فوجئ الدكتور هاني إسماعيل، الطبيب بقصر العيني، بأن مدفن عائلته بمنطقة السيدة نفيسة أصبح ضمن المدافن التي تقرر إزالتها، ليبدأ رحلة البحث عن مدفن بديل ونقل رفات أفراد أسرته.
دفعت الأسرة نحو 17 ألف جنيه مقابل عملية نقل الرفات إلى المدفن الجديد، لكن المفاجأة، بحسب رواية إسماعيل، كانت أن عملية النقل لم تسفر سوى عن العثور على بعض العظام التي قال إنها تعود إلى رجل وامرأة، فيما لم يُعثر على بقية الرفات.
وبحسب ما نشره إسماعيل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أرجع القائمون على عملية النقل عدم العثور على بقية الرفات إلى دفنها على أعماق كبيرة وتأثرها بالمياه الجوفية، بينما ظل مصيرها محل تساؤل بالنسبة إلى الأسرة.
ولم تتوقف معاناة الأسرة عند البحث عن الرفات، إذ يقول إسماعيل إن المدفن البديل يبعد عشرات الكيلومترات عن المدفن القديم، ما جعل نقل موتى الأسرة من مكان إلى آخر لا ينتهي عند إزالة المقبرة، بل امتد إلى تكلفة النقل، وصعوبة الوصول إلى المدفن الجديد، والأسئلة المتعلقة بمصير الرفات.
ووصف إسماعيل ما حدث بأنه «موت ثانٍ» لوالديه وإخوته وأقاربه وأجداده، لكن هذه المرة من دون صلاة جنازة.
لم تكن حالة منفردة
بعد دقائق من نشر إسماعيل شكواه، توالت تعليقات أسر أخرى قالت إنها واجهت تجارب مشابهة مع إزالة مقابر ذويها، أو دفعت مبالغ مالية مقابل نقل الرفات، أو لم تتمكن من معرفة مصيرها.
وكتب حساب يحمل اسم «تيتو تيتو» أن السلطات أزالت مدفن عائلته الملاصق لمسجد السيدة نفيسة، وقال إن الأسرة لا تعرف حتى الآن مصير رفات موتاها.
وأوضح أن المدفن كان يقع في حارة الجزارين، بجوار مسجد السيدة نفيسة، ويحمل اسم «عائلة رمضان»، قبل إزالته، بحسب روايته، من دون إبلاغ الأسرة بموقع المدفن البديل أو مصير الرفات.
أما منى إبراهيم محمد، فقالت إنها واجهت المشكلة نفسها، موضحة أنها دفعت مقابل نقل رفات موتاها بواسطة «التُربي»، وبحضور أحد أفراد أسرتها، إلى المقابر البديلة.
وحذرت من استغلال بعض العاملين في نقل المقابر للأزمة، عبر مطالبة أصحاب المدافن بمبالغ مالية مقابل نقل الرفات، قبل أن يكتشفوا، وفقًا لشهادتها، تعرضهم للاحتيال.
وفي السياق نفسه، قالت صدفة أنيس الجعار إنها دفعت 10 آلاف جنيه لأحد العاملين في نقل المقابر، معربة عن غضبها من تسلم بعض الأسر مقابر بديلة في مناطق بعيدة، بعضها لا يزال تحت الإنشاء.
وتحدث عماد الليثي عن تجربة مشابهة، قائلًا إن مقابر عائلته في منطقة الدراسة أُزيلت ضمن مشروع كوبري الحضارات، وحصلت الأسرة بدلًا منها على مدافن في منطقة جبلية بمدينة 15 مايو، تستغرق الرحلة إليها نحو ساعة.
وأضاف أن بُعد المسافة يجعل زيارة المقابر أمرًا شاقًا، خصوصًا في حالات الوفاة الجديدة، محذرًا من أن تتحول صلة الأسر بموتاها إلى زيارات متباعدة ترتبط بمواعيد الدفن بدلًا من الزيارات المعتادة.
وتساءلت إيمان فوزي عن أسباب تحميل أصحاب المقابر تكاليف النقل، رغم أنهم لم يتخذوا قرار الإزالة، مشيرة إلى أن المقابر البديلة بعيدة، وقد تكون أصغر مساحة من المدافن الأصلية.
