مباني شُيّدت، وأموال أُنفقت، لكن أسئلة الجدوى لا تزال معلّقة أمام مساكن أُنشئت ضمن مشروعات «حياة كريمة» في عدد من المحافظات.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن تحسين حياة سكان القرى، تكشف شهادات مواطنين عن وحدات يقولون إنها ظلت خالية لسنوات، وتصميمات لا تلائم احتياجات بعض الفلاحين، وشكاوى من طفح الصرف الصحي في تجمعات سكنية أخرى.
من المنوفية إلى الجيزة وأسيوط، تفتح هذه الوقائع ملف الفجوة بين بناء المساكن وتحقيق الغرض منها، وتطرح أسئلة عن كيفية تخطيط المشروعات، ومدى ملاءمتها لاحتياجات المستفيدين، وآليات متابعة الإشغال والصيانة.
فهل يكفي إنجاز المباني لاعتبار المشروع ناجحًا، بينما تظل أسباب عدم الإقبال على بعض الوحدات ومشكلات الخدمات بحاجة إلى إجابات واضحة؟
مساكن بلا سكان
في قرية سمادون بمحافظة المنوفية، قال محمد السطوحي عبر موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” إنه شاهد مجموعة من العمارات التي أُنشئت للفلاحين منذ أكثر من خمس سنوات، وبجوارها زرائب أسمنتية، مشيرًا إلى أنها لا تزال خالية، بحسب روايته.
واستعاد السطوحي سؤالًا طرحه أحد أبناء قريته بشأن مدى ملاءمة هذا النمط من السكن للفلاحين: هل يمكن أن يسكن الفلاح في شقة تقع أسفلها زريبة؟ وأشار إلى أن المشكلة، وفقًا لما علمه، تتكرر في مواقع أخرى، بما يثير تساؤلات حول أسباب عدم الإقبال على بعض الوحدات ومدى توافق تصميمها مع احتياجات المستفيدين.
وفي شهادة أخرى، قال حمادة غباشي في تعليق على موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” إن قريته تضم عمارتين لم تُستغلا رغم مرور نحو 12 عامًا على إنشائهما، فيما أشار محمود السماك إلى وجود مجمعات سكنية في محافظات اختيرت لتنفيذ مشروعات المبادرة لم تُسلّم، بحسب قوله، حتى الآن.
أما سهير النرش، فقالت في تعليق عبر موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” إنها شاهدت هذه الوحدات في أكثر من محافظة، موضحة أن بعض المواطنين في المنيا يرون أن تكلفتها مرتفعة، وأن بناء منزل خاص للأبناء قد يكون أقل تكلفة.
تصميم لا يلائم حياة الفلاحين
لا تقتصر اعتراضات المواطنين على عدم إشغال بعض المساكن أو ارتفاع تكلفتها، بل تمتد إلى تصميم الوحدات ومدى توافقه مع طبيعة الحياة الزراعية، خاصة لدى الأسر التي تعتمد على تربية المواشي.
ويرى أحمد كريم عبر موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” أن إقامة الزرائب ملاصقة للمنازل قد تتسبب في انتقال روائح روث المواشي إلى داخل الوحدات، ولا سيما غرف النوم في الطوابق العلوية. وأوضح أن الزرائب في الأراضي الزراعية تُقام عادة على مسافة مناسبة من المنازل، أو في موضع يحد من انتقال الروائح إلى السكان.
ولفت كريم أيضًا إلى صغر مساحة الزرائب الملحقة بهذه الوحدات، معتبرًا أن نمط السكن في العمارات لا يناسب بالضرورة جميع الأسر الريفية، التي اعتادت في بعض القرى الإقامة في منازل مستقلة داخل أراضيها، مع وجود مساحات تفصل بينها وبين الجيران.
