هل وقفت مرة قدّام بوابة فيلا فنان مشهور، أو دخلت مول فاخر، أو حضرت فرح من أفراح رجال الأعمال… أكيد شُفتهم:
وجوه غليظة، أجساد ضخمة، نظرات حادّة، وسماعات في الأذن.
يُفترض أنهم «حُرّاس أمن».. لكن من الممكن أن تجد نفسك فجأة وجهاً لوجه مع “كوم اللحم والعضلات المفتونة”، يُمسكون بك ويطالبونك بفلوس أو تنازلات مع خصوم لك بينكم قضايا في المحاكم.
والسؤال الآن، متى نبت في وادينا الطيب كل هذه البوديجاردات، وهل هم فعلًا حُرّاس أمن، ولا واجهة «شيك» لعالم تاني من البلطجة المنظمة؟ والحكومة فين طالما هي اللي رخصت لهم الشركات دي؟
ويا ترى:
كم «نخنوخ» لسه ماشي وسطنا، لكن هذه المرة ببدلة أنيقة وكارت شركة حراسة خاصة؟
الليلة التي فضحت الكثير
لم يكن ذلك المساء يوماً عادياً في القاهرة الجديدة. داخل معرض فاخر للسيارات، اشتعلت شرارة خلاف حول صفقة فيلا في الساحل الشمالي، لتتحول في لحظات إلى مواجهة مشحونة انتهت بالقبض على صبري نخنوخ، وسط اتهامات خطيرة بالبلطجة واستعراض القوة والسرقة بالإكراه.
الأمر لم يكن خناقة عابرة بين رجال أعمال، بل كشفت أوراق التحقيق عن نزاع مالي معقد يمتد لعملية بيع فيلا، ويضم في تفاصيله نجل شقيق نخنوخ، ورجل الأعمال أحمد الحداد زوج الفنانة هاجر أحمد، وأطرافاً متعددة، فيما كان محامٍ بريء يقضي وقته في المعرض حين وجد نفسه ضحية للتعدي بالمصادفة.
أما في نيابة القاهرة الجديدة الكلية، حيث عُرض المتهمون، فقد كانت الإجراءات الأمنية مشددة بشكل لافت داخل محكمة التجمع الخامس.. وكأن الدولة ذاتها التي منحت لنخنوخ صاحب السجل الجنائي، منحته رخصة إدارة شركة حراسات خاصة ونقل أموال، أدركت فجأة مثلنا أن ” نخنوخ” ليس متهما عاديا، بل صاحب نفوذ، يلعب مع نادي الكبار.
وبعد هذا السياق المرتبط بشخصية نخنوخ المثيرة للجدل، برزت على السوشيال ميديا قراءات وتساؤلات متباينة حول أبعاد الواقعة، حيث قال خالد لطفي الذي يحظى بآلاف المتابعين على “فيسبوك” إن القبض على صبري نخنوخ مؤخرا “غريب، لأن نخنوخ بقاله سنين يؤمن فعاليات حكومية ولا أحد يستطيع الاقتراب منه، لنتساءل من هو هشام الإمام الذي حرك الداخلية ضده”.
وبالانتقال إلى الطرف الآخر في المشاجرة، فإن هشام الإمام “تاجر سيارات وعقارات وظهر اسمه بقوة في أزمة مطاعم صبحي كابر سنة 2024، لما صبحي كابر طلع يعيط وقال إن في ناس قادرة ضحكوا عليه وخلوا يجمع 200 مليون جنيه عشان شحنة ذرة وبعد ما خدوا الفلوس نصبوا عليه”.
وفي السياق ذاته، كتب “لطفي” كذلك أن “هشام الإمام حين يتكلم تشعر إنه بالونة فاضية وشبه مشاهير السوشيال ميديا ولما سألوه عن شركائه قال دول 15 موظف غلابة لكن الحقيقة إن فيهم رؤساء مجالس إدارة لشركات تانية كبيرة وخفية”.
واعتبر أن القصة في الأصل “ليست خناقة بين نخنوخ وهشام الإمام، دي خناقة في الغرف المغلقة بين جبهتين من الناس القادرة وكل جبهة تتحرك من خلال صبي ليها اللي هما نخنوخ والإمام”.
