مناهج مطورة، وشكاوى من صعوبتها تصاعدت بين الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين، ووصلت إلى البرلمان، فيما أرهقت فاتورة الدروس الخصوصية جيوب الأسر قبل أن ترهق أبدان الأطفال.

وبين كثافة المقررات والتقييمات المستمرة، تتزايد التساؤلات حول مدى ملاءمة المناهج الجديدة لقدرات التلاميذ، وما إذا كان التطوير يحقق أهدافه أم يدفع الأسر إلى مزيد من الإنفاق لمساعدة أبنائها على استيعاب ما يُدرس داخل الفصول.

مناهج صعبة وتقييمات لا تتوقف

تركز جانب كبير من الشكاوى على منهج الرياضيات للصف الثالث الابتدائي، الذي طورته الوزارة بالشراكة مع الجانب الياباني، إلى جانب تعديلات مناهج الرياضيات للصفوف الأول والثاني والثالث، والعلوم للصفوف الرابع والخامس والسادس.

وقالت شيماء سمير، والدة أحد الطلاب، عبر “فيسبوك”، إن المناهج الجديدة تتجاوز مستوى التلاميذ، موضحة أن منهج الرياضيات يفترض إتقان مهارات حسابية سابقة لم يتعلموها بالقدر الكافي، ما يجعل العمليات الحسابية معقدة في غياب التمهيد المناسب؟

وعبرت سلمى الشيبة عن استيائها من كثافة المناهج والواجبات والاختبارات، وضيق وقت الراحة، واضطرار أولياء الأمور إلى المشاركة في تدريس أبنائهم منذ الصفوف الأولى.

ودعت عبير أحمد، مؤسسة اتحاد أمهات مصر للنهوض بالتعليم وائتلاف أولياء الأمور، الأسر إلى طرح مشكلاتها ومقترحاتها، مؤكدة في تصريحات صحفية ضرورة مراعاة الطبيعة الخاصة للمرحلة الابتدائية عند وضع المناهج والتقييمات.

ولا تقف تداعيات الضغوط الدراسية عند حدود الأعباء التي تتحملها الأسر، بل تمتد إلى الأطفال أنفسهم؛ إذ حاول طفل من الإسكندرية إيصال صوته عبر مقطع مصور، اختصر فيه معاناته بعبارة “أنا طالب صغير.. بس حاسس بالضغط”، في تعبير عن الأعباء النفسية التي تفرضها الدراسة، وما تثيره من تساؤلات حول قدرة الأطفال على التوفيق بين متطلبات التعليم وحقهم في الراحة واللعب.

فاتورة تتجاوز قدرة الأسر

تتجاوز تداعيات صعوبة المناهج ساعات المذاكرة إلى ميزانية الأسرة. ووفقًا لنتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2019/2020 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ الإنفاق على الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية نحو 136.474 مليار جنيه سنويًا، بمتوسط 5249 جنيهًا للأسرة.

وتعكس هذه الأرقام الفترة التي يغطيها البحث، ولا تمثل تقديرًا للإنفاق الحالي.

وفي تقدير أحدث لحجم السوق، ذكرت “فاست كومباني ميدل إيست” أن سوق الدروس الخصوصية في مصر بلغت قيمتها نحو 780 مليون دولار عام 2024، مع توقع ارتفاعها إلى 1.75 مليار دولار بحلول 2033.

وتقدم تجربة هدى، أم طفل يبلغ عشر سنوات ويدرس بالصف الخامس الابتدائي في مدرسة حكومية بالجيزة، صورة عن تضخم الأعباء، إذ اضطرت إلى الاستعانة بمدرسين اثنين لمادة الرياضيات، أحدهما للشرح والآخر للتدريب وحل نماذج الأسئلة.

وقالت هدى، في تصريحات صحفية، إنها اكتشفت أن وقت الدرس لا يكفي للشرح والتدريب معًا، فاضطرت إلى تقسيم المهمة بين مدرس يشرح المفاهيم وآخر يركز على قواعد الحل والتدريبات، خشية حصول ابنها على درجات متدنية.

وترى أسماء، معلمة رياضيات بالمرحلة الابتدائية، أن كثافة المحتوى واستمرار التقييمات والامتحانات يدفعان بعض الأسر إلى الاستعانة بالدروس الخصوصية.

وأضافت، في تصريحات صحفية، أن عودة الطفل إلى المنزل دون القدرة على فهم ما درسه أو حل واجباته تدفع ولي الأمر إلى البحث عن مدرس خارج المدرسة، وقد ينتهي الأمر بالاستعانة بأكثر من مدرس للمادة الواحدة.

خبراء بين التريث والتحذير

في المقابل، قلل الدكتور أكرم حسن، مساعد وزير التربية والتعليم لتطوير المناهج، من وطأة الشكاوى، وقال في تصريحات تلفزيونية إن الصعوبة التي يشعر بها طلاب الصف الثالث الابتدائي “ظاهرية ومؤقتة”، متوقعًا تراجعها خلال نحو شهر مع تعوّد التلاميذ والمعلمين على المنظومة الجديدة.

