“أمال الفلوس دي بتروح فين؟”.. 7.8 مليار جنيه لأجهزة الرقابة ومصر في ذيل مؤشر الفساد العالمي

خلف أبواب المؤسسات التي تتولى حماية المال العام، تُرصد المخالفات وتُراجع الحسابات، وتُفترض محاسبة من يتجاوز القانون. لكن ماذا يحدث بعد اكتشاف المخالفة؟ وكم من الأموال يعود إلى خزينة الدولة، وكم من الوقائع ينتهي بمساءلة حقيقية؟

تكتسب هذه الأسئلة أهمية مع اقتراب مخصصات الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية من 7.867 مليار جنيه في موازنة 2026/2027، في وقت تسجل فيه مصر 30 نقطة من 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، وتحتل المركز 130 عالميًا بين 182 دولة وإقليمًا.

وبين الإنفاق بالمليارات والاستراتيجيات المتعاقبة، يطرح طلب إحاطة برلماني تساؤلات بشأن حصيلة مكافحة الفساد، وحجم الأموال العامة المستردة، ومدى محاسبة المسؤولين عن إهدارها.

أين حصيلة الإنفاق الرقابي؟

 

تبلغ مخصصات الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية مجتمعة نحو 7.867 مليار جنيه في موازنة 2026/2027، بما يعادل قرابة 0.15% من إجمالي المصروفات المقدرة بنحو 5.188 تريليون جنيه. وفي المقابل، خصصت الموازنة نحو 369 مليار جنيه للصحة و422.3 مليار جنيه للتعليم، وفق الأرقام المنشورة عن التوزيع القطاعي للإنفاق.

لكن تقييم فاعلية الإنفاق الرقابي لا يتوقف عند حجم المخصصات، بل يمتد إلى قدرة المؤسسات على كشف الأموال المرتبطة بالفساد وتتبعها وملاحقة المتورطين فيها.

وفي هذا السياق، أشار تقرير لمنظمة الشفافية الدولية صدر في مايو 2026 إلى تحديات في مصر تتعلق بالتنسيق بين الجهات المعنية بالتحقيقات المالية، موضحًا أن التعاون بين وحدة المعلومات المالية وهيئة الرقابة الإدارية والبنك المركزي وجهات إنفاذ القانون يعتمد على مذكرات تفاهم بين المؤسسات. 

وذكر التقرير أن البلاغات المرتبطة بالفساد تمثل 3% من إجمالي بلاغات المعاملات المشبوهة في مصر، وهي نسبة تتعلق بالبلاغات وليست بحجم قضايا الفساد أو الأموال المستردة.

استراتيجيات لم توقف التراجع

كانت مصر قد سجلت 37 نقطة واحتلت المركز 94 عالميًا عام 2014، قبل أن تتراجع درجاتها وترتيبها خلال السنوات التالية. وشهد عام 2024 تراجعًا حادًا، خسرت خلاله خمس نقاط و22 مركزًا، من المرتبة 108 عام 2023 إلى المرتبة 130، ثم استقرت عند النتيجة نفسها في مؤشر 2025.

ولا يقيس مؤشر مدركات الفساد عدد قضايا الفساد المكتشفة مباشرة، بل يعتمد على مصادر وتقييمات متعددة لمدركات فساد القطاع العام. وتشمل معاييره الرشوة واختلاس المال العام واستغلال المناصب والمحاباة، إلى جانب فاعلية المحاسبة والشفافية وحماية المبلغين وإتاحة المعلومات.

وفي تقريرها عن الاقتصاد المصري لعام 2024، أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن مصر تمتلك إطارًا قانونيًا واستراتيجيات لمكافحة الفساد، لكن التحديات تشمل ضعف تنفيذ الأدوات القائمة، وقصور آليات تلقي الشكاوى وضمان سرية المبلغين وحمايتهم، وضعف التدقيق وصعوبة وصول الجمهور إلى المعلومات، إلى جانب محدودية متابعة سياسات مكافحة الفساد 

طلب برلماني بكشف حساب

 

على خلفية استمرار تراجع مصر في المؤشر، تقدم فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، مطالبًا بكشف حساب عن نتائج الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الفساد، والأموال العامة المستردة، والإجراءات المتخذة لمحاسبة المسؤولين عن وقائع الفساد وإهدار المال العام.

