من يراقب كلام المصريين.. الحكومة تدرس رصدًا آليًا لمنشورات السوشيال

لم يعد ينقص المواطن سوى أن يفكر مرتين قبل أن يضغط على زر “نشر” .. فبعدما ضاقت به مساحات الشكوى على أرض الواقع، تستعد الحكومة لمد رقابتها إلى شاشات هواتفه، بغرفة عمليات جديدة ترصد منشوراته، وتصنف محتواه آليًا، وتحدد ما إذا كان يستحق الإنذار أو الحجب، وربما الإحالة إلى السلطات المختصة.
تحت شعار حماية الأسرة المصرية ومواجهة الشائعات والمحتوى الضار، تتجه الحكومة إلى بناء منظومة لمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، لا تكتفي برصد المخالفات، بل تسعى إلى تحديد أصحابها والتمييز بين الممارسات الفردية والمنظمة، وسط غموض بشأن المعايير التي ستحدد ما هو محتوى مخالف.. “فهل تنجح الحكومة في محاصرة الجرائم الرقمية، أم يصبح المواطن مطالبًا بالحصول على إذن غير معلن قبل أن ينتقد أو يشتكي أو يعبر عن غضبه؟”.
جاءت ملامح هذا التوجه خلال اجتماع مجلس الوزراء برئاسة مصطفى مدبولي، نهاية أكتوبر المنصرم، الذي استعرض نتائج أعمال لجنة شُكلت بقرار رئيس الوزراء رقم 2417  لسنة 2026  لدراسة الإجراءات المطلوبة لمواجهة ما وصفته الحكومة بالممارسات السلبية على مواقع التواصل الاجتماعي.
ولم تقتصر توصيات اللجنة على تشديد العقوبات أو ملاحقة الشائعات، بل امتدت إلى تحويل وحدة المحتوى التابعة للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلى مركز وطني فني متكامل، يتولى الرصد الآلي للمحتوى المخالف وتحديد القائمين عليه، تمهيدًا لإحالة الحالات إلى غرفة عمليات مقترحة تتولى فحصها وتصنيفها، واتخاذ إجراءات تبدأ بالإنذار وقد تصل إلى تعطيل الخدمة والحجب وإبلاغ السلطات المختصة.

