«يا ريس الأسعار ولعت».. مصر تستعد عسكريًا لدعم السعودية والدولار يكسر الـ 55 جنيهًا 

من طن الأعلاف الذي قفز سعره 40%، إلى الجبن الذي زاد 20%، وصولًا إلى دولار يكسر الـ 55 جنيهًا.. تتسع دائرة الضغوط على الأسواق المصرية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى تطورات المشهد العسكري، بعد إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن السعودية، وسط أنباء عن موافقة على إرسال قوات مصرية إلى المملكة.
في قلب هذا المشهد، لا تبدو الأسئلة الاقتصادية منفصلة عن التوترات الإقليمية، ما الذي يدفع الدولار إلى الصعود؟ ولماذا ترتفع أسعار الغذاء ومدخلات إنتاجه؟ وهل ما يحدث في الأسواق يعكس ضغوطًا أعمق، تتجاوز أثر الأحداث العاجلة إلى اختلالات ممتدة في الإنتاج والاستيراد وسلاسل الإمداد؟

أموال تغادر

لم تتوقف التحركات عند سعر الصرف، بل امتدت إلى تعاملات المستثمرين العرب والأجانب في السوق الثانوية لأدوات الدين الحكومية. فبعد تسجيل صافي شراء بقيمة 1.2 مليار دولار خلال الأسبوع قبل الماضي، تراجع صافي الشراء إلى 328.5 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي.
وشهدت السوق الثانوية لأدوات الدين في البورصة المصرية خروج 480 مليون دولار من الأموال الساخنة، وفقًا لبيانات البورصة المصرية.
وربطت ولاء أحمد، رئيسة البحوث بشركة برايم لتداول الأوراق المالية، تحركات المستثمرين بالتوترات الجيوسياسية، إلى جانب معدلات التضخم في الولايات المتحدة والتوقعات المتعلقة باتجاه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي نحو تشديد السياسة النقدية.
من جانبه، يرى الخبير المصرفي محمد عبد العال أن سوق الصرف يتأثر بالالتزامات الخارجية واحتياجات الاستيراد وتكاليف الشحن والتأمين.
ويؤكد أن الأموال الساخنة عامل مؤثر، لكن لا ينبغي المبالغة في تقدير تأثيرها وحدها، لافتًا إلى استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية.

ضغوط متشابكة

ويربط خالد الشافعي ارتفاع الدولار بمجموعة من الضغوط المتداخلة، من بينها التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة والنفط، وزيادة فاتورة الاستيراد، إلى جانب أعباء الديون وعجز الميزان التجاري والطلب الموسمي على النقد الأجنبي.
ويشير الشافعي إلى أن ارتفاع الدولار ينعكس على تكلفة استيراد المواد الخام والسلع الغذائية ومستلزمات الإنتاج، بما يضع ضغوطًا على الأسعار. ووفقًا لتقديره، قد تظهر آثار ارتفاع تكلفة الاستيراد على المستهلك خلال فترة تتراوح بين أسبوعين وشهر، مع نفاد المخزون الذي جرى شراؤه بالأسعار السابقة.
ويطرح الشافعي ترشيد استيراد السلع غير الضرورية، وتعزيز الاعتماد على الصناعة المحلية، إلى جانب إدارة السياسة النقدية، ضمن الإجراءات التي يمكن أن تسهم في تخفيف الضغوط على سوق الصرف.
أما محمد عبد العال، فيلفت إلى أن ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين وأسعار النفط يضيف أعباءً على فاتورة الاستيراد، التي تقدر بنحو 60 مليار دولار سنويًا، في ظل احتياجات السوق المحلية وعجز الميزان التجاري.
ومن زاوية أخرى، يعزو عبد الحميد إمام، رئيس قسم البحوث المالية في شركة بايونيرز لتداول الأوراق المالية والسندات، الضغوط على الدولار إلى الطلب المحلي واحتياجات الواردات والاعتمادات المستندية، إلى جانب مواعيد سداد الديون وخدمة الدين، وتراجع بعض موارد النقد الأجنبي، ومنها إيرادات قناة السويس، فضلًا عن تخارج بعض المستثمرين الأجانب في ظل حالة عدم اليقين.

فاتورة الديون

تتزامن الضغوط على سوق الصرف مع ارتفاع الدين الخارجي، إذ ارتفع بنحو 1.68 مليار دولار خلال الربع الثاني، ليصل إلى 166.45 مليار دولار، مقابل 164.77 مليار دولار في الربع الأول، وفقًا للأرقام المنسوبة إلى بيانات البنك الدولي في المسودة.
وتشير البيانات الواردة إلى أن الالتزامات الخارجية المستحقة خلال الفترة من يوليو 2026 إلى يونيو 2027 تبلغ نحو 60.9 مليار دولار، بما يضع احتياجات السداد ضمن العوامل المؤثرة في الطلب على العملة الأجنبية.

