صناعة الورق في مصر.. تآكل تحت ضغط الدولار والتحول الرقمي

تعاني صناعة الورق في مصر من ضغوط تؤدي إلى تآكلها بشكل تدريجي، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، والاعتماد الكبير على الاستيراد، وتقلبات سعر الصرف، إلى جانب تغيرات أعمق في طبيعة الطلب مع توسع التحول الرقمي.

وبين هذه العوامل، تتحرك الصناعة داخل مساحة ضيقة من التحديات التي تنعكس على الأسعار وحجم الإنتاج واستقرار السوق.

الورق في قلب تكلفة صناعة النشر

في قلب صناعة النشر، يظل الورق المكون الأكثر تأثيرًا في تكلفة الكتاب. ويؤكد المهندس رزق عبدالسميع، رئيس مجلس إدارة دار المعارف والشركة القومية للتوزيع، أن الورق يمثل نحو 60% من تكلفة الكتاب، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى 25% من احتياجات السوق، مقابل اعتماد يصل إلى 75% على الاستيراد.

ويشير عبدالسميع إلى أن تحرير سعر الصرف خلال السنوات الأخيرة أدى إلى زيادات متتالية في تكلفة الورق ومستلزمات الإنتاج، وعلى رأسها الأحبار والآلات، ما انعكس مباشرة على أسعار الكتب، في ظل غياب بدائل محلية قادرة على تقليص الفجوة.

ورغم وجود دعم مؤسسي من جهات مثل الهيئة العامة للكتاب وهيئة قصور الثقافة والمجلس القومي للترجمة، إلا أن مصادر داخل القطاع ترى أن هذا الدعم لا يزال محدود الأثر أمام ارتفاع تكلفة الخامات الأساسية.

فجوة الإنتاج والاستيراد

ومن زاوية أخرى، يشير محسن مكرم، رئيس دار نشر «الإخوة»، إلى الزيادة الكبيرة في أسعار الطباعة نتيجة تضاعف أسعار الخامات، خاصة الورق والأحبار، كاشفًا أن سعر طن الورق قفز من نحو 5 آلاف جنيه في عام 2021 إلى أكثر من 50 ألف جنيه حاليًا.

وتكشف بيانات قطاع الطباعة والتغليف عن فجوة هيكلية واضحة، إذ تعتمد مصر على استيراد نحو 60% من احتياجاتها من الورق، في حين يتجاوز حجم الاستثمارات في الصناعة 30 مليار دولار، مع أكثر من 8 آلاف شركة يعمل بها نحو 1.5 مليون عامل.

وبحسب وزارة الصناعة، يضم قطاع الورق وحده 2197 مصنعًا، بلغت صادراته 387 مليون دولار في 2023، مقابل واردات تجاوزت 1.324 مليار دولار، ما يعكس اختلالًا واضحًا بين الإنتاج والاستهلاك، ويبلغ عدد المصانع العاملة في قطاع الطباعة 2078 مصنعًا، وبلغت الواردات في 2023 ما قيمته 100 مليون دولار، وقد استحوذت على حصة من واردات القطاع 4.7%.

ويبلغ إنتاج مصنعي قنا وإدفو نحو 180 ألف طن سنويًا، بما يغطي قرابة 45% من الاستهلاك المحلي، بينما تنتج المصانع الخاصة نحو 50 ألف طن فقط، في حين يتراوح الاستهلاك السنوي بين 400 و420 ألف طن، وهو ما يفسر استمرار الاعتماد على الاستيراد، خاصة في ورق الجرائد الذي يتم استيراده بشكل شبه كامل.

الدولار والتزوير

على مستوى الأسعار، يؤكد عمرو خضر، رئيس شعبة تجار الورق وأصحاب المطابع بغرفة القاهرة التجارية، أن سعر طن الورق المحلي يتراوح بين 40 و50 ألف جنيه، بينما يصل المستورد إلى ما بين 50 و55 ألف جنيه، مشيرًا إلى أن السوق شهد تراجعًا في الطلب بنسبة تتراوح بين 20% و30% نتيجة تأخر بعض الجهات في السداد وتغير اتجاهات الشراء.

ويضيف أن أسعار اللب الخام عالميًا ارتفعت من 550 دولارًا إلى 820 دولارًا للطن خلال عام 2024، ما ساهم في زيادة الأسعار محليًا، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة.

من جانبه قال المهندس سمير البيلي، رئيس غرفة صناعات الطباعة والتغليف، إن الغرفة تسعي لتيسير الإجراءات الصناعية وتعزيز التواصل مع الجهات الحكومية المختلفة.

وأضاف “البيلي” أن دمج المطابع الصغيرة يمثل خطوة مهمة لتوسيع قاعدة المستفيدين من خدمات الغرفة، ودعم هذه الكيانات لتعمل بشكل منظم وقادر على الاستمرار والنمو داخل السوق المصري

في السياق نفسه، تبرز أزمة أخرى لا تقل تأثيرًا، تتمثل في تزوير الكتب والاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، بحسب ليان رستم مدير دار “ديوان” للنشر، ومصطفى عميرة رئيس الشركة المصرية لاستيراد الكتب الأكاديمية، اللذين يؤكدان أن هذه الظاهرة تتسبب في خسائر مباشرة لدور النشر، خاصة في الكتب الجامعية، وتضعف قدرة السوق الرسمي على المنافسة.

التحول الرقمي 

لا يقتصر الضغط على صناعة الورق على العوامل الاقتصادية المباشرة، بل يمتد إلى تحول أعمق في بنية الطلب مع تسارع التحول الرقمي. وتشير دراسات منشورة في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية إلى أن انتشار المحتوى الرقمي والكتب الإلكترونية والمنصات التعليمية أدى إلى تغيير تدريجي في سلوك القراءة، مع تزايد الاعتماد على الوسائط الرقمية بدلًا من الورقية، خاصة بين الفئات الأصغر سنًا.

توضح أبحاث منشورة عبر بنك المعرفة المصري أن التحول الرقمي في التعليم والإعلام ساهم في تقليل الاعتماد على المطبوعات الورقية في بعض الاستخدامات، مثل المناهج الرقمية والمحتوى التفاعلي، ما يخلق ضغطًا غير مباشر على صناعة الطباعة التقليدية. وفي الاتجاه نفسه، تشير تقارير دولية في أسواق النشر إلى نمو مستمر في سوق الكتب والخدمات الرقمية عالميًا، بما يعيد توزيع الطلب بين الورقي والرقمي بدلًا من زيادته بشكل مطلق.

وبين الدولار والتزوير والتحول الرقمي، تتحرك صناعة الورق في مصر داخل إطار من الضغوط الهيكلية المتشابكة، ما يجعل مستقبلها مرهونًا بقدرة القطاع على تقليص فجوة الاستيراد، وتحديث الإنتاج المحلي، وإعادة التوازن بين التكلفة والطلب في سوق يتغير بوتيرة أسرع من قدرة الصناعة على التكيف

أضف تعليقك
شارك