غرفة الرصد.. من المنشور إلى تحديد صاحبه

وبحسب التقرير الذي استعرضه مجلس الوزراء في اجتماعه الأسبوعي، برئاسة مصطفى مدبولي، لا تقف التوصيات عند حدود إنشاء غرفة عمليات، وإنما تبدأ بتحويل وحدة المحتوى التابعة للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلى مركز وطني فني متكامل، يتولى تنفيذ منظومة للرصد الآلي للمخالفات وتحديد القائمين عليها، قبل إحالة الحالات إلى غرفة العمليات لدراستها وتصنيفها.
وتتضمن الخطة المقترحة التمييز بين المخالفات الفردية والممارسات المنظمة والممنهجة، مع اتخاذ إجراءات متدرجة تبدأ بإنذار صاحب المحتوى، ثم تعطيل الخدمة أو الحجب، وصولًا إلى إبلاغ السلطات المختصة.
كما يُقترح أن تضم الغرفة ممثلين عن الوزارة المعنية بالإعلام وخبراء اجتماعيين ونفسيين وثقافيين وفنيين، للمشاركة في تحليل الحالات ووضع منهجية للتعامل معها.
وفي الوقت نفسه، تمتد التوصيات إلى مؤسسات التعليم والأزهر والكنيسة ووزارة الأوقاف والثقافة والشباب والرياضة، لتكثيف حملات التوعية، بل تخصيص حصص ومناهج دراسية لتعليم الطلاب مخاطر المحتوى الضار وسبل الإبلاغ عنه، إلى جانب إرسال رسائل نصية تحذيرية للمواطنين وتوعية صناع المحتوى بالتزاماتهم القانونية.
أما على المستوى التشريعي، فتتجه الحكومة إلى إعداد مشروع لتعديل قانون العقوبات وتشديد الغرامات المتعلقة بجرائم الشائعات والأخبار الكاذبة، بالتوازي مع العمل على قانون جديد لتنظيم السلامة الرقمية.
وبعد استعراض وزير العدل المستشار محمود الشريف نتائج اللجنة، كلف مدبولي بتشكيل مجموعة عمل لمتابعة تنفيذ توصياتها. لكن المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد عادل أكد أن المقترحات لا تزال قيد المناقشة والمتابعة، وأن تفاصيلها ستُعلن تباعًا بعد الانتهاء من دراسة آليات التنفيذ.
ولا تأتي هذه التحركات بمعزل عن سلسلة من الإجراءات التنظيمية التي اتخذتها الحكومة خلال الأشهر الماضية، إذ سبق أن أطلقت وزارة الاتصالات والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات خدمتي “اطمّن” و”اطمن على الآخر” في يوليو الماضي، قبل صدور قرار مشترك للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز بشأن فرض ضوابط عمرية على حسابات المستخدمين دون 15 عامًا في سبتمبر.
ولا تقتصر التساؤلات بشأن المنظومة المقترحة على حدود صلاحياتها ومعايير تصنيف المحتوى المخالف، بل تمتد إلى جدوى إنشاء وحدات جديدة في ظل تعدد الجهات والمؤسسات المعنية بالفعل بمتابعة المجال الإعلامي والرقمي.
وفي هذا السياق، يرى محمد مرعي، مدير وحدة دراسات الإعلام والرأي العام بالمركز المصري للدراسات الاستراتيجية، أن مواجهة حملات التضليل المعلوماتي لا تستدعي بالضرورة إنشاء كيانات منفصلة، بقدر ما تتطلب تضافر قدرات المؤسسات القائمة وتنسيق جهودها.
ودعا مرعي إلى إنشاء مجلس وطني لمكافحة التضليل المعلوماتي، بمشاركة مختلف الجهات المعنية، معتبرًا أن غياب التنسيق وتعمل كل جهة بصورة منفردة يؤديان إلى تشتيت الجهود وتكرار الأدوار. كما انتقد ما وصفه بالتسرع في الإعلان عن المبادرات والكيانات الجديدة قبل دراسة تفاصيلها.

تحذيرات حقوقية.. من يضع حدود المحتوى المقبول؟

في مواجهة الطرح الحكومي، حذرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من أن التوسع في تنظيم مواقع التواصل قد يتحول إلى توسيع للمراقبة والتجريم، إذا استند إلى مفاهيم غير محددة مثل “القيم المجتمعية والعادات والتقاليد والسلم المجتمعي”.
وفي ورقة موقف أعدتها لبنى درويش، مديرة المناصرة بالمبادرة، في أغسطس 2026، رأت المنظمة أن المسار المؤسسي المقترح قد يحول وحدة الرصد إلى جهاز دائم لمراقبة المحتوى وتصنيف الحسابات وجمع البيانات وإحالة الأشخاص إلى جهات التحقيق، من دون معايير معلنة أو رقابة مستقلة أو ضمانات قانونية كافية.
واستندت المبادرة إلى تجربة تطبيق اتهام “التعدي على قيم ومبادئ الأسرة المصرية”، الذي أُدرج في الإطار القانوني عام 2018، مشيرة إلى استخدامه في ملاحقة صناع محتوى ومواطنين بسبب مواد منشورة على الإنترنت، لم تقتصر على المجال السياسي، بل امتدت إلى محتوى ترفيهي وتفاصيل من الحياة اليومية.

