لم يكن قرار الحكومة بزيادة حصة تصدير الأسمدة مجرد إعادة توزيع للإنتاج، بل نقل ملايين الأطنان من السوق المحلية إلى الأسواق الخارجية، في وقت كان آلاف المزارعين يشكون نقص المقررات السمادية وارتفاع تكلفة الزراعة.
وبينما عززت صادرات الأسمدة موارد الدولة من النقد الأجنبي وحققت الشركات أرباحًا قياسية، تقلصت الكميات المخصصة للفلاح، لتتحول الأولوية من تلبية احتياجات الحقول إلى الاستفادة من طفرة الأسعار العالمية.
هكذا وجد المزارعون أنفسهم يدفعون ثمن سياسة فضّلت تعظيم حصيلة التصدير، في وقت أصبحت فيه “شيكارة السماد” أكثر ارتباطًا بسعر الدولار من احتياجات الأرض
تصفية الدعم
بدأت الأزمة في سبتمبر 2025، عندما أعادت الحكومة توزيع حصص إنتاج الأسمدة بين السوق المحلية والتصدير.
فبموجب التوزيع الجديد، ارتفعت حصة التصدير إلى 53% من إجمالي الإنتاج، مقابل 45% سابقًا، بينما انخفضت الحصة المخصصة لوزارة الزراعة – التي تُوزع للمزارعين بأسعار مدعمة – إلى 37% بدلًا من 55%.
وبذلك تراجعت الكميات التي تحصل عليها وزارة الزراعة من نحو أربعة ملايين طن سنويًا إلى 2.4 مليون طن فقط، مع الإبقاء على 10% من الإنتاج للبيع في السوق الحرة المحلية، في أول تغيير بهذا الحجم في خريطة توزيع الأسمدة بين التصدير والسوق المحلية.
ولم يقتصر الأمر على إعادة توزيع الحصص، إذ قررت الحكومة أيضًا إلغاء صرف الأسمدة المدعمة لمحاصيل البساتين، إلى جانب خفض المقررات السمادية لمحصولي قصب السكر وبنجر السكر إلى النصف، وهو ما أثار اعتراضات واسعة بين المزارعين والجمعيات الزراعية.
ورغم أن هذه القرارات جاءت في صورة تعديلات تنظيمية، فإنها عمليًا أعادت توجيه ملايين الأطنان من الأسمدة بعيدًا عن الحقول، في وقت كانت الأسواق العالمية تشهد ارتفاعات قياسية في الأسعار، ما جعل التصدير أكثر جاذبية من تلبية احتياجات السوق المحلية.
قفزة في الأسعار
جاءت إعادة توزيع حصص الأسمدة في توقيت شهدت فيه الأسواق العالمية طفرة غير مسبوقة في الأسعار، مدفوعة باضطرابات أسواق الطاقة وتداعيات الحرب على إيران، ما جعل تصدير الأسمدة أكثر ربحية للشركات وأكثر جدوى للدولة الباحثة عن موارد إضافية من النقد الأجنبي.
فخلال أبريل 2026، قفز متوسط سعر تصدير الأسمدة المصرية إلى نحو 850 دولارًا للطن، مقارنة بنحو 450 دولارًا قبل اندلاع الحرب نهاية فبراير، بزيادة تجاوزت 100%.
وفي ظل هذه الطفرة، وافقت الجهات المختصة على تصدير نحو 1.4 مليون طن من الأسمدة منذ بداية عام 2026، كما فرضت الحكومة مطلع مايو رسومًا بقيمة 90 دولارًا على كل طن من صادرات الأسمدة الأزوتية لمدة ثلاثة أشهر، بما يضمن زيادة العائدات المحققة من التصدير.
ولم يكن ارتفاع الأسعار العالمية وحده هو الدافع وراء هذا التوجه، فمصر تُعد من أكبر منتجي ومصدري الأسمدة النيتروجينية في المنطقة، بإنتاج سنوي يبلغ نحو 17.9 مليون طن، ما منحها فرصة للاستفادة من زيادة الطلب العالمي، خصوصًا من أسواق مثل الهند، أكبر مستورد لليوريا في العالم.