وقالت دعاء زمزم إنها دفعت 20 ألف جنيه مقابل نقل الرفات، بينما ذكرت دينا عاطف أنها دفعت 30 ألف جنيه، قبل أن تواجه، بحسب روايتها، المشكلة نفسها المتعلقة بعدم العثور على الرفات.
920 مترًا مقابل 40 مترًا
ومن بين الشكاوى التي ظهرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حالة خالد جمال إسماعيل، الذي قال إن مدفن عائلته كانت مساحته 920 مترًا مربعًا، قبل أن تحصل الأسرة على مدفن بديل في منطقة الروبيكي مساحته 40 مترًا مربعًا.
وقال إسماعيل إن المدفن البديل لم يكن مجهزًا، في وقت كانت الأسرة قد فقدت مدفنها الأصلي الذي اعتادت دفن أفرادها فيه.
وتتكرر في شهادات الأسر التي تحدثت عن عملية النقل مسألة اختلاف مساحة المدفن البديل عن المدفن القديم، إلى جانب بُعد بعض المواقع الجديدة عن المناطق التي كانت تقيم فيها الأسر وتزور مقابر ذويها.
لماذا تُزال المقابر؟
تربط الجهات الرسمية عمليات إزالة المقابر بمشروعات تطوير الطرق والمحاور المرورية في مناطق السيدة نفيسة والإمام الشافعي والسيدة عائشة، وهي المشروعات التي استدعت نقل المدافن الواقعة في مساراتها إلى مواقع بديلة.
وفي يونيو 2023، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتشكيل لجنة برئاسة رئيس مجلس الوزراء، تضم الجهات المعنية والأثريين المختصين والمكاتب الاستشارية الهندسية، لتقييم موقف نقل المقابر في منطقتي السيدة نفيسة والإمام الشافعي، وتحديد كيفية التعامل مع «حالات الضرورة التي أفضت إلى مخطط التطوير»، إلى جانب دراسة البدائل المتاحة.
كما وجّه بإنشاء «مقبرة الخالدين» في موقع مناسب، لتضم رفات عظماء ورموز مصر، على أن تتضمن متحفًا للأعمال الفنية والأثرية الموجودة في المقابر الحالية، وأن تتم عملية نقلها بواسطة المتخصصين والخبراء.
وفي أبريل 2024، أصدرت محافظة القاهرة القرار رقم 2557 لسنة 2024، ونص على وقف الدفن في المقابر والمدافن الواقعة في نطاق محور صلاح سالم البديل، مع نقل الرفات إلى مدافن التعويضات بالعاشر من رمضان تمهيدًا لإزالتها.
ونص القرار كذلك على أن تتولى إدارة الجبانات، بالتنسيق مع حي الخليفة، أعمال إزالة الجبانات، فيما تتولى مديرية الشؤون الصحية تسهيل استخراج تصاريح نقل الرفات.
وبينما حدد القرار الجهات المسؤولة عن أعمال الإزالة ونقل الرفات، نقل أحد المواقع الإخبارية عن أصحاب مدافن شكاوى من صعوبة التنسيق مع الجهات المختصة لاستخراج التصاريح ونقل رفات موتاهم إلى المقابر البديلة بالعاشر من رمضان.
عندما يكون المدفون شخصية عامة
لم تقتصر عمليات نقل المدافن على المقابر العائلية، إذ شملت أيضًا مدافن شخصيات عامة.
وفي أبريل 2024، نقل أحد المواقع الإخبارية عن الدكتورة جليلة القاضي، مديرة أبحاث متفرغة بمركز البحوث من أجل التنمية الفرنسي وأستاذة التخطيط العمراني المتفرغة في جامعات فرنسا، قولها إن حفيدة رئيس الوزراء الأسبق محمد محمود باشا أبلغتها بقرار إزالة مدفن جدها في مقابر الإمام الشافعي.
وفي التقرير نفسه، نقل الموقع عن الدكتورة القاضي قولها إن المدفن يتميز بطراز معماري يجمع بين المملوكي المستحدث و«الأرت نوفو»، ويضم رفات 30 فردًا من الأسرة.
