مليارات تُنفق.. وأسعار ترتفع.. ومظلة الحماية الاجتماعية تتسع. ثم، فجأة، تستيقظ 2.2 مليون أسرة على استبعادها من «تكافل وكرامة».
هكذا تدعي الحكومة أن أوضاع هذه الأسر تحسنت، أو أن أحد أفرادها وجد عملًا، فلم تعد في حاجة إلى الدعم.
لكن بعيدًا عن أرقام «التخارج»، لا تزال 4.7 مليون أسرة تحت المظلة نفسها، بينما تدخل إليها أسر جديدة، في وقت تغيب فيه الأرقام الرسمية عن أعداد الفقراء الآن.
ليبقى السؤال الأهم هل غادرت 2.2 مليون أسرة الفقر فعلًا؟ أم أن الفقر بقي في البيوت بينما اختفت الأسماء من قوائم «تكافل وكرامة»؟
فبحسب بيانات وزارة التضامن، استفادت من «تكافل وكرامة» منذ انطلاقه في يناير 2015 نحو 8.2 مليون أسرة، مقارنة بنحو 1.7 مليون أسرة كانت تستفيد من برامج المساعدات الضمانية القديمة عام 2014.
ويستفيد من البرنامج حاليًا 4.7 مليون أسرة، بعد خروج نحو 3.5 مليون أسرة من إجمالي من التحقوا به.
وتقول الوزارة إن 2.2 مليون أسرة من هؤلاء خرجت نتيجة التحاق أحد أفرادها بعمل أو تحسن وضعها الاجتماعي والاقتصادي، بما يمثل نحو 63% من إجمالي الخارجين، بينما خرجت 1.3 مليون أسرة لأسباب أخرى، كالوفاة أو السفر للخارج أو تغير الحالة الاجتماعية وفقدان شروط الاستحقاق.
وبين رقم الخارجين ورقم الباقين، تبرز مسألة أخرى: هل يقيس الخروج من قوائم الدعم التحسن الاقتصادي للأسرة بصورة مستدامة، أم أنه يرتبط في بعض الحالات بتغير البيانات أو فقدان أحد شروط الاستحقاق؟
يخرج مليون.. ويدخل مليون آخر
لا يعمل «تكافل وكرامة» باعتباره قائمة ثابتة للمستفيدين، إذ تقوم آليته على ضم أسر جديدة بصورة مستمرة، مقابل مراجعة بيانات أسر أخرى واستبعاد من لم تعد تنطبق عليهم شروط الاستحقاق.
وخلال العامين الماليين الأخيرين، بين 2024 و2026، التحقت بالبرنامج 1.3 مليون أسرة جديدة، بينما خرجت منه مليون أسرة، بحسب بيانات وزارة التضامن.
وقالت الوزارة إن عمليات التخارج وفرت 11 مليار جنيه للموازنة العامة خلال العامين، من إجمالي 30 مليار جنيه منذ بدء عمليات الاستبعاد والتخريج.
وتعتمد المراجعة على بيانات «السجل الاجتماعي» وما يتصل بالدخل والعمل والأصول والحالة الاجتماعية وغيرها من شروط الاستحقاق.
لكن طريقة تطبيق هذه المراجعات ظهرت بدورها في عدد من الأسئلة البرلمانية خلال العام الحالي.
وقف بطاقات لأسباب «وهمية»
ففي مارس الماضي، تقدم المهندس إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، بسؤال برلماني بشأن وقف بطاقات «تكافل وكرامة» لعدد من المواطنين بدعوى وجود سجلات ضريبية مفتوحة بأسمائهم، رغم تأكيد المتضررين، وفق ما ورد في سؤاله، أنهم لا يمارسون نشاطًا تجاريًا ولم يكونوا يعلمون بوجود هذه السجلات.
كما أشار منصور إلى شكاوى من رفض طلبات بناءً على نتائج زيارات منزلية، رغم إفادة بعض المواطنين بعدم زيارة موظفين لمنازلهم، مطالبًا بإظهار أسباب الرفض بصورة تفصيلية وعدم الاكتفاء برسالة تفيد بأن المواطن «غير مطابق لشروط الصرف».
وفي يناير الماضي، أثار النائب أحمد عصام الدين، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر بمجلس النواب، القضية نفسها من زاوية أخرى، متقدمًا بسؤال إلى الحكومة بشأن شطب عدد من المواطنين من الاستفادة من المعاش دون إبداء أسباب واضحة، وفقًا لما ورد في السؤال، مطالبًا بتوضيح معايير الحصر والمراجعة وأسباب الاستبعاد وآليات التظلم.
