كانت «مي» تظن أن ما تبقى عليها من ثمن شقتها أربعة شيكات فقط، حتى قررت استخراج تقريرها الائتماني عبر البوابة الرقمية.
هناك ظهرت أمامها مديونية لم تطلبها، وتمويل عقاري لم توقع عليه، ورقم تجاوز المليون و700 ألف جنيه.
أظهر التقرير، بحسب المستندات الواردة في البلاغ المقدم باسمها، تمويلًا تمت الموافقة عليه في 15 فبراير 2026 بقيمة مليون و724 ألفًا و564 جنيهًا، فيما بلغ الرصيد المتبقي نحو مليون و528 ألفًا و700 جنيه، بمدة سداد 35 شهرًا وقسط شهري يقارب 71 ألفًا و600 جنيه.
المفارقة أن «مي» كانت تعرف قيمة ما تبقى عليها من ثمن الوحدة: 395 ألف جنيه فقط موزعة على أربعة شيكات تستحق حتى يونيو 2027، بينما ظهر في تقريرها تمويل يتجاوز هذا الرقم بأكثر من أربعة أضعاف.
أربعة شيكات
تعود بداية القصة، وفق البلاغ الذي تقدم به المحامي معتز السويفي إلى النائب العام، إلى 22 يونيو 2023، عندما اشترت «مي» وحدتها السكنية بالتقسيط، وسددت التزاماتها بشيكات بنكية مسحوبة على أحد البنوك بفرع سموحة.
وبحسب البلاغ، لم يتبقَّ على «مي» سوى أربعة شيكات بإجمالي 395 ألف جنيه، قبل أن تدخل شركة تمويل على خط العلاقة، ويظهر في تقريرها الائتماني تمويل عقاري بقيمة مليون و724 ألفًا و564 جنيهًا.
ويطلب البلاغ التحقيق في كيفية انتقال الحقوق المالية وتسجيل التمويل والبيانات المرتبطة به، فيما تؤكد «مي» أنها لم تطلب هذا التمويل ولم توقع عقدًا مع شركة التعمير للتمويل العقاري «الأولى».
في المقابل، تقدم الشركة رواية مختلفة؛ إذ تربط الواقعة بمديونية قائمة جرى التعامل عليها من خلال «حوالة الحق»، وتؤكد امتلاكها مستندات وإجراءات مرتبطة بالمديونية محل الواقعة.
البند الأخطر
توضح الهيئة العامة للرقابة المالية أن العديد من عقود المطورين العقاريين تتضمن بنودًا تسمح بإحالة كامل العقد أو الحقوق المالية الناشئة عنه إلى جهات أخرى، ومن بينها شركات التمويل العقاري.
وبحسب الهيئة، فإن تنفيذ الحوالة قد ينقل المشتري من العلاقة المالية مع المطور إلى شركة التمويل، على أن يتم إخطار المشتري بتفاصيل الحوالة وآلية سداد الأقساط المتبقية.
ويرى هيثم السايس المحامي المتخصص في قضايا التطوير والاستثمار العقاري، أن لحظة انتقال الحق المالي تمثل تغيرًا جوهريًا في العلاقة، لأن الجهة التي تحصل الأقساط تتبدل، وبالتالي يحتاج المشتري إلى معرفة من أصبح صاحب الحق، وأين يسدد، وما قيمة الالتزام المتبقي.
بيع الأقساط
تشرح الكاتبة الصحفية رانيا بدوي عبر منصة «إكس» أن «حوالة الحق» تسمح، في صورتها العملية، بتحويل حقوق المطور في الأقساط المستقبلية إلى سيولة حالية من خلال إحالتها إلى شركة تمويل عقاري، بينما يظل المشتري ملتزمًا بالقيمة المتفق عليها.
وتستخدم بدوي مثالًا افتراضيًا لتقريب الصورة، فلو كانت هناك أقساط مستقبلية بقيمة 8 ملايين جنيه، يمكن للمطور الحصول على 6 ملايين نقدًا مقابل تلك الحقوق، بينما يستمر المشتري في سداد التزاماته للدائن الجديد وفق الحوالة.
وتكشف بيانات سوق التمويل العقاري عن حجم هذا النشاط؛ إذ بلغت قيمة عقود المحافظ المشتراة خلال أول أربعة أشهر من 2026 نحو 10.259 مليار جنيه، بحسب تقرير صادر عن هيئة الرقابة المالية.
