قرارات وزير الصناعة في مواجهة أرقام كامل الوزير.. كيف تبدو آلاف المصانع “على الورق”؟

تصريحات، فجدل ثم نفي، معادلة صعبة طرحتها تحركات وزير الصناعة الجديد خالد هاشم، ففتحت جراحا حول سيرة سلفه كامل الوزير، إذ إن نفيا رسميا لتصريحات منسوبة لهاشم حول أنه تسلم 8 آلاف مصنع “على الورق”، أعاد إلى الواجهة سلسلة من التصريحات الحكومية السابقة بشأن تشغيل آلاف المصانع، تزامناً مع حملة جديدة لسحب الأراضي والوحدات الصناعية غير المستغلة.

ذلك الجدل يطرح تساؤلات حول الفجوة بين ما أعلن سابقًا وما تكشفه الإجراءات الحالية على الأرض.

بدأت القصة مع تداول صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تصريحات منسوبة لوزير الصناعة خالد هاشم، زعمت أنه قال خلال المنتدى الصناعي لدول “بريكس” إنه تسلم من سلفه كامل الوزير نحو 8 آلاف مصنع “على الورق” فقط.

وسرعان ما نفت وزارة الصناعة تلك التصريحات، مؤكدة أن الوزير لم يدل بها من الأساس، بل لم يشارك في المنتدى الذي نسبت إليه التصريحات خلاله، مشددة على اتخاذ الإجراءات القانونية ضد الصفحات التي روجت لما وصفته بالشائعات والمعلومات المغلوطة.

ورغم النفي، فإن الجدل لم يتوقف، إذ أعادت الواقعة إلى الواجهة الأرقام التي أعلنها كامل الوزير طوال الأشهر الماضية بشأن تشغيل آلاف المصانع المتعثرة، ومدى اتساقها مع الإجراءات التي تتخذها الوزارة حاليا.

مصانع.. بين الأرقام والواقع

في أغسطس الماضي أعلن كامل الوزير، وزير الصناعة والنقل آنذاك، تشغيل 5773 مصنعا جديدا حصلت على رخص تشغيل، وفرت أكثر من 230 ألف فرصة عمل، إلى جانب إعادة تشغيل 987 مصنعا متعثرا من أصل 7422 مصنعا جرى حصرها.

كما تحدث في النسخة السادسة من مؤتمر المصريين في الخارج عن تخصيص 2070 قطعة أرض صناعية، وإصدار آلاف الرخص والسجلات الصناعية، مؤكدا أن الدولة اتخذت خطوات واسعة لتذليل العقبات أمام المستثمرين، وأن كل محافظة تضم منطقتين صناعيتين على الأقل تحتويان على مجمعات جاهزة للتشغيل.

غير أن تصريحات الوزير السابق نفسها حملت أرقاما مختلفة قبل ذلك بأشهر.

ففي مداخلة تلفزيونية مع الإعلامي أحمد موسى، تحدث كامل الوزير بداية عن وجود نحو 7700 مصنع متوقف لا تحتاج سوى إجراءات بسيطة للعودة إلى الإنتاج، قبل أن يعلن خلال المداخلة ذاتها تشغيل قرابة 8 آلاف مصنع من أصل 12 ألف مصنع متعثر ومتوقف.

وتفتح هذه الأرقام المتباينة باب التساؤلات حول الحجم الحقيقي للمصانع التي دخلت دائرة الإنتاج بالفعل، مقارنة بما أعلن في مناسبات مختلفة.

معوقات مستمرة

ولم تنه الأرقام الحكومية الجدل، إذ استمرت شكاوى المستثمرين من معوقات الاستثمار، بدءا من البيروقراطية وتعقيدات التراخيص، وصولا إلى نقص التمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وطالب النائب طارق عبد العزيز، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد في مجلس الشيوخ، العام الماضي بمعرفة مصير “الدراسة البرلمانية المقدمة من مجلس الشيوخ قبل عامين بشأن معوقات وتحديات الصناعة والمشروعات الصناعية في مصر”.

وأوضح أنه جرت مناقشة هذه الدراسة في فبراير 2023 وباستضافة مشاكل وتحديات الصناعة في مصر، وانتهى تقرير اللجنة المشتركة من لجنة الصناعة والمالية بمجلس الشيوخ إلى توصيات غاية في الأهمية”.

ووجه “عبد العزيز” سؤالاً لممثلي وزارة الصناعة بالجلسة: هل التقرير وصل لهيئة التنمية الصناعية، هل قرأتم التقرير بشأن مشاكل العمال بالمناطق الصناعية والاستعانة بخريجي المدارس الصناعية في المشروعات الصناعية”. وقال: “هيئة التنمية الصناعية تحولت إلى هيئة المعوقات الصناعية”.