من هو نخنوخ؟ رجل أسطورة العنف الذي ارتدى ثوب رجل الأعمال
لا يمكن فهم قضية نخنوخ دون استحضار تاريخه. فهذا الرجل الذي يتصدر الأخبار الآن بـ”معرض السيارات” سبق أن صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد في قضايا حيازة أسلحة ومخدرات، وكانت وزارة الداخلية عام 2013 قد وصفته صراحةً بأنه “أحد أباطرة البلطجة” في مصر.
في عام 2018، شمله عفو رئاسي بعد أن قضى نحو ست سنوات من عقوبته. وهنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة للدهشة: كيف يخرج رجل بهذه الخلفية ليتربع على عرش أكبر شركة حراسة خاصة في مصر؟
“في سبتمبر 2023، نشر نخنوخ صوراً من داخل مقر مجموعة “فالكون” للأمن والحراسة، وهو يترأس اجتماعاً للقيادات، وخلفه علم مصر إلى جانب علم الشركة. كانت رسالته واضحة: أنا هنا، وأنا هنا لأبقى.”
القانون نفسه يضع شروطاً صارمة في وجه من يريد تأسيس شركات حراسة بموجب القانون رقم 86 لسنة 2015، غير أن التساؤلات التي أثارتها الصحافة المصرية آنذاك حول أحقيته القانونية لم تحل، وبقيت بلا إجابات شافية.
فالكون: أمبراطورية الأمن التي تحكمها علاقات لا قوانين
تأسست مجموعة “فالكون” عام 2006، وسرعان ما نمت لتصبح الأضخم من نوعها في مصر. قبل أن يتولاها نخنوخ، كانت تسيطر وفق تقارير صحفية على ما يزيد عن 67% من سوق الحراسات الخاصة في البلاد.
قائمة عملاء فالكون تكشف عن نفوذ واسع: أكثر من 26 بنكاً مصرياً، عدد من سفارات الدول العربية ومنظمات الأمم المتحدة، شركات كبرى مثل بالم هيلز وموبينيل وبيبسي وكوكاكولا ومنصور شيفروليه، فضلاً عن عدد من الجامعات المصرية. وتشرف الشركة على تأمين أكثر من 1250 موقعاً على مستوى الجمهورية.
خلال الأشهر الأخيرة تضاعف عدد العاملين في الشركة من 6,000 إلى 12,000 موظف، وتضم المجموعة اليوم أكثر من 7 شركات تابعة. ويُعزى هذا النمو المتسارع إلى شبكة علاقات قوية ترتبط بضباط سابقين في الجيش والشرطة وأجهزة المخابرات والأمن الوطني.
“السؤال الذي يطرحه كثيرون: هل تنجح شركات كفالكون لأنها تمتلك الكفاءة.. أم لأنها تمتلك الاتصالات؟”
ليست فالكون وحدها.. خريطة نفوذ الأمن الخاص
شركة “سيزر” لأنظمة الخدمات الأمنية: تأسست عام 2001 وتُعد من أوائل الشركات التي توسعت في مجال حماية الشخصيات العامة والفنانين والرياضيين من كبار الاسم، وباتت تقدم اليوم استشارات أمنية شاملة للأفراد والمؤسسات.
“ايتوس للخدمات الأمنية”: الذراع الأمنية لمجموعة إبراهيم العرجاني، رجل الأعمال الذي تصدر بدوره المشهد في مايو الماضي حين انتشر فيديو لموكبه المهيب وسط حراسات مثيرة للجدل. مجموعة العرجاني تتوسع في قطاعات متعددة من العقارات إلى الخدمات الاجتماعية، وذراعها الأمني ليس بمعزل عن هذه الامبراطورية.
“المجموعة الأفريقية للحراسة”: واحدة من الشركات الجديدة التي دخلت السوق وسط جدل واسع حول ارتباطها بشبكات ضباط متقاعدين، وتنافست بقوة على عقود أمنية كبرى رغم حداثة تأسيسها.
السوق المصرية للحراسة الخاصة اليوم يضم ما يزيد عن 400 شركة مرخصة وغير مرخصة. معظمها يعمل في منطقة رمادية بين القانون والنفوذ، وكثير منها يجمع أصحابه علاقات سياسية وأمنية تجعل الرقابة عليها شبه معدومة.