وقبل ذلك، ناقشت أماني أبو اليزيد، عضو مجلس النواب وعضو لجنة التضامن الاجتماعي، حالات قالت إنها حصلت على استحقاقات وموافقات طبية رسمية، بينما تأخر صرف المعاشات المقررة لها، مطالبة بسرعة إنهاء الإجراءات للحالات المستحقة ومتابعة وصول الدعم إليها.
أما النائب علاء سليمان، فطرح مشكلة مختلفة تتعلق بقيمة الدعم نفسها، منتقدًا محدودية المعاش في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ومشيرًا خلال مناقشة برلمانية إلى صعوبة تحمل المستفيدين لتكاليف المرافق والاحتياجات الأساسية.
وتكشف هذه الوقائع اختلاف طبيعة المشكلات التي أثيرت حول البرنامج، بين الاستبعاد استنادًا إلى بيانات يرى مواطنون أنها غير دقيقة، وتأخر صرف استحقاقات، وشكاوى من عدم وضوح أسباب الرفض، إلى جانب التساؤل حول مدى كفاية قيمة الدعم.
من يقرر الاستحقاق؟
ترتبط عملية الاستبعاد في البرنامج بتغير ظروف الأسرة أو ظهور بيانات جديدة تؤثر في شروط الاستحقاق. وقد يكون السبب التحاق أحد أفرادها بعمل أو تحسن الدخل أو تغير الحالة الاجتماعية أو امتلاك أصول لا تسمح قواعد البرنامج باستمرار الدعم معها.
لكن بيانات الوزارة نفسها تميز بين الأسر التي خرجت لتحسن أوضاعها، والأسر التي خرجت لأسباب أخرى لا تتعلق بتحسن الدخل.
فمن أصل 3.5 مليون أسرة لم تعد تحصل على الدعم، تصنف الوزارة 2.2 مليون باعتبارها تحسنت اقتصاديًا أو اجتماعيًا، بينما تمثل حالات الوفاة والسفر وتغير الظروف الأخرى نحو 1.3 مليون أسرة.
232 مليار جنيه و4.7 مليون أسرة
ارتفعت موازنة «تكافل وكرامة» إلى 54 مليار جنيه في العام المالي 2025/2026، مقارنة بنحو 5 مليارات جنيه قبل أكثر من عقد، ليصل إجمالي ما صُرف على البرنامج منذ انطلاقه عام 2015 إلى نحو 232 مليار جنيه.
ويتراوح الدعم النقدي بين حد أدنى يبلغ 700 جنيه ومتوسط يقترب من 900 جنيه شهريًا، مع اختلاف القيمة وفق الحالة وعدد أفراد الأسرة والاستحقاقات الأخرى.
ويرتبط البرنامج كذلك بشروط خاصة بالتعليم والصحة، إذ بلغت نسبة المواظبة الدراسية لأبناء الأسر المستفيدة 77%، فيما بلغت نسبة الالتزام بالمتابعة الصحية الدورية للأطفال، بحسب بيانات الوزارة، 92%.
وتقول وزارة التضامن إن البرنامج يعتمد على قواعد استهداف تستند إلى خرائط ومؤشرات الفقر، ويستفيد منه حاليًا نحو 4.7 مليون أسرة.
لكن بعد أكثر من عقد من التوسع، لا تزال أعداد المستفيدين قريبة من السقف الحالي للبرنامج، بينما تدخل إليه أسر جديدة وتخرج منه أخرى.
حين يصبح الرقم غائبًا.. كيف نقيس الخروج؟
تتزامن بيانات وزارة التضامن بشأن خروج ملايين الأسر من البرنامج مع غياب بيانات رسمية حديثة منشورة عن معدل الفقر في مصر.
فآخر نتائج شاملة منشورة لبحث الدخل والإنفاق للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تعود إلى عام 2019/2020، وسجلت معدل فقر بلغ نحو 30 %.
ومنذ ذلك الوقت، شهد الاقتصاد المصري تغيرات كبيرة شملت ارتفاعات متتالية في معدلات التضخم، وزيادة أسعار الغذاء والطاقة والخدمات، إلى جانب تحركات واسعة في سعر صرف الجنيه.
وفي ديسمبر 2024، تحدثت وزيرة التضامن الاجتماعي عن نحو 12 مليون أسرة تعيش تحت خط الفقر، بينها 7.4 مليون تستفيد من برامج الدعم النقدي المختلفة.
وبين الباب الذي تدخل منه أسر جديدة والباب الذي تخرج منه أخرى، يبقى السؤال الذي تطرحه أرقام «تكافل وكرامة» بعد 11 عامًا: هل تكفي مغادرة الأسرة قائمة الدعم للقول إنها غادرت دائرة الفقر؟