ويتفق السيد شلبي في تعليق موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” مع هذا الطرح، مشيرًا إلى أن الفلاح قد يجد صعوبة في الابتعاد عن مواشيه، التي تمثل جزءًا من حياته اليومية ومصدرًا من مصادر رزقه، فيما انتقد علي عبدالرؤوف، مستندًا إلى تخصصه في العمارة والعمران، تصميم هذه الوحدات، واصفًا إياها بأنها «مخازن بشرية وليست مساكن».
وتساءل أشرف سالم عبر موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” عن مدى صلاحية هذه الوحدات لتكون مساكن للفلاحين، منتقدًا محاولات دفع المواطنين إلى الإقامة فيها رغم اعتراضاتهم على طبيعة السكن.
تكلفة السكن
تمثل التكلفة محورًا آخر من محاور اعتراض المواطنين، إذ ترى صباح عبدالعزيز عبر موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” أن سعر الوحدة، الذي قالت إنه يصل إلى مليون جنيه، يجعل بناء منزل مستقل خيارًا أقل تكلفة بالنسبة إلى بعض الفلاحين.
وأوضحت أن الفلاح قد يفضل بناء دور أرضي بتكلفة تقارب 200 ألف جنيه، مع إمكانية إضافة أدوار أخرى مستقبلًا لتلبية احتياجاته واحتياجات أبنائه، بدلًا من الانتقال إلى وحدة لا تتوافق بالضرورة مع طبيعة حياته.
وفي السياق نفسه، أشارت سهير النرش عبر موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” إلى أن ارتفاع الأسعار كان من الأسباب التي ذكرها بعض المواطنين في المنيا لتفضيل بناء منازلهم الخاصة.
مساكن الديسمي
في الجيزة، تبرز قرية الديسمي بمركز الصف نموذجًا آخر ضمن ملف المساكن التي أُنشئت لتوفير مأوى للأسر المتضررة من الكوارث الطبيعية، وسط تساؤلات بشأن مدى استفادة المواطنين منها.
وفي 12 يناير 2026، سلّم المهندس عادل النجار، محافظ الجيزة، عقود الوحدات السكنية المجهزة للمتضررين من السيول بالقرية. ووفقًا لما أعلنه المحافظ، يضم المشروع 32 عمارة سكنية بإجمالي 256 وحدة، إلى جانب 256 حظيرة، موزعة على تجمعين سكنيين، يضم كل منهما 16 عمارة و16 حوشًا، مع تخصيص حوش وحظيرة مستقلة لكل وحدة.
وكانت المساكن قد أُنشئت عقب سيول عام 2020 بهدف توفير سكن للمتضررين، غير أن المواطن محمد سالم قال عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي – الفيسبوك – إن الوحدات لم تشهد إقبالًا على السكن فيها، معتبرًا أن ترميم منازل الأهالي كان يمكن أن يكون أقل تكلفة من إنشاء تجمعات سكنية جديدة.
طفح الصرف الصحي
لا تتوقف التساؤلات بشأن المساكن عند مدى ملاءمة التصميم أو القدرة على تحمّل التكلفة، بل تمتد إلى مستوى الخدمات الأساسية داخل بعض التجمعات السكنية.
وفي 10 أكتوبر 2026، تقدمت النائبة سناء السعيد، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال برلماني إلى وزيري التنمية المحلية والإسكان بشأن تدهور الخدمات وانتشار طفح الصرف الصحي بمساكن قرية المطمر، التابعة لمركز ساحل سليم بمحافظة أسيوط.
وأكدت النائبة أن طفح المجاري وتراكم مياه الصرف الصحي يمثلان أزمة خدمية وبيئية تهدد الصحة العامة، وتستدعي تدخلًا عاجلًا من الجهات المسؤولة.
«سكن كريم».. وحدات للإيجار
تعود بعض طروحات الوحدات السكنية المرتبطة بمشروعات «حياة كريمة» إلى السنوات الماضية، حين أعلنت محافظات عدة إتاحة وحدات للمواطنين بنظام الإيجار ضمن مشروع «سكن كريم».
