لم يعد الرادار بالنسبة لبعض السائقين مجرد جهاز لضبط المرور، بل تحول إلى باب جديد للجباية، حتى لمخالفات لم يرتكبونها.. فمن سيارات تسير دون تجاوز السرعة المقررة إلى مخالفات تُسجل لأشخاص وهم داخل منازلهم، تتصاعد شكاوى المواطنين من منظومة الرصد الإلكتروني، بينما تتمسك وزارة الداخلية بدقة أجهزتها وصحة المخالفات المسجلة.
رادار يصطاد الجميع
على محور جمال عبد الناصر بالتجمع الخامس، أثار عبد الله أبوزيد جدلًا بعدما نشر شكوى من مخالفة سرعة سجلها الرادار رغم تأكيده التزامه بالسرعة المقررة، قائلًا: «شوف السرعة عندي كام، العربية اللي جنبي جاية طايرة وأنا اللي لبست المخالفة ليه؟»، مضيفًا أن شقيقه سدد الغرامة قبل علمه بها.
ولم تكن شكواه منفردة؛ إذ رد حساب “فنلندي أحمد” مؤكدًا: «الرادار ده بايظ.. الناس كلها لبست الرادار ده، هتلاقي على كل الجروبات بقالهم فترة بيشتكوا منه”.
وعلقت نهى تاج الدين: “لا حياة لمن تنادي، مفيش غير الدعاء عليهم”، بينما سخر عمرو عطالله بدر قائلًا: “لو ماشي على سرعة 40 هيصورك برضه”.
واتفقت معهم تيسير حلمي، مؤكدة: “كلنا خدنا مخالفات عليه.. فلوس بتتاخد بلطجة من المواطنين، مش عارفة ليه بيعملوا معانا كدة”.
تدفع المخالفة.. وكذلك التظلم
المشكلة لا تتوقف عند دقة الرصد، بل تمتد إلى إجراءات الاعتراض نفسها. فبحسب مصطفى الحامولي، تلقى مخالفتي تجاوز سرعة وعدم ارتداء حزام الأمان رغم تأكيده التزامه بالقواعد المرورية.
وقال: «الموضوع ده مع ناس كتير أنا منهم والله أسير بأقل من السرعة المقررة ومع ذلك وقعوا عليّ مخالفة سرعة زيادة ومخالفة عدم ارتداء الحزام”، معتبرًا أن المصيبة الأكبر تكمن في التظلم الذي ينتهي، بحسب تجربته، بتأكيد المخالفة مع إضافة رسوم التظلم. واختصر المشهد: «ها تدفع يعني ها تدفع.. سواء ها تسميها ظلم أو بلطجة”.
وروت نجلاء سلامة واقعة أكثر غرابة، قائلة: “أنا كنت في منطقة التجمع نايمة في منزلنا الساعة 4 الفجر وجالي مخالفة من منطقة وسط البلد بتجاوز السرعة وكسر الإشارة”، ساخرة: «إحنا بنمشي وإحنا نايمين يا حكومة”.
الداخلية: الرادار سليم
في المقابل، نفت وزارة الداخلية وجود خلل في الرادار محل الشكاوى، موضحة في بيان رسمي، عقب تداول منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، أن السرعة المقررة بالمنطقة الواقعة على أحد محاور القاهرة تبلغ 60 كيلومترًا في الساعة، وأن لوحات إرشادية مثبتة على جانبي الطريق توضح ذلك.
واعتبرت الوزارة أن معايرة جهاز الرادار ودقته سليمة، وأن المخالفات المرصودة صحيحة، وجرى إرسالها إلى النيابة العامة وفقًا لقانون المرور.
لكن الرد الرسمي، وإن حسم موقف الوزارة من الجهاز الذي فحصته، فإنه لا يجيب بمفرده عن جميع الشكاوى المتعلقة بمخالفات أخرى أو حالات اختلاف بيانات السيارات، ولا عن مدى فاعلية إجراءات التظلم.
سيارة مختلفة والمخالفة واحدة
على مجموعة “رادار مصر” عبر فيسبوك، التي تضم أكثر من مليون عضو، شكا محمد رأفت من مخالفة تظهر في النظام بصورة سيارة تختلف عن سيارته في النوع واللون، فضلًا عن اختلاف شكل السائق، بينما تبدو اللوحة المعدنية مطموسة ومتشابهة مع رقم سيارته.
