تتغير خريطة «مستقبل مصر» بسرعة. فالجهاز الذي بدأ حضوره الأبرز من بوابة الأمن الغذائي، تمدد إلى الطاقة والتعدين، قبل أن يفتح الآن جبهة جديدة في المستشفيات.
ومع تأسيس «تحالف مستقبل مصر الطبي» وخطط ضم منشآت جديدة وإنشاء مستشفى من الصفر، يبدو القطاع الصحي مرشحًا لأن يصبح أحد مسارات التوسع الجديدة للجهاز.
هذا التمدد يكتسب دلالة أكبر مع الصلاحيات التي أقرها القانون الجديد للجهاز في نقل ملكية أو تبعية أصول وشركات مملوكة للدولة إليه.
وهكذا لا تقتصر القصة على دخول كيان جديد سوق الرعاية الصحية، بل تتعلق أيضًا بمن يملك ويدير الأصول الصحية العامة، وإلى أي مدى يمكن أن تمتد دائرة الأصول التي تنتقل إلى مظلة «مستقبل مصر».
من الأمن الغذائي إلى المستشفيات
ظهر «تحالف مستقبل مصر الطبي» للمرة الأولى علنًا خلال معرض «إيجي هيلث 2026»، الذي أقيم في سبتمبر الجاري، باعتباره إحدى الشركات التابعة لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
وتقدم الشركة نفسها باعتبارها كيانًا يعمل على تطوير منظومة متكاملة للرعاية الصحية، تشمل الخدمات الطبية المتخصصة ومراكز التميز والتخصصات الدقيقة، إلى جانب التدريب والبحث العلمي والتحول الرقمي والسياحة العلاجية، وتبدأ شبكتها في مرحلتها الأولى بالمركز الطبي العالمي والمستشفى الجوي التخصصي.
ويأتي دخول الصحة بعد سنوات من توسع نشاط «مستقبل مصر» خارج المجال الزراعي الذي ارتبط به عند ظهوره، ويمنح القانون رقم 147 لسنة 2026، الخاص بإعادة تنظيم الجهاز، إطارًا قانونيًا أوسع لنشاطه، بعدما أصبح الجهاز كيانًا ذا طبيعة خاصة يعمل وفق القانون الجديد واختصاصاته وموارده المحددة فيه.
وتكشف خريطة التوسع الجديدة أن المستشفيات ليست مجرد إضافة منفردة إلى قائمة أنشطة الجهاز؛ فالشركة الطبية أعلنت عن التوسع المرحلي في المنشآت والتخصصات والخدمات، بينما كشف نائب رئيسها، اللواء طبيب حسام عبدالله، عن خطة لضم 2 إلى 3 مستشفيات جديدة خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع دراسة إنشاء مستشفى جديد من الصفر وفق الأكواد والمعايير العالمية.
500 سرير كبداية
تضم المرحلة الأولى من شبكة «تحالف مستقبل مصر الطبي» أكثر من 38 تخصصًا طبيًا، وأكثر من 100 استشاري، وطاقة استيعابية تتجاوز 500 سرير، إلى جانب خدمات الطوارئ على مدار الساعة.
ويضم المركز الطبي العالمي أكثر من 38 تخصصًا ويحمل اعتماد اللجنة الدولية المشتركة «JCI»، بينما يقدم المستشفى الجوي التخصصي خدمات في القلب والأورام والأعصاب والعظام والعيون والأنف والأذن، إلى جانب مركز لعلاج الأورام بالإشعاع.
وتشمل الخطة الطبية المعلنة تخصصات القلب والأورام والأعصاب وزراعة الأعضاء وجراحات العظام المتقدمة، إضافة إلى صحة المرأة والإخصاب وطب الأطفال وحديثي الولادة وطب وجراحات العيون.
ولا تتحدث الشركة عن مجرد إدارة مستشفيات قائمة، بل عن بناء منظومة موحدة تشمل الخدمات الطبية والتكنولوجيا والتدريب والبحث العلمي، وتتضمن خطتها تطوير سجل طبي إلكتروني موحد يربط مستشفيات المنظومة، والاستشارات الافتراضية والرأي الطبي الثاني والمتابعة عن بُعد وخدمات متعددة اللغات.
من يضم المستشفيات؟
أحد أهم الأسئلة التي يطرحها التوسع الجديد يتعلق بطبيعة المنشآت التي يمكن أن تدخل تحت مظلة التحالف.