الرابح الأكبر
لم تتأخر نتائج هذا التوجه في الظهور على مؤشرات التجارة الخارجية ونتائج أعمال شركات الأسمدة.
فقد ارتفعت صادرات مصر من الأسمدة بنسبة 3% خلال الربع الأول من عام 2026 لتسجل 838 مليون دولار، بحسب بيانات الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، كما زادت الصادرات إلى الهند بنسبة 140% خلال الفترة نفسها لتصل إلى 77 مليون دولار.
وفي مايو 2026، نجحت ست شركات مصرية في الفوز بنحو 15% من مناقصة هندية لاستيراد 2.5 مليون طن من الأسمدة الآزوتية، في مؤشر على تنامي الطلب العالمي على المنتج المصري.
وبالتوازي مع ذلك، حققت شركات الأسمدة نتائج مالية غير مسبوقة، إذ ارتفعت أرباح أكبر أربع شركات بالقطاع، من بينها “موبكو” و”أبوقير للأسمدة” و”فيركيم مصر”، إلى 12.8 مليار جنيه خلال الربع الأول من عام 2026، مقارنة بـ8.6 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام السابق، بينما ارتفعت الإيرادات إلى نحو 30 مليار جنيه.
ويرى خالد أبو المكارم، رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية، أن الشركات توسعت في التصدير للاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية وفروق العملة، بينما أكد طارق زغلول، نائب رئيس المجلس، أن زيادة الحصة التصديرية جاءت في إطار توجه الدولة لتعظيم حصيلة الصادرات وزيادة موارد النقد الأجنبي.
ولا تقتصر استفادة الدولة، بحسب يوسف حسيني، رئيس قسم المواد والكيماويات بالمجموعة المالية “هيرميس”، على حصيلة الصادرات، بل تمتد إلى زيادة الضرائب، وارتفاع أرباح الشركات التي تمتلك الدولة حصصًا فيها، فضلًا عن استفادتها من آلية تسعير الغاز الطبيعي المرتبطة بأسعار اليوريا العالمية.
خسائر الفلاح
في المقابل، بدأت آثار إعادة توزيع الأسمدة تظهر سريعًا داخل الحقول، حيث وجد آلاف المزارعين أنفسهم أمام كميات أقل من احتياجاتهم الفعلية، بعد تقليص المقررات السمادية وإلغاء الدعم عن بعض المحاصيل.
وكان المزارع سعيد عبدالجواد من أوائل من وجهوا استغاثة إلى رئيس الجمهورية، محذرًا من أن وقف صرف الأسمدة المدعمة لمحاصيل البساتين يهدد أكثر من مليوني فدان من الموالح والنخيل والمانجو والزيتون وغيرها من الزراعات.
كما رفضت الجمعية التعاونية الزراعية العامة لإنتاج وتسويق الموالح القرار، مؤكدة أن المقررات السمادية السابقة كانت تستند إلى توصيات علمية تراعي احتياجات كل محصول، وأن إلغائها سيزيد الأعباء على المزارعين ويؤثر في الإنتاج.
وفي محافظة قنا، تقدم ممثلون عن مزارعي قصب السكر بمذكرات إلى وزارة الزراعة للمطالبة بإعادة الحصص السابقة، مؤكدين أن خفض المقررات إلى النصف يهدد محصولًا استراتيجيًا تعتمد عليه صناعة السكر وآلاف الأسر في صعيد مصر.
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، تداول مزارعون شكاوى من انخفاض حصة الفدان من 13 شيكارة إلى خمس فقط في بعض المناطق، محذرين من تراجع الإنتاج وارتفاع تكلفة الزراعة واللجوء إلى شراء الأسمدة من السوق الحرة بأسعار أعلى.
فاتورة القرار
ولا تتوقف تداعيات تقليص المقررات السمادية عند حدود شكاوى المزارعين، إذ يحذر خبراء من أن استمرار هذه السياسة قد ينعكس على الإنتاج الزراعي، ويؤدي إلى ارتفاع تكلفة الغذاء، ويضعف القدرة التنافسية لبعض الصادرات الزراعية المصرية.