وتساءل البياضي عن أسباب استمرار التراجع رغم مرور أكثر من عشر سنوات على إطلاق الاستراتيجيات الوطنية، مطالبًا الحكومة بتوضيح حجم الأموال التي اكتُشف إهدارها أو الاستيلاء عليها خلال السنوات الخمس الماضية، وما استُرد منها، وأعداد القضايا المكتشفة والإحالات للتحقيق والأحكام النهائية، والإجراءات المتخذة بشأن ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات.

ويمتد المقترح إلى مراجعة مستقلة للاستراتيجيات منذ عام 2014، وتقديم تقرير سنوي إلى البرلمان عن نتائج مكافحة الفساد والأموال المستردة، ونشر بيانات الإنفاق العام والمناقصات والمشروعات الحكومية، وتعزيز حماية المبلغين، وتفعيل الرقابة على تضارب المصالح والكسب غير المشروع، مع وضع خطة محددة زمنيًا تتضمن أهدافًا قابلة للقياس والمحاسبة. 

ويربط البياضي بين مكافحة الفساد والأعباء اليومية التي يتحملها المواطن، من خلال تراجع جودة الخدمات وإهدار الموارد العامة وارتفاع الأعباء الاقتصادية.

وفي جوهر مطالبته، يشدد على أن «المال العام ليس مال الحكومة، بل مال الشعب، ومن حق الشعب أن يعرف كيف يُنفق، ومن المسؤول عن حمايته».

أموال تحتاج إلى متابعة

 

وتتجاوز التساؤلات حدود مؤشر مدركات الفساد لتصل إلى الملاحظات المتعلقة بتنفيذ الموازنة نفسها. ففي بيان أمام مجلس النواب بشأن الحساب الختامي للسنة المالية 2024/2025، أشار الجهاز المركزي للمحاسبات إلى عدم إجراء بعض التسويات التعديلية التي طلبها، وإلى تحميل الاستخدامات بأعباء دون مقتضى أو مبالغ صُرفت بالزيادة أو كان يمكن تجنبها، فضلًا عن تأخر تحصيل إيرادات مستحقة.

وأوضح البيان أن لجنة مشتركة من الجهاز ووزارة المالية اجتمعت في يونيو 2025 لدراسة الاختلاف في المعالجات المحاسبية، واتفق الجانبان على مواصلة المتابعة والتنسيق لإجراء التصحيحات اللازمة. 

ولا تعني هذه الملاحظات بالضرورة ثبوت فساد جنائي، لكنها تثير تساؤلات عن مدى تنفيذ التسويات والتصحيحات المطلوبة، وضمان عدم تكرار أوجه القصور، وإمكانية تتبع أثر التوصيات الرقابية على الحسابات الختامية.

وفي المقابل، رصدت تقارير صحفية محلية قضايا ضبط مسؤولين والتحقيق في مخالفات مالية وإدارية، بينها وقائع مرتبطة بمشروعات مياه وصرف صحي ومنظومة السلع التموينية، وقضايا رشوة واختلاس انتهى بعضها إلى أحكام قضائية.

 كما تناولت تقارير النيابة العامة جهود تطوير آليات التحقيق المالي الموازي والربط الإلكتروني بين النيابات المتخصصة في جرائم الفساد المالي وغسل الأموال. 

لكن الوقائع المنفردة لا تكفي وحدها لقياس الحصيلة الإجمالية، ما لم تتوافر بيانات دورية توضح أعداد القضايا ونتائجها، وقيمة الأموال المستردة فعليًا، ونسبة تنفيذ التوصيات الرقابية، ومدى تراجع المخالفات المتكررة.