وكان الوزير محمد عبد اللطيف قد أعلن تطوير 94 منهجًا دراسيًا بمراحل التعليم الأساسي، إلى جانب تطوير 160 منهجًا في العام الدراسي الحالي، بينها مناهج البكالوريا المصرية، مؤكدًا أن ذلك تم من دون تكلفة مالية على الوزارة.

ويرى الدكتور تامر شوقي، الخبير التربوي وأستاذ كلية التربية بجامعة عين شمس، أن الحكم النهائي على صعوبة منهج الرياضيات المطور لا يزال سابقًا لأوانه، ويحتاج إلى مرور فترة كافية وتحليل نتائج الطلاب.

وأوضح، في تصريحات صحفية، أن المنهج يستهدف تنمية الفهم والتحليل والتفكير المنطقي والنقدي، لا مجرد حفظ جداول الضرب.

في المقابل، يشير الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، إلى أن الشكاوى تستند إلى صعوبات حقيقية، لافتا إلى أن المنهج يعتمد على حل المشكلات والتفكير النقدي دون تأهيل كافٍ للطلاب في السنوات السابقة، بخلاف التجربة اليابانية التي تستند إلى إعداد تدريجي ومعلمين مدربين وبيئة مدرسية مناسبة.

واقترح نشر فيديوهات تعليمية لشرح المناهج وتخفيف بعض المقررات.

أما الدكتور كمال مغيث، الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية، فيرى أن تطوير المناهج لم يحد من الدروس الخصوصية، بل جعل بعض المقررات أكثر صعوبة بالنسبة إلى التلاميذ، ما يدفعهم إلى البحث عن شرح إضافي خارج المدرسة.

وربط المشكلة أيضًا بأوضاع المعلمين المادية والاستعانة ببعضهم بنظام الحصة أو التعاقد، مشددًا على ضرورة تدريبهم جيدًا على المناهج الجديدة.

البرلمان يطالب بالمراجعة.. والوزارة تفحص

ولم تقتصر الاعتراضات على شكاوى الأسر والمعلمين، بل وصلت إلى البرلمان؛ إذ تقدمت سناء السعيد، عضوة مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال إلى وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف بشأن صعوبة مناهج المرحلة الابتدائية وكثافتها، وكثرة الواجبات والتقييمات وما تفرضه من ضغوط على الأطفال وأسرهم.

فيما أكدت الدكتورة داليا الأتربي، عضو مجلس الشيوخ، في تصريحات صحفية، ضرورة مراجعة مناهج المرحلة الابتدائية وتخفيف كثافتها وإدخال أنشطة تطبيقية وترفيهية ورياضية وفنية، محذرة من آثار الضغوط الدراسية على الأطفال وأسرهم.

وامتدت الانتقادات إلى السياسات التعليمية بمختلف مراحل ما قبل الجامعي؛ إذ تقدمت النائبة إيرين سعيد بطلب إحاطة بشأن ما وصفته بالتخبط في القرارات التعليمية وتداعياته على الطلاب والأسر. وقالت إن كثافة المناهج والتقييمات ونقص المعلمين تزيد الأعباء النفسية والمادية وتدفع إلى الدروس الخصوصية.

وشملت ملاحظاتها نظام البكالوريا، مشيرة إلى وجود مواد بلا معلمين والاستعانة بمدرسين من خارج تخصصاتهم دون تأهيل كافٍ، فضلًا عن تعديلات التعليم الدولي التي أضافت العربية والتاريخ إلى المجموع، معتبرة أن إقرارها في مرحلة متأخرة أربك الطلاب والأسر.

وفي تطور لافت، أكدت مصادر بوزارة التربية والتعليم في تصريحات لوسائل إعلام محلية تلقي شكاوى من أولياء الأمور وعدد من المعلمين، مشيرة إلى أن لجانًا متخصصة تعتزم فحص منهج الصف الثالث الابتدائي عقب انتهاء الفصل الدراسي الأول، بالتعاون مع خبراء تربويين، لتقييم مدى تحقيقه الأهداف التعليمية وملاءمة محتواه للمرحلة العمرية ومستوى استيعاب الطلاب، على أن تتخذ الوزارة الإجراءات المناسبة وفق النتائج.

كما دعا الإعلامي محمد علي خير إلى تشكيل لجنة محايدة من خبراء المناهج لدراسة مدى ملاءمتها للمرحلة العمرية، وإجراء استطلاع ميداني في مدارس بمناطق مختلفة والاستماع إلى الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين.

وبالتزامن مع تصاعد الجدل، عقد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي اجتماعًا مع وزيري التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، والتعليم العالي والبحث العلمي عبد العزيز قنصوة، طالب خلاله بإيضاح القضايا المتعلقة بإتاحة التعليم وجودته بما يستجيب لانشغالات الأسر المصرية.

يبقى نجاح التطوير مرهونًا بقدرة الأطفال على الاستيعاب داخل الفصول، دون أعباء جديدة من جيوب الأهالي للدروس الخصوصية، فالتعليم الذي يثقل كاهل الأسرة ويقلّص وقت الطفل للراحة واللعب، يحتاج إلى مراجعة تضمن أن يكون تطوير المناهج طريقًا للتعلم، لا عبئًا إضافيًا على المواطنين.

أضف تعليقك
شارك