.
كما طالب النائب أحمد فرغلي خلال مناقشات لجنة الصحة بمجلس النواب، بحضور وزير الصحة، بوضع حل جذري لأزمة نقص أسرة العناية المركزة، منتقدًا الاعتماد المتزايد على القطاع الخاص في بورسعيد.
وفي 22 يناير 2026، تقدمت النائبة جيهان شاهين بطلب إحاطة موجّه إلى الحكومة بشأن النقص الحاد في أسرة العناية المركزة بالمستشفيات الحكومية والتعليمية.
وأكدت النائبة أن هذا النقص يؤدي إلى تأخر تقديم الرعاية للحالات الحرجة، ويجبر الأسر على اللجوء للمستشفيات الخاصة رغم ارتفاع التكلفة، ما يشكل عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا.
وطالبت الحكومة بتوضيح أسباب العجز، وخطط وزارتي الصحة والتعليم العالي لزيادة الطاقة الاستيعابية للمستشفيات.
تكلفة مرتفعة
من جانبه، أوضح الدكتور عاطف دنيا، مدير مستشفى الحسين الجامعي سابقًا، أن ارتفاع تكلفة تشغيل أسرة الرعاية يرجع إلى الأجهزة الطبية المتقدمة وأطقم التمريض المدربة، وهو ما ينعكس على أسعار الخدمة في القطاع الخاص.
وانتقد الدكتور أيمن أبو العلا ما وصفه باستغلال بعض المستشفيات الخاصة للأزمات، مؤكدًا أن زيادة عدد الأسرة لم تُنهِ المشكلة بسبب النمو السكاني ونقص الكوادر الطبية.
فيما شدد الدكتور علاء الغنام على ضرورة تشديد الرقابة على المنشآت الطبية الخاصة، وتوفير بدائل حكومية قادرة على استيعاب الطلب المتزايد، لحماية المواطنين من “تجار الآلام”.
أرقام ودلالات
تشير بيانات وزارة المالية إلى ارتفاع الإنفاق على الصحة من 304.5 مليارات جنيه في 2022/2023 إلى 496 مليار جنيه في 2024/2025.
ويتمتع نحو 66% من المصريين بتغطية تأمينية صحية، فيما يبلغ متوسط زمن الاستجابة لتوفير سرير عناية مركزة في مصر نحو 24 ساعة، مقارنة بـ 6 ساعات عالميًا.
وبحسب التقديرات الدولية، تحتاج مصر إلى نحو 17 ألف سرير عناية مركزة للوصول إلى الحد الأدنى المقبول.
في المقابل، تشير دراسة صادرة عن مركز “حلول للسياسات البديلة” إلى أن الإنفاق الصحي لم يتجاوز 1.6% من الناتج المحلي منذ عام 2016، رغم أن الدستور ينص على نسبة 3 %.
رد رسمي
من جانبها، أكدت وزارة الصحة، عبر المتحدث الرسمي الدكتور حسام عبدالغفار، أن عدد أسرة العناية المركزة ارتفع من 4536 سريرًا في 2014 إلى 9988 سريرًا في 2025.
وأضاف أن الفترة من يوليو 2024 إلى يونيو 2025 شهدت إضافة 367 سرير رعاية مركزة للكبار، و147 سريرًا للأطفال، و45 سرير رعاية متوسطة.
وأشار إلى أن زيادة الطلب الناتجة عن النمو السكاني وارتفاع الحالات الحرجة لا تزال تمثل تحديًا أمام المنظومة الصحية.
بين قصص المرضى، وضغط المستشفيات، وتحركات البرلمان، وارتفاع التكلفة، وردود الحكومة، تتكشف أزمة ممتدة في أسرة العناية المركزة، حيث تتداخل القدرة المالية مع الحق في الحياة، في ملف لا يزال مفتوحًا على مزيد من الضغط والانتظار.