كما نقل عن مصدر أن الدولة لن تهدم المقابر ذات الطابع المعماري المتميز أو التي تضم شخصيات بارزة وتاريخية ورمزية كبيرة.
«أعدت دفن ابني بعد 6 سنوات»
في مايو 2026، نشر المخرج المسرحي حسام الدين صلاح تفاصيل إعادة دفن نجله «جاسر»، بعد مرور ست سنوات على وفاته، عقب إبلاغ الأسرة بوجود أعمال هدم في مقابر السيدة نفيسة.
وبحسب روايته، فوجئت الأسرة بإبلاغها بقرار الهدم قبل يومين فقط، وتوجه إلى المقابر في الموعد المحدد لإتمام عملية نقل رفات نجله.
وقال صلاح إنه اضطر إلى ترك سيارته والسير على الأقدام بسبب إغلاق الطرق المؤدية إلى المقابر، كما ذكر أنه انتظر أكثر من ثلاث ساعات قبل بدء الإجراءات.
وأضاف أنه أوقف عملية الهدم لحماية رفات نجله، قبل أن يعيد دفنه في مكان آخر، وأقيمت صلاة الجنازة عليه مرة أخرى، بحسب روايته.
سمير الإسكندراني.. إخطار بنقل الرفات
وفي ديسمبر 2025، أُثيرت قضية مقبرة الفنان سمير الإسكندراني في منطقة السيدة نفيسة، بعدما تلقت أسرته إخطارًا بنقل رفاته قبل إزالة المقبرة.
ووفقًا لما نشره أحد المواقع الإخبارية، فإن الإخطار وصل إلى الأسرة بعد نحو خمس سنوات من وفاة الإسكندراني، ودعاها إلى نقل رفاته قبل إزالة المقبرة الموجودة في منطقة السيدة نفيسة.
وكان سمير الإسكندراني قد توفي عام 2020، ودُفن في منطقة السيدة نفيسة.
مقابر البساتين.. ترميم مقبرة تاريخية
وفي منطقة البساتين، شهدت المقبرة اليهودية التاريخية أعمال ترميم وتوثيق.
وتضم منطقة البساتين واحدة من أقدم المقابر اليهودية التاريخية في القاهرة، فيما شهد الموقع مشروعات للحفاظ على أجزاء من المقبرة وترميمها وتوثيقها.
كما أُعلن عن مشروع لترميم وتوثيق المقبرة التاريخية، شمل أعمال تنظيف وصيانة وإصلاح أجزاء من الموقع، إلى جانب الحفاظ على عدد من المقابر والقباب التاريخية.
وفي الوقت نفسه، تحدثت أسر مصرية في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي عن إزالة مدافن لذويها في مناطق مختلفة من القاهرة، ومن بينها البساتين، ضمن أعمال التطوير ونقل المقابر.
ماذا تقول الأرقام؟
ولا توجد، حتى الآن، إحصائية حكومية منشورة تجمع إجمالي عدد المقابر التي أزيلت في القاهرة ضمن مشروعات تطوير المحاور والطرق، أو عدد الرفات التي جرى نقلها منذ بدء عمليات الإزالة.
لكن أرقامًا متفرقة تكشف جانبًا من حجم الإزالات في مناطق القاهرة التاريخية. ففي أغسطس 2023، أُشير إلى حصر 24 مقبرة مدرجة ضمن سجل التراث المعماري المتميز داخل نطاق الإزالة في منطقتي الإمام الشافعي والسيدة نفيسة، مع تقديرات بأن إجمالي المقابر التراثية في نطاق الإزالة يصل إلى نحو 90 مقبرة.
وفي تقرير لاحق، أُشير إلى إزالة 17 مدفنًا مسجلًا بقائمة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري في منطقتي السيدة نفيسة والإمام الشافعي خلال أبريل 2023 .
وتظل هذه الأرقام مرتبطة بالمقابر التراثية أو المسجلة، ولا تمثل إجمالي عدد المقابر التي أزيلت في القاهرة ضمن مشروعات التطوير، وهو رقم لا يظهر في إحصاء حكومي موحد منشور حتى الآن.