وفي 4 نوفمبر 2024، فتحت محافظة سوهاج باب التقديم للحصول على 864 وحدة سكنية أُنشئت ضمن المشروع في قرى المرحلة الأولى من المبادرة، موزعة على سبعة مراكز.
وحددت المحافظة آنذاك سن المتقدمين بين 21 و65 عامًا، مع إعطاء الأولوية لمحدودي الدخل. وشملت حدود الدخل المعلنة حدًا أقصى لصافي الدخل الشهري يبلغ 6 آلاف جنيه للفرد و8 آلاف جنيه للأسرة. كما أتاحت، في حالة وجود وحدات زائدة، إمكانية التخصيص لمتوسطي الدخل، بحد أقصى شهري لصافي الدخل يبلغ 13 ألفًا و700 جنيه للفرد و18 ألف جنيه للأسرة.
وفي 14 نوفمبر 2024، أعلن اللواء إبراهيم أبو ليمون، محافظ المنوفية آنذاك، طرح وحدات للإيجار ضمن «سكن كريم» في قرى سمادون ومنيل دويب وساقية أبو شعرة بمركز أشمون، وقرى العزبة الحمراء وزاوية البقلي وسرسموس ودراجيل وكفر السوالمية بمركز الشهداء، بإجمالي 296 وحدة، لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد لمدد مماثلة.
وفي 6 ديسمبر 2024، أعلن اللواء الدكتور هشام أبو النصر، محافظ أسيوط آنذاك، فتح باب التقديم للحصول على 128 وحدة سكنية للإيجار في مراكز ساحل سليم وأبنوب ومنفلوط، لمدة ثلاث سنوات قابلة للزيادة.
الإيجار والتأمين والصيانة
بحسب كراسة الشروط التي طرحها صندوق الإسكان الاجتماعي، في ضوء طرح 3280 وحدة سكنية في 11 محافظة ضمن مبادرة سكن لكل المصريين9، تختلف القيمة الإيجارية الشهرية للوحدة وفقًا للمحافظة وموقع الشقة؛ إذ تبدأ من نحو 1500 جنيه في محافظات قنا وكفر الشيخ والبحيرة والشرقية وسوهاج، بينما تصل إلى نحو 2000 جنيه في بعض المحافظات الأخرى، من بينها المنوفية والغربية.
وتتراوح مساحات الوحدات المطروحة بين 96 و100 متر مربع، ضمن محور الإيجار في مبادرة «سكن لكل المصريين 9»، وفق المعلومات الواردة بشأن الإعلان.
وحددت الشروط مصروفات تسجيل بقيمة 365 جنيهًا غير قابلة للاسترداد، وتأمينًا بقيمة 10 آلاف جنيه للوحدة المطلوب استئجارها. كما حددت الحد الأقصى لصافي الدخل من جميع المصادر عند 16 ألف جنيه شهريًا للأسرة، واشترطت ألا يقل عمر المتقدم عن 21 عامًا ولا يزيد على 35 عامًا حتى نهاية الإعلان.
شروط معقدة
إلى جانب قيمة الإيجار، اشتكى مواطن يُدعى رمضان، في تعليق على موقع «فيسبوك»، من صعوبة التقدم للحصول على شقق «حياة كريمة» في قرى الكريمات ومسجد موسى ومنشأة سليمان بمركز أطفيح.
وقال إن الشروط التي اطلع عليها تشمل أن يتراوح عمر المتقدم بين 21 و35 عامًا، وأن يكون موظفًا ومتزوجًا. وأضاف أنه في حالة التقديم باسم الزوجة، يُشترط أن تكون موظفة أو لديها سجل تجاري مضى على إنشائه عام، إلى جانب ضرورة أن يكون المتقدم من أبناء المنطقة.
وأشار إلى أن الوحدات تُطرح بنظام الإيجار وليس التمليك، بقيمة 1500 جنيه شهريًا، إضافة إلى 250 جنيهًا للصيانة، مع زيادة سنوية بنسبة 7%، معتبرًا أن هذه الشروط تجعل الحصول على الوحدات أمرًا صعبًا.