“بَنْجَلَة” العمالة المصرية الرخيصة.. هل تتخلى صناعة النسيج عن تاريخها لتصبح “ورشة تجميع”؟

تتحرك صناعة الغزل والنسيج في مصر داخل مساحة ضيقة بين تاريخ صناعي طويل كان أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، وبين واقع جديد تُعيد فيه عوامل مثل الاستثمار الأجنبي، وارتفاع التكلفة، وتغير خريطة الإنتاج العالمي، تشكيل ملامح القطاع من جديد.

وبينما تتوسع دول مثل بنجلاديش في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للملابس الجاهزة منخفضة التكلفة، تبرز تساؤلات داخل السوق المصري حول ما إذا كانت الصناعة تتجه نحو نموذج مشابه، يعتمد على العمالة الرخيصة والاستثمارات الخارجية، دون تطور حقيقي في التكنولوجيا أو القيمة المضافة.

هذا التحول لا يظهر فقط في السياسات أو الخطط المعلنة، بل في بنية المصانع، ونوعية الاستثمارات، واتجاهات الإنتاج، وحتى في طبيعة الأسئلة التي تُطرح داخل القطاع: لماذا لم تعد مصر قادرة على إنتاج ملابسها محليًا بكفاءة تنافسية؟ ولماذا تتراجع قدرتها على الحفاظ على صناعتها التاريخية رغم كثافة الخطط الحكومية؟

 

صناعة تاريخية

تشير دراسة صادرة عن الاتحاد العام لجمعيات المستثمرين بعنوان “صناعة النسيج في مصر مشكلات مزمنة وحلول ممكنة” إلى أن جذور صناعة النسيج في مصر تعود إلى العصر الفرعوني في شكل ورش صغيرة.

وبدأت تتوسع الصناعة خلال عهد محمد علي الذي أنشأ نحو 30 ورشة بين الغزل والنسج والصباغة في بولاق والمنصورة، مع إدخال زراعة القطن طويل التيلة عام 1820، والذي أصبح لاحقًا علامة تميز للقطن المصري عالميًا.

ومع بداية القرن العشرين، جاءت نقطة التحول الكبرى مع طلعت حرب، الذي أسس شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى عام 1927 عبر بنك مصر، لتتحول لاحقًا إلى أكبر قلعة صناعية للنسيج في مصر.

وفي تلك الفترة، انتشرت المصانع في شبرا الخيمة والإسكندرية وكفر الدوار وغيرها، واستفادت الصناعة من الحرب العالمية الثانية التي أوقفت الاستيراد، ما سمح بسيطرة الإنتاج المحلي على السوق.

ثم جاءت مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952، حيث اتجهت الدولة إلى التأميم وتوطين الصناعة، وأنشأت صندوق دعم الغزل والمنسوجات القطنية عام 1953، ما أدى إلى توسع القطاع العام وتعزيز التشغيل والعمالة، في واحدة من أقوى مراحل الصناعة تاريخيًا.

 

من الانفتاح إلى الانكماش

يرى الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن نقطة التحول الحاسمة بدأت مع سياسات الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، وخاصة بعد صدور قانون الاستثمار العربي والأجنبي رقم 13 لسنة 1974، وإنشاء المناطق الحرة في منتصف السبعينيات، وهو ما أدى إلى تدفق المنتجات المستوردة وإضعاف الصناعة المحلية تدريجيًا.

ويضيف الميرغني في تصريحات لـ “أحوال مصرية” أن الانحدار تسارع بشكل أكبر مع قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991، وما تبعه من سياسات الخصخصة والمعاش المبكر، حيث خرج أكثر من 160 ألف عامل من القطاع، ما أدى إلى فقدان خبرات تراكمية أثرت على كفاءة الإنتاج.

وبحسب دراسات قطاعية، فإن هذه المرحلة مثلت انتقال الصناعة من نموذج الإنتاج المتكامل إلى نموذج أكثر تفككًا، يعتمد بشكل متزايد على الاستيراد بدلًا من الاعتماد على سلسلة إنتاج محلية مكتملة.

 

خلل هيكلي

تشير دراسات الاتحاد العام للمستثمرين وجمعية صناع الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى إلى أن أحد أبرز أسباب التراجع يتمثل في الإهمال المزمن في تحديث الآلات، وتضخم العمالة، وارتفاع تكلفة الإنتاج مقارنة بالدول المنافسة.