فبحسب مصدر قيادي بوزارة الصحة تحدث لإحدى وسائل الإعلام المحلية، من المتوقع أن تضم الشبكة مستشفيات أخرى تابعة للقوات المسلحة، من بينها مستشفى المعادي العسكري، إلى جانب مستشفيات تابعة لوزارة الصحة تقدم خدمات بمقابل مادي، بينها الأقصر الدولي وأبو سمبل الدولي بأسوان وشرم الشيخ الدولي، ويظل هذا الجزء من خطة التوسع في نطاق ما نقله المصدر، وليس إعلانًا رسميًا عن انتقال ملكية هذه المستشفيات أو تبعيتها إلى التحالف.
وتكتسب مسألة نقل التبعية أهمية خاصة في ضوء القانون الجديد، فالمادة 86 من قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر تجيز، بقرار من رئيس الجمهورية وبعد أخذ رأي الوزير المختص والسلطة المختصة في الجهة المالكة، نقل ملكية أموال أو أصول مملوكة ملكية خاصة للدولة أو الجهات التابعة لها إلى الجهاز أو الصندوق الخدمي، كما تجيز نقل ملكية أسهم أو حصص الشركات المملوكة للدولة أو نقل تبعية الشركات المملوكة بالكامل للدولة.
طبيعة الجهاز
ويحمل التوسع الطبي أيضًا خلفية مؤسسية لا يمكن فصلها عن قصة جهاز «مستقبل مصر»، الذي نشأ أصلًا داخل المؤسسة العسكرية، وكان تابعًا للقوات الجوية، قبل إعادة تنظيمه في يوليو 2026 كجهاز ذي طبيعة خاصة يتبع رئيس الجمهورية مباشرة وفق الإطار القانوني الجديد.
وتصف دراسة حديثة لمعهد كارنيجي الجهاز بأنه كان تابعًا لسلاح الجو قبل تحويله إلى هيئة خاصة تتبع رئيس الجمهورية مباشرة في يوليو 2026 .
فالقانون رقم 147 لسنة 2026 أعاد تنظيمه كجهاز ذي طبيعة خاصة، وأصبح رئيس الجهاز يعين بقرار من رئيس الجمهورية بدرجة وزير.
العلاج للأجانب بالدولار
وفي القلب الاقتصادي للتوسع الطبي تأتي السياحة العلاجية، فشركة «تحالف مستقبل مصر الطبي» أعلنت خلال «إيجي هيلث 2026» أنها تستهدف استقبال مرضى من الدول العربية والأفريقية والأوروبية.
وتقدم الشركة تصورًا لرحلة علاجية تبدأ بتقييم الحالة والاستشارات قبل السفر، ثم ترتيبات السفر والاستقبال والإقامة والترجمة، وتنتهي بالمتابعة الطبية بعد العلاج، كما تحدثت عن بناء شبكة من الوكلاء الطبيين والشركاء ومشغلي السياحة لخدمة المرضى الدوليين.
هذا التوجه لا يأتي منفصلًا عن سياسة حكومية أوسع؛ ففي مايو 2025 أنشأ رئيس الوزراء «المجلس الوطني للسياحة الصحية»، بهدف تنظيم السياحة الصحية ورفع جودة خدماتها وزيادة أعداد القادمين إلى مصر بغرض تلقي الخدمات الصحية.
لكن دخول «مستقبل مصر» إلى هذا المسار يضيف بعدًا آخر، إذ تتحول المستشفيات التي تشكل نواة التحالف إلى جزء من مشروع يستهدف أيضًا المريض الدولي، وليس فقط تقديم الخدمة داخل السوق المحلية.
وبحسب مصدر قيادي بوزارة الصحة تحدث لإحدى وسائل الإعلام المحلية، تركز شركة مستقبل مصر على الخليجيين والسائحين الأجانب الذين تدفع شركات التأمين العالمية تكاليف علاجهم بالعملة الأجنبية، وضرب المصدر مثالًا بعملية قلب يمكن أن تكون تكلفتها في مصر نحو 200 ألف جنيه للمريض المحلي، بينما يمكن لشركة تأمين أجنبية أن تسدد تكلفة علاج المريض الدولي بالدولار.