وتقدم بيانات سابقة لهيئة الرقابة الإدارية مثالًا على نوعية المؤشرات التي يمكن إعلانها. فقد قالت الهيئة إن جهود الأشهر السبعة الأولى من عام 2019 أسفرت عن تنفيذ 412 قضية جنائية متنوعة، واتخاذ الإجراءات القانونية حيال 1433 موظفًا عامًا، وتحقيق عائد مالي للدولة بلغ نحو 2.4 مليار جنيه، إلى جانب وفر قُدّر بنحو 3.3 مليار جنيه.

تصريحات عن الريادة.. وانتقادات تطالب بالمحاسبة

 

في سبتمبر 2026، قال وزير الخارجية بدر عبد العاطي إن مصر «تعد نموذجًا يُعتد به في العالمين العربي والإفريقي فيما يتعلق بالتجربة المتميزة في مكافحة الفساد»، مشيرًا إلى دور هيئة الرقابة الإدارية في تدريب كوادر من دول عربية وإفريقية.

وشهدت الفترة نفسها أنشطة تعاون دولي ورقابي، بينها منتدى لمكافحة الفساد والاتجار غير المشروع في منطقة المتوسط، تناول تطوير منظومة الجمارك وربط قواعد البيانات والرصد المبكر للأنشطة غير المشروعة ومواجهة غسل الأموال، وانتهى بإصدار «إعلان الإسكندرية» لتعزيز التعاون وتبادل المعلومات والخبرات.

وفي المقابل، كتب سليم فرج، وهو موظف حكومي محال للمعاش، أن «استمرار الأعباء الاقتصادية على المواطنين يتطلب، في المقابل، مزيدًا من الشفافية والمساءلة بشأن حماية المال العام».

وأشار إلى أن بيانات منظمة الشفافية الدولية تعكس، بحسب تعبيره، أن ما يقوله المواطن العادي عن تغلغل الفساد ليس مجرد شعور فردي، بل أصبح أحد سمات العمل العام. 

 واعتبر أن الحل يبدأ بتطبيق معايير الشفافية والتعامل مع تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات دون مواءمات، وتغليظ العقوبات وتفعيل قانون «من أين لك هذا»، ومحاسبة أي فاسد علنًا.

أما السفير السابق فوزي العشماوي، فينطلق من دلالة النتيجة الرقمية للمؤشر، معتبرًا أن ضعف الدرجات يمثل عقبة أمام انتقال الدول إلى مستويات أعلى من التنمية المؤسسية. 

ويطرح العشماوي تساؤلًا بشأن إمكانية رفع درجة مصر إلى 50 نقطة عبر إصلاحات إدارية وتشريعية، أم أن بلوغ هذا الهدف يتطلب إصلاحًا سياسيًا واقتصاديًا أشمل يمتد إلى التعليم والإدارة والتشريع ومنظومة العدالة. 

وفي السياق نفسه، يركز الخبير السياسي والنائب السابق عماد جاد على الفجوة بين التشريع والتطبيق. فوجود منظومة دستورية وقانونية واستراتيجية وطنية لم يمنع، في تقديره، استمرار التراجع في المؤشر، وهو ما يضع فاعلية التنفيذ في صدارة أسباب القصور التي تستدعي المعالجة.

ويعزو جاد جانبًا من صعوبة محاصرة الفساد إلى تعقيدات البيروقراطية ومحدودية أعداد موظفي الرقابة، كما يرى أن مواجهة المشكلة تتطلب رفع الأجور بما يتناسب مع الأسعار، إلى جانب تعزيز الرقابة والمحاسبة، بما يقلل الضغوط التي قد تدفع بعض الموظفين إلى اللجوء للرشوة.

حماية المال العام لا تُقاس بحجم المخصصات أو عدد الاستراتيجيات وحدهما، بل بقدرة المؤسسات على منع الإهدار، وتصحيح أوجه القصور، ومحاسبة المسؤولين، وإتاحة المعلومات التي تمكّن البرلمان والمواطنين من معرفة ما تحقق بالفعل.

أضف تعليقك
شارك