قفزة الأعلاف

في قطاع الأعلاف، ظهرت الزيادات في أسعار الخامات بصورة واضحة خلال شهري سبتمبر وأكتوبر.
وقال أحمد نبيل، نائب رئيس شعبة البيض بغرفة القاهرة التجارية، إن أسعار مدخلات الأعلاف ارتفعت بنسب تراوحت بين 30 و40% خلال الشهرين.
ووفقًا للأرقام التي عرضها نبيل، ارتفع سعر طن الذرة من نحو 12 ألف جنيه إلى 17 ألف جنيه، فيما صعد سعر طن فول الصويا من 22 ألف جنيه إلى 27 ألف جنيه.
ويعزو نبيل جانبًا من الضغوط إلى اعتماد مصر على استيراد معظم خامات الأعلاف، ما يجعل السوق المحلية متأثرة بالتغيرات في الأسعار العالمية، وتكاليف النقل والتأمين، وتحركات سعر الدولار.

 الجبن أغلى

وامتدت زيادات تكاليف الإنتاج إلى منتجات الجبن، لا سيما الجبن النباتي، الذي يعتمد في تصنيعه على مكونات مستوردة، من بينها الشورتنج، وهو خليط من الزيوت النباتية.
وأشار إيهاب شرابية، نائب رئيس شعبة الألبان بغرفة الإسكندرية، إلى أن ارتفاع تكلفة الشورتنج يرفع تكلفة إنتاج الجبن النباتي الدهن، في ظل استيراد هذه المادة بالكامل.
وفي السوق، رفعت شركات الجبن أسعار منتجاتها بنسبة 20%، بحسب تصريح لمحمد الدماطي، رئيس شركة دومتي، مرجعًا الزيادة إلى ارتفاع الأسعار العالمية للبن البودرة والبروتين، إلى جانب تحركات الدولار وزيادة تكاليف التعبئة والتغليف.

اللحوم ترتفع

وفي سوق اللحوم، أعلن سعيد زغلول، رئيس شعبة القصابين بالجيزة، ارتفاع الأسعار بنحو 15%.
وأوضح زغلول أن ارتفاع الدولار يرفع تكلفة الأعلاف واستيراد الماشية واللحوم المجمدة، مشيرًا إلى أن أسعار اللحوم تراوحت بين 490 و550 جنيهًا للكيلو، مع امتداد الزيادة إلى اللحوم البرازيلية المجمدة.
وأشار رئيس شعبة القصابين بالجيزة إلى أن تحديد أسعار اللحوم تتداخل فيه تكاليف تربية الماشية والأعلاف والنقل، إلى جانب تكلفة استيراد الحيوانات واللحوم المجمدة.
ويؤدي ارتفاع أسعار هذه المدخلات إلى زيادة الأعباء على حلقات الإنتاج والتوريد، بحسب طبيعة كل منتج ومصدره.

الأجهزة الكهربائية

ولم تقتصر الزيادات على الغذاء، إذ شهدت أسعار الأجهزة الكهربائية ارتفاعًا بنحو 5%، وفقًا لأشرف هلال، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية.
وأوضح هلال أن الصاج يدخل في نحو 80% من منتجات الأجهزة الكهربائية، مشيرًا إلى أن رسوم مكافحة الإغراق البالغة 16%، إلى جانب ارتفاع الدولار، أسهمت في زيادة الأسعار.
وأضاف أن المصانع تستورد ما يتراوح بين 40 و45% من مدخلات الإنتاج، رغم وصول نسبة المكون المحلي إلى 80% في بعض المصانع.

التجار والفائدة

وفي تفسيره لما يحدث في الأسواق، قال النائب محمد فؤاد، عضو مجلس النواب والخبير الاقتصادي، إن بعض التجار يستغلون ارتفاع الدولار لزيادة أسعار السلع الموجودة بالفعل في المخازن، رغم أن هذه السلع قد تكون مشتراة بتكلفة أقل قبل ارتفاع سعر الصرف.
وأشار فؤاد إلى أن الاقتصاد المصري يعتمد على الاستيراد بدرجة أكبر من الصادرات، في حين تسهم تدفقات الطاقة في دعم موارد الدولة. كما رجح اتجاه البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة.

غضب المواطنين

وعلى موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، عبّر مواطنون عن استيائهم من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتزايد الأعباء المعيشية.
وكتب حسام حسن تعليقًا على موجة الغلاء: «على رأي المثل.. اللي يغلى ما تشتروهوش»، في إشارة إلى دعوته لمقاطعة السلع التي ترتفع أسعارها.
أما عمر عبدالله، فعدد مجموعة من السلع والخدمات التي قال إنها شهدت زيادات متتالية، وكتب: «بصل غالي وخيار غالي وبطاطس غاليه ومكرونه غليت وزيت غلي ولحمه غليت وفراخ غليت وكهرباء ومواصلات وغاز وميه وتصالح الناس تجيب منين يا ناس الرحمه».
وعبّرت سمسة الخطيب عن غضبها من ارتفاع أسعار الغذاء، مستخدمة صيغة ساخرة لتصوير صعوبة شراء الاحتياجات الأساسية، وكتبت: «بلاها لحمة.. بلاها دواجن.. بلاها سمك.. بلاها خضار.. بلاها فاكهة.. بلاها منتجات البان.. بلاها أكل.. اشربوا مية».
وتبقى الضغوط المرتبطة بتكلفة الاستيراد وخدمة الدين وتدبير النقد الأجنبي وأسعار الخامات العالمية من بين العوامل التي أشار إليها الخبراء لتفسير التحركات في السوق، فيما تتفاوت انعكاساتها على المستهلك بحسب طبيعة السلعة وتكاليف إنتاجها وتوريدها.

 

 

أضف تعليقك
شارك