ويقول الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة، إن مصر تصدر نحو سبعة ملايين طن من الأسمدة سنويًا، مستفيدة من ارتفاع الأسعار العالمية، إلا أن تقليص الحصص المخصصة للمحاصيل الاستراتيجية والبساتين يدفع المزارعين إلى اللجوء للسوق الحرة بأسعار أعلى، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج.
ويضيف أن زيادة التكلفة لن تنعكس فقط على أسعار الفاكهة والخضراوات داخل السوق المحلية، بل قد تؤثر أيضًا على تنافسية الصادرات الزراعية المصرية في الأسواق الخارجية، خصوصًا في ظل المنافسة مع دول مثل تركيا واليونان وإسبانيا والمغرب.
ويتفق معه الخبير الاقتصادي رشاد عبده، الذي يرى أن تقليص الدعم يدفع المزارع إلى شراء احتياجاته من القطاع الخاص بأسعار مرتفعة، أو تقليل كميات التسميد، وهو ما ينعكس في الحالتين على حجم الإنتاج وجودته، ويؤدي في النهاية إلى زيادة أسعار بعض المحاصيل.
وبحسب الخبراء، فإن المكاسب التي تحققها الدولة من زيادة صادرات الأسمدة قد يقابلها على المدى الطويل ارتفاع في تكلفة الإنتاج الزراعي، وهو ما قد ينعكس على الأمن الغذائي وأسعار السلع الأساسية.
تبرير حكومي
في المقابل، تنفي وزارة الزراعة أن تكون قد أخلّت بمنظومة دعم الأسمدة، وتؤكد أن ما جرى يأتي في إطار إعادة تنظيم استخدام الأسمدة المدعمة، وليس حرمان المزارعين منها.
وقالت الوزارة، في بيان رسمي، إن منظومة توفير وتوزيع الأسمدة المدعمة مستمرة دون أي تغيير بالنسبة لمحاصيل القمح والأرز والذرة ومعظم المحاصيل الحقلية، مؤكدة أن الدعم ما زال موجهًا إلى المحاصيل ذات الأولوية.
وأضافت أن السياسات الحالية تستهدف ترشيد استخدام الأسمدة النيتروجينية، استنادًا إلى اعتبارات بيئية وصحية، وفي ظل توجه عالمي للحد من الإفراط في استخدامها.
غير أن هذا التوضيح لم ينهِ الجدل، إذ يرى مزارعو البساتين وقصب السكر أن المشكلة لا تتعلق بالمحاصيل التي استمر دعمها، وإنما بالمحاصيل التي خرجت من المنظومة أو تقلصت حصصها، وهو ما اضطر كثيرين إلى الاعتماد على السوق الحرة لتوفير احتياجاتهم من السماد.
الأزمة تحت قبة البرلمان
ومع تصاعد شكاوى المزارعين، انتقلت الأزمة إلى مجلس النواب، حيث ناقش البرلمان في 30 يونيو 2026 أكثر من ثلاثين طلب إحاطة بشأن نقص الأسمدة وتخفيض المقررات السمادية لمحصولي قصب السكر وبنجر السكر، إلى جانب إلغاء صرف الأسمدة المدعمة لمحاصيل البساتين.
حذر النائب أمير الجزار من تداعيات القرار على قطاع البساتين الذي يضم أكثر من مليوني فدان.
وأكد النائب مدحت ركابي المنصوراوي أن القرار أثار قلقًا واسعًا بسبب تأثيره على تكلفة الإنتاج ومستقبل المحاصيل الاستراتيجية.
فيما قال النائب مصطفى بكري أن أزمة الأسمدة تمس حياة ملايين المصريين وترتبط بصورة مباشرة بالإنتاج الزراعي، فيما
بين الدولار والفلاح
وبينما تؤكد الحكومة أن قراراتها تستهدف إدارة منظومة الأسمدة وترشيد استخدامها، تشير الأرقام إلى أن زيادة حصة التصدير تزامنت مع تقليص الكميات المخصصة للمزارعين، في وقت حققت فيه الشركات أرباحًا قياسية وارتفعت حصيلة الصادرات.
ويبقى السؤال مطروحًا: إلى أي مدى يمكن تعظيم موارد النقد الأجنبي دون أن يتحمل الفلاح كلفة هذا التوجه؟