ورغم تقديمه تظلمًا، قال إنه رُفض، وأُلزم بسداد قيمة المخالفة إلى جانب رسم التظلم.
وعلق نادر بولس على الواقعة قائلًا: “منظومة فاشلة وظالمة، الحكومة فرحانة بها لأنها أصبحت مصدرًا من مصادر دخلها ولا يمكن الاستغناء عنه الآن”.
وليست الشكاوى وليدة اليوم؛ فقبل أعوام ظهر محمود موسى في مقطع فيديو مستنكرًا تسجيل مخالفة بحقه رغم التزامه، بحسب قوله، بالسرعة المقررة وارتداء الحزام: “ماشي بمبدأ امشي عدل يحتار عدوك فيك.. لابس حزام السيارة وأسير بالسرعة المقررة، ثم جاءتني المخالفة وبالصورة في وضح النهار”، منتقدًا اضطرار المواطنين لدفع رسوم للاعتراض.
وعبر مجموعة أخرى باسم “ملوك السعادة”، طرح “سامح” شكوى مشابهة قائلا: “غرامة حزام وأنا لابس حزام وباين للأعمى.. ده يتسمى إيه وأتصرف إزاي؟”.
ملايين المخالفات.. كم تبلغ الحصيلة؟
تكشف الأرقام الرسمية اتساع منظومة المخالفات المرورية؛ إذ أعلنت الأجهزة الأمنية ضبط 3 ملايين و208 آلاف و203 مخالفات خلال سبتمبر الماضي وحده، بينها 23 ألفًا و605 مخالفات لتحميل الركاب بصندوق سيارات النقل، و136 ألفًا و602 مخالفة متعلقة بسيارات النقل وحمولاتها ومساراتها.
وتتفاوت الغرامات بحسب نوع المخالفة؛ فعدم ارتداء حزام الأمان واستخدام الهاتف أثناء القيادة من المخالفات التي تبدأ غراماتها، وفق البيانات المنشورة، من 100 جنيه، بينما تصل غرامات بعض المخالفات الأخرى إلى آلاف الجنيهات، وقد تقترن بعقوبات حبس.
ورغم أن العدد الإجمالي يشمل مخالفات متنوعة، وليس مخالفات الرادار وحدها، فإنه يثير تساؤلات بشأن حجم الأموال المحصلة من الغرامات، ونسبة المخالفات التي جرى التظلم منها، وعدد التظلمات المقبولة، ومدى شفافية مراجعة أخطاء الرصد المحتملة.
تتفاوت قيمة الغرامات المرورية بحسب نوع المخالفة، من مئات الجنيهات لمخالفات مثل عدم ارتداء حزام الأمان أو استخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة، إلى آلاف الجنيهات لمخالفات أخرى، من بينها السير عكس الاتجاه أو مخالفة قواعد المرور.
وبينما تستهدف العقوبات ردع السلوكيات التي تهدد سلامة مستخدمي الطرق، فإن تسجيل مخالفة يطعن المواطن في صحتها يضعه أمام عبء مزدوج، سداد الغرامة من جهة، ومحاولة إثبات عدم ارتكابه المخالفة من جهة أخرى.
وتزداد أهمية هذا العبء حين يضطر المواطن إلى تقديم تظلم لا ينتهي، بحسب بعض الشكاوى، إلى تصحيح الخطأ، بل إلى تثبيت المخالفة وتحميله رسومًا إضافية.
تطرح هذه الوقائع تساؤلات عن آليات مراجعة المخالفات الإلكترونية، ومدى إتاحة صور واضحة للرصد وبيانات السيارة والسرعة المسجلة أمام صاحب المخالفة، فضلًا عن معايير قبول التظلمات والمدة اللازمة للفصل فيها.
وبين تأكيد الداخلية سلامة أجهزتها وإصرار مواطنين على وجود أخطاء، يبقى السؤال: من يراجع الرادار حين يخطئ، ومن ينصف المواطن إذا رُفض تظلمه؟
فإذا كانت الغرامات وسيلة لتحقيق الانضباط وحماية الأرواح، فإن ضمان دقتها وتصحيح أخطائها لا يقل أهمية عن تحصيلها، وإلا ظلت شبهة الجباية تطارد منظومة يفترض أن غايتها الأولى سلامة المواطنين، لا جيوبهم