وتابع: «هناك إجراءات روتينية تؤدي إلى الضغط على صاحب المصنع ومن ثم تعثره أو إغلاقه، فصاحب المصنع قاعد قدام مصنعه يقابل يوميًا سيل من الموظفين من تموين، وصحة، وتنمية محلية، وتأمينات اجتماعية، وكل هؤلاء وإجراءاتهم المطولة تؤدي لتعثر المصنع، رغم قرارات الفريق كامل الوزير وزير الصناعة بضم كل هذه القطاعات في قطاع وهيئة واحدة منعًا لتعجيز أصحاب المصانع وتطفيش المستثمرين”.

حملة سحب الأراضي تعيد الجدل

وبينما استمرت تلك الشكاوى، اتخذت وزارة الصناعة بتوجيهات الوزير الجديد خالد هاشم أولى خطواتها العملية بإطلاق حملة واسعة لسحب الأراضي والوحدات الصناعية غير المستغلة من المستثمرين غير الجادين.

وأعلنت الهيئة العامة للتنمية الصناعية بدء تنفيذ حملة شاملة لسحب الأراضي والوحدات الصناعية التي ثبت عدم تشغيلها أو عدم جدية أصحابها، بعد انتهاء جميع المهل والتيسيرات التي سبق منحها.

وأكدت رئيس الهيئة ناهد يوسف أن القرار استند إلى معاينات ميدانية وحصر شامل للمشروعات التي تجاوزت برامجها الزمنية دون تنفيذ، موضحة أن أعمال السحب بدأت بالفعل في مدينتي العاشر من رمضان وبدر، على أن تمتد تباعا إلى مختلف المناطق الصناعية في المحافظات.

وشددت الهيئة على أن المرحلة المقبلة ستشهد إجراءات أكثر حسما تجاه الأراضي غير المستغلة، مع إعادة طرحها أمام مستثمرين جادين، في الوقت الذي تستمر فيه الوزارة في تقديم التيسيرات للمشروعات الملتزمة.

وتعيد هذه الإجراءات طرح تساؤلات جديدة حول حجم المشروعات الصناعية التي لم تدخل مرحلة الإنتاج رغم حصولها على الأراضي الصناعية والتيسيرات الحكومية خلال السنوات الماضية.

هل تتحقق صادرات الـ100 مليار دولار؟

الجدل حول المصانع تزامن أيضا مع تباين في طريقة الحديث عن مستهدفات القطاع الصناعي.

ففي مايو الماضي، جدد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي تأكيده أن الحكومة تستهدف رفع الصادرات المصرية إلى نحو 100 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، مشيرا إلى أن تحسين مناخ الاستثمار وزيادة الإنتاج يمثلان أولوية في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية.

لكن وزير الصناعة خالد هاشم بدا أكثر تحفظا في تقييم هذا الهدف، إذ أوضح أن الوصول إلى صادرات بقيمة 100 مليار دولار بحلول عام 2030 يتطلب ضخ استثمارات كبيرة في القطاع الصناعي، محذرا من أن زيادة الصادرات قد يصاحبها ارتفاع كبير في الواردات إذا لم يتحقق تكامل حقيقي في سلاسل الإنتاج المحلية.

وأشار الوزير إلى أن الوزارة تعتمد على مبدأ 80/20 في تحديد القطاعات الأكثر قدرة على تحقيق أعلى عائد، مع التركيز على تحسين بيئة الاستثمار، وتيسير الإجراءات، والتوسع في الصناعات الصغيرة والمتوسطة، بما يسمح بزيادة قاعدة المصنعين وتحقيق نمو أكثر استدامة.

ورغم نفي تسلم آلاف المصانع “على الورق”، فإن الجدل الذي أثارته الواقعة أعاد فتح واحد من أكثر ملفات الصناعة إثارة للتساؤلات، بين أرقام حكومية تحدثت خلال السنوات الماضية عن تشغيل آلاف المصانع، وقرارات جديدة تستهدف سحب أراض ووحدات لم تدخل دائرة الإنتاج حتى الآن.

وبين الأرقام المعلنة والإجراءات التي تنفذ على الأرض، تبقى قدرة الحكومة على تحويل الأراضي المخصصة إلى مصانع منتجة، وإزالة المعوقات التي يشكو منها المستثمرون، الاختبار الحقيقي لنجاح السياسة الصناعية، بعيدا عن الأرقام المعلنة وحدها.

أضف تعليقك
شارك