من الحماية إلى البلطجة.. خط رفيع جداً
حادثة نادي الألعاب الرياضية في الشيخ زايد لن ينساها كثيرون. خلاف بسيط حول منع طفل من الدخول، سرعان ما تحول إلى مواجهة مسلحة، حين أطلق أحد أفراد الحراسة الخاصة النار على مدير النادي “محمد شريف” المعروف بـ”الديزل”، مصيباً إياه في قدمه وكتفه. الجاني يواجه الآن المحاكمة، لكن الأسئلة تبقى: من الذي يمنح هؤلاء الأشخاص أسلحة؟ ومن يراقب استخدامها؟
وفي بورسعيد، تداول المصريون فيديو اعتداء حراس أمن تابعين لمؤسسة ثقافية خيرية على طلاب قوافل تعليمية. الضحايا أطفال.. والجناة حراس مأجورون يشعرون بأنهم فوق المساءلة.
“حين يشعر البودي جارد بأنه أقوى من القانون، فإن الحراسة تتحول إلى بلطجة منظمة ذات بدلة رسمية وترخيص حكومي.”
مواكب المشاهير: استعراض أم ضرورة؟
لم تعد الحراسات الخاصة ترفاً مقتصراً على رجال الأعمال والنافذين. الموضة امتدت لتلتهم عالم الفن والترفيه بصورة باتت تثير سخرية المصريين وغضبهم في آنٍ واحد.
حمو بيكا ذاهباً لعزاء والده في الإسكندرية، وحسن شاكوش يؤدي العزاء في والد صديقه، وحمادة هلال خارجاً من حفل عقارات، وكلهم محاطون بحرس شخصي يدفع المواطنين جانباً. حتى المحامي الشهير محمد حمودة لم يُفوّت الفرصة للظهور بسيارة فارهة وحراسة لافتة في جنازة. ومحمد رمضان لا يحتاج مناسبة خاصة: العرض الأول لأي فيلم يكفي.
ردود الفعل الشعبية لم تكن لطيفة. كتب أحد المتابعين: “ما كل هذه الحراسة.. هل هذا رئيس دولة؟” بينما علق آخر بمرارة: “يا خسارة يا بلد خليتي للتافه قيمة”.
الإجابة الحقيقية على هذه الظاهرة لا تكمن في الفنانين أنفسهم، بل في المنظومة التي تتيح لهم ذلك، والتي تجعل امتلاك “بودي جاردات” رمزاً للقوة والنفوذ أكثر مما هو وسيلة للحماية.
أصوات من خلف المشهد
اللواء عبد الحميد خيرت، نائب رئيس جهاز أمن الدولة السابق، لم يتردد في طرح الأسئلة الحرجة عبر صفحته الشخصية، متساءلاً بصراحة نادرة: “هل تعبر الواقعة عن تحول في مكانة الرجل أو في شبكة العلاقات التي أحاطت به لسنوات؟ أم أننا أمام إعادة ترتيب موازين النفوذ؟”.
هذه القراءة، إن صحّت، تكشف عن مشهد مقلق: شركات الحراسة لا تحمي فقط، بل تتحول إلى أذرع لتسوية النزاعات بين أصحاب النفوذ، بعيداً عن القضاء وسيادة القانون.
إلى أين يسير الأمن في مصر؟
في نهاية المطاف، قضية صبري نخنوخ ليست مجرد ملف قضائي يُنظر فيه أمام نيابة القاهرة الجديدة. إنها مرآة تعكس واقعاً يثير قلقاً حقيقياً: حين يتحول الأمن الخاص من خدمة تقدمها مؤسسات محترفة خاضعة لرقابة صارمة، إلى أداة نفوذ في يد أصحاب سوابق وعلاقات.. فأين يذهب المواطن العادي ليشعر بالأمان؟
حين تتراجع هيبة القانون أمام هيبة الموكب، وحين تصبح الرخصة الأمنية جوازَ سفرٍ للإفلات من المساءلة، فإن ما نشهده لا يختلف كثيراً عما تعرفه شعوب أخرى بالعصابات المنظمة.. لكن بطريقة مرخصة ومعتمدة.
السؤال الذي يجب ألا يسقط من النقاش العام: متى تضع مصر قانوناً حقيقياً يُحكم الرقابة على شركات الحراسة الخاصة، ويضمن ألا تتحول “الحماية” إلى مصطلح آخر للبلطجة المنظمة؟
أضف تعليقك