ويرى أيمن عبد الحميد، نائب رئيس مجلس إدارة شركة تمويل عقاري، أن شراء المحافظ يوفر سيولة للمطورين من خلال خصم المستحقات لدى العملاء، بما يساعدهم على تمويل النشاط واستكمال المشروعات.
من شقة إلى ملف
عند هذه النقطة، تنتقل القصة من العقار إلى الائتمان؛ فالهيئة العامة للرقابة المالية تؤكد أن شركات التمويل العقاري، باعتبارها جهات مانحة للائتمان، ملزمة بالإقرار شهريًا بأرصدة المديونيات المستحقة على عملائها لدى شركة «I-score».
وتوضح «I-score» أن تقريرها الائتماني يتضمن بيانات التسهيلات والأرصدة وسلوك السداد وأيام التأخير والمبالغ المتأخرة، وهي معلومات تدخل ضمن دراسة الجهات المانحة لطلبات الائتمان.
لكن «I-score» تحسم في المقابل نقطة مهمة؛ فهي لا تتخذ قرار الموافقة على القرض أو رفضه، وإنما تقدم المعلومات للجهة المانحة، التي تتخذ القرار وفق سياستها ودراستها الائتمانية.
غضب المشترين
ومع انتشار الحديث عن «حوالة الحق» وآثارها، ظهرت على منصات التواصل موجة من التساؤلات والانتقادات من متعاملين ومتابعين للملف.
وتساءل خالد الكومي عن كيفية تحول مشتري الشقة إلى عميل لشركة تمويل عقاري دون علمه، لمجرد توقيعه على شيكات الأقساط، كما طرح سؤالًا آخر حول ظهور المديونية في «I-score» في الحالات التي يحجب فيها المشتري الأقساط بسبب عدم وفاء المطور بالتزاماته.
ويذهب حسن عرفان إلى وصف العقود بأنها «عقود إذعان»، معتبرًا أن المشتري قد لا يرى العقد قبل الشراء، وقد لا يحصل على نسخته إلا بعد أشهر من الحجز، وهو ما يراه سببًا إضافيًا لضرورة التدقيق في البنود التي تحكم العلاقة
واتهم عرفان هيئة الرقابة المالية بالتساهل مع المطورين على حساب المشتري، معتبرًا أن المطور يحتمي بالعقد والشيكات، بينما تكتفي الهيئة بالقول إن هذه البنود موجودة في العقد، وطالب بفتح تحقيق يستمع إلى المشترين لمعرفة ما إذا كانوا قد أُبلغوا بإمكان دخول شركات التمويل العقاري في العلاقة.
ويرى المحامي سيد السمكري أن شرط «حوالة الحق» في عقود المطورين يمثل، من وجهة نظره، «غشًا وتدليسًا»، ويعتبر أن هذا الشرط باطل قانونًا ولا يعترف به القضاء، بحسب تقديره.
كما اتهم السمكري استخدام هذا الشرط، وفق وصفه، في تغطية ممارسات مالية تستهدف الاستيلاء على أموال البنوك والصناديق والمستثمرين في البورصة، ووصف هذه الآليات بأنها من «طرق النصب المعاصرة».
وعبر منصة «إكس»، وصفت سحر الحسيني «حوالة الحق» بأنها «النصباية الجديدة بتاعت المطورين العقاريين»، معتبرة أن البند قد يؤدي، بحسب وصفها، إلى تفويض المطور للحصول على قرض باسم المشتري.
أين الرقابة؟
تؤكد هيئة الرقابة المالية أن تحذيرها من «حوالة الحق» يأتي في إطار حماية حقوق المتعاملين، كما تؤكد ضرورة مراجعة العقود والانتباه إلى البنود الخاصة بالحوالة قبل التوقيع.
لكن الهيئة أوضحت في 3 سبتمبر 2026 أنها لم تصدر قرارًا جديدًا يحظر «حوالة الحق»، ولم تمنع المطورين من تضمينها في العقود، مؤكدة أن القانون المدني يسمح بهذا الإجراء وينظمه.
وهنا يقع الاختبار الحقيقي للرقابة: هل يكفي أن تكون العملية قانونية، أم يجب أن تكون مفهومة أيضًا؟ لأن المواطن الذي يوقع عقد شقته لا يفترض أنه يبيع أقساطه أو يبدل دائنه، ولا ينبغي أن يكتشف هذه الطبقة من العلاقة بعد أن يصبح العقد قائمًا والبيانات قد دخلت بالفعل إلى منظومة الائتمان.