وبحسب أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن عام 2024، بلغ عدد المستشفيات الحكومية 677 مستشفى، تضم 84,225 سريرًا، بينما بلغ عدد الأطباء البشريين في القطاع الحكومي 120.4 ألف طبيب، وأعضاء هيئة التمريض 238.3 ألف ممرض. وفي المقابل بلغ عدد المستشفيات الخاصة 1153 مستشفى.
التوسع في نقل الأصول
النقطة الأكثر حساسية في مسار «مستقبل مصر» الطبي هي أن القانون الجديد لا يمنح الجهاز دورًا في إنشاء المشروعات فحسب، بل يفتح آليات قانونية لنقل ملكية أو تبعية شركات وأصول حكومية إليه في حالات حددها القانون.
وتنص المادة 87 على أن الشركات والصناديق التابعة أو المنقولة ملكيتها أو تبعيتها إلى الجهاز أو الصندوق الخدمي وفق المادة 86 تعد من الشركات والصناديق التي تباشر أغراضًا ذات بعد قومي أو استراتيجي أو تستهدف تحقيق النفع العام أو تقديم خدمات أساسية للمواطنين أو إدارة مرافق عامة حيوية.
وبالتالي، فإن أهمية المادة 86 لا تكمن فقط في كونها مادة إجرائية تسمح بنقل بعض الأصول، وإنما في أنها تضع إطارًا يمكن من خلاله أن تنتقل شركات وأصول عامة إلى منظومة «مستقبل مصر» بقرارات رئاسية.
انتقادات اقتصادية وحقوقية
وانتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، في دراسة منشورة في أبريل 2025، توجه السياسات الحكومية نحو تقليص دور الرعاية العامة وتوسيع المجال أمام الاستثمار الخاص في تقديم الخدمات الصحية.
وربط الميرغني بين هذا التوجه وتراجع الوزن النسبي للإنفاق الصحي الحكومي في الفترات التي تناولتها دراسته، معتبرًا أن زيادة الأرقام الاسمية وحدها لا تعني تحسن القدرة الفعلية على تلبية احتياجات السكان.
وفي الجانب الحقوقي، أقام المحامي الحقوقي خالد علي في يوليو 2024 دعوى قضائية للطعن على قرارات طرح منشآت صحية عامة للإدارة والاستثمار، واختصم فيها وزير الصحة والسكان والرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار.
وذكرت الدعوى، وفق ما نشر عن حججها، أن طرح بعض المنشآت الصحية العامة للمشاركة مع القطاع الخاص يثير مخاوف تتعلق بحقوق المواطنين والعاملين، وباستقرار الأطقم الطبية ونظم تدريب الأطباء، وبقدرة غير القادرين على الحصول على الخدمات الصحية منخفضة التكلفة.
وأثارت الدعوى كذلك مخاوف تتعلق باستقرار العاملين وتدريب الأطباء واستمرار الخدمات العامة، وهي اعتراضات تخص مسار طرح المستشفيات آنذاك، ولا تمثل حكمًا قضائيًا على «تحالف مستقبل مصر الطبي» أو إثباتًا لمخالفات ارتكبها.
مخاوف المواطنين
وأثارت الخطوة تفاعلًا وانتقادات بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر عدد من المواطنين عن مخاوفهم من انعكاس توسع الجهاز في القطاع الطبي على قدرة المصريين على الحصول على الخدمة الصحية.
وقال محمد فتحي عبر “فيسبوك”: “عليه العوض ومنه العوض المصريين الغلابة بما فيهم العسكريين المعاش في خبر كان”»
وكتب يسري بشارة: “الجمهورية الجديدة.. يحظر علي أغلبية المصريين ممن يقل دخلهم عن المليون جنيه سنويًا التقدم لها”.
وقال أحمد فتحي: “جهاز مستقبل مصر هو الخاصة الملكية بس في ثوب جديد.. نقطة ومن أول السطر”.»
وبينما تتوسع خريطة «مستقبل مصر» في المستشفيات وتستهدف المرضى الأجانب والخليجيين، يظل مصير الأصول الصحية العامة ومسار هذا التوسع هو السؤال الأبرز.
فالمشروع الذي بدأ بشبكة تتجاوز 500 سرير يفتح فصلًا جديدًا في سوق الرعاية الصحية، مع استمرار الجدل حول حدود التوسع وآثاره على الخدمة المقدمة للمصريين.