رصد أمني قائم.. بالأرقام

ولا تأتي المخاوف الحقوقية من فراغ؛ إذ سبق أن وثقت مؤسسة حرية الفكر والتعبير أنماطًا من متابعة المحتوى الرقمي والتدخل الأمني على خلفيته.
ففي دراسة نشرتها المؤسسة في يونيو 2026 بعنوان “كيف تراقب وزارة الداخلية مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في مصر؟”، حللت 400  بيان رسمي منشور على الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على فيسبوك، خلال الفترة من إبريل 2025  إلى إبريل 2026، لرصد أنماط التدخل الأمني المرتبطة بالمحتوى الرقمي.
وكشفت الدراسة أن من الوقائع التي شملتها العينة بدأت برصد محتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، مقابل 5% فقط بدأت ببلاغات رسمية، بينما توزعت النسبة المتبقية بين التحريات الأمنية والحملات والتنفيذ الإداري.
كما رصدت المؤسسة أنماطًا متعددة من المحتوى الذي استدعى التدخل، بينها وقائع الابتزاز والتشهير والتحرش، وهي جرائم تستدعي التحقيق والمحاسبة، لكن الدراسة أشارت أيضًا إلى حالات ارتبطت بمحتوى وُصف بأنه مخالف للقيم الأسرية أو خادش للحياء، فضلًا عن مقاطع توثق مشاجرات ومخالفات مرورية وتجمعات أثارت تفاعلًا على المنصات.
وتشير هذه النتائج إلى أن الرصد الرقمي لم يعد مقتصرًا على استخدام المنشورات دليلًا في تحقيقات تتعلق بجرائم محددة، بل أصبح في بعض الحالات نقطة البداية للتحرك الأمني تجاه أصحاب المحتوى أنفسهم.
ومع ذلك، توضح المؤسسة أن دراستها لا تمثل حصرًا شاملًا لجميع تدخلات وزارة الداخلية، وإنما تحليل لعينة من البيانات الرسمية المنشورة، وهو ما ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة نتائجها.
وتزداد أهمية هذه الأرقام عند مقارنتها بالمقترح الحكومي الجديد، الذي يسعى إلى تحويل الرصد الآلي إلى منظومة مؤسسية أكثر تكاملًا، تتولى اكتشاف المحتوى وتصنيفه وتحديد ناشريه، قبل اتخاذ إجراءات قد تصل إلى الحجب وإحالة المخالفين إلى السلطات المختصة.

ملاحقة حسابات في الخارج

ومن بين الوقائع التي تعزز التساؤلات حول حدود استخدام أدوات الحجب، ما أورده المنبر المصري لحقوق الإنسان في بيان صدر في 22 مايو 2026، بشأن قرار للنيابة العامة مؤرخ في21  مايو، استهدف حجب حسابات 12  شخصًا، بينهم صحفيون ومعارضون مصريون يقيمون بالخارج، عبر منصات فيسبوك وإنستغرام وإكس وتيك توك وتلغرام.
وقال المنبر إن إجراءات تنفيذ القرار تضمنت توجيه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إلى تنفيذ الحجب عبر مزودي خدمات الإنترنت داخل مصر، إلى جانب إرسال طلبات إلى المنصات المعنية. واعتبر أن هذه الإجراءات تمثل شكلًا من أشكال الرقابة الرقمية العابرة للحدود.
ومن بين الأسماء التي أوردها البيان عمرو واكد وعبدالله الشريف ومحمد ناصر وأسامة جاويش وهيثم أبو خليل وسامي كمال الدين، إلى جانب آخرين.
ورغم أن هذه الواقعة تتعلق بقرارات حجب قائمة ومحددة، وليست جزءًا من غرفة العمليات المقترحة، فإنها تطرح تساؤلًا حول مدى اتساع استخدام أدوات الحجب مستقبلًا، والضمانات التي ستمنع توظيفها في مواجهة النقد السياسي أو الصحفي.

من تنظيم المنصات إلى تنظيم التعبير

وكانت الحكومة قد فتحت الملف في يوليو 2026، عندما ناقش مصطفى مدبولي مع عدد من الوزراء والمسؤولين وضع أطر تنفيذية لمواجهة ما وصفته الحكومة بالمخاطر السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي، بعد تقرير رسمي تحدث عن ارتفاع الشائعات المرصودة بنسبة 113% خلال النصف الأول من العام مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
وبحسب تقرير صحفي في يوليو 2026، شملت التوجهات الحكومية آنذاك إنشاء وحدة متخصصة لرصد المخالفات، وتغليظ الغرامات المالية، وإطلاق حملات توعية، إلى جانب الدعوة إلى إصدار قانون لحرية تداول المعلومات لضمان الشفافية.
وبينما تتحدث الحكومة عن حماية المجتمع من مخاطر المنصات، يظل السؤال الأهم بلا إجابة “من سيراقب غرفة المراقبة نفسها؟ ومن يضمن ألا يجد المواطن الذي ينشر شكوى من الأسعار أو ينتقد قرارًا حكوميًا أو يوثق خللًا في خدمة عامة نفسه داخل دائرة الاشتباه؟”.

أضف تعليقك
شارك