كما ساهمت الديون المرتفعة، والاقتراض بفوائد وصلت إلى 20%، في تعميق الأزمة المالية داخل الشركات، إلى جانب تهريب المنتجات المستوردة، وتراجع الحماية السوقية، فضلاً عن تأثير تحرير سعر الصرف على تكلفة الخامات المستوردة من الغزول والأقمشة.

وتؤكد نفس الدراسات أن الصناعة لم تواكب التحول العالمي في الطلب، حيث تغيرت طبيعة الغزول المطلوبة عالميًا، بينما استمرت بعض المصانع في إنتاج نماذج تقليدية أقل قدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية،

 

أزمة القطن

ارتبطت صناعة الغزل والنسيج في مصر تاريخيًا بالقطن طويل التيلة، إلا أن هذه الميزة تعرضت لتآكل تدريجي خلال العقود الأخيرة، حيث تراجعت المساحات المزروعة من أكثر من مليون فدان إلى أقل من 200 ألف فدان في بعض المواسم بعد عام 2015.

ويؤكد نقيب الفلاحين حسين أبو صدام في تصريحات لـ “أحوال مصرية” أن منظومة تداول القطن التي بدأت عام 2019 رفعت الأسعار في بدايتها إلى أكثر من 18 ألف جنيه للقنطار، لكنها فقدت زخمها لاحقًا مع استقرار سعر الصرف، ما أدى إلى تراجع الحافز الزراعي.

وتشير بيانات هيئة تحكيم القطن إلى أن المساحة المزروعة في موسم 2024/2025 لم تتجاوز 188 ألف فدان، وهو أقل من المستهدف، ما يعكس استمرار الفجوة بين احتياجات الصناعة والإنتاج الزراعي المحلي.

 

خطط تطوير ضخمة.. ونتائج تنفيذ محدودة

منذ عام 2014، أطلقت الحكومة عدة خطط لإعادة هيكلة القطاع، تضمنت تحديث 32 مصنعًا تابعًا للشركة القابضة للغزل والنسيج بتكلفة تتجاوز 56 مليار جنيه، تشمل تطوير المنشآت وسداد المديونيات وتحديث الماكينات.

كما تم الإعلان عن مشروعات كبرى، من بينها مدن نسيجية، ومبادرات دولية، ومشروع “القطن من البذرة إلى الكسوة” بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب خطط لزيادة إنتاجية القطن وتطوير سلاسل القيمة.

وفي 2018، تم إطلاق مشروع مدينة “مان كاي” في مدينة السادات بالشراكة مع شركة صينية باستثمارات تبلغ نحو ملياري دولار، وبطاقة إنتاجية مستهدفة تصل إلى 9 مليارات دولار سنويًا، إلا أن التنفيذ الفعلي ما يزال محدودًا، مع تشغيل جزء من المشروع فقط حتى الآن.

كما شهدت السنوات الأخيرة دخول استثمارات تركية وصينية في مناطق حرة، إلى جانب مشروعات بالمحلة الكبرى، لكن تأثيرها على هيكل الإنتاج المحلي ما يزال محدودًا مقارنة بحجم الاستيراد.

 

التجميع منخفض التكلفة

تُظهر المؤشرات الحالية أن الصناعة تتجه بشكل متزايد نحو نموذج يعتمد على جذب الاستثمار الأجنبي القائم على انخفاض تكلفة العمالة، وهو النموذج الذي يشبه إلى حد ما تجربة دول مثل بنجلاديش في صناعة الملابس الجاهزة، حيث تُستخدم العمالة الرخيصة كعنصر تنافسي رئيسي، أكثر من الاعتماد على تطوير تكنولوجي أو تصنيع متكامل.

وفي المقابل، تشير بيانات قطاعية إلى أن إجمالي الاستثمارات في الصناعة يتجاوز 30 مليار دولار، مع أكثر من 1.5 مليون عامل، إلا أن نسبة كبيرة من الخامات ما تزال مستوردة، ما يجعل الصناعة مرتبطة بالخارج في حلقات إنتاجها الأساسية.

فبين تاريخ كان فيه القطن المصري رمزًا عالميًا للجودة، وواقع يعتمد فيه الإنتاج على استيراد الخامات واستقطاب الاستثمار الأجنبي منخفض التكلفة، تتشكل ملامح نموذج جديد لا يزال محل جدل.

 

أضف تعليقك
شارك