«البنات أهي زي القمر، ومافيش شغل، ومافيش سكن، ومافيش عرسان.. عايزين عرسان»، كلمات قالتها سيدة بعفوية خلال منتدى مصر 2026، في مشهد اختصر أزمة تتجاوز البحث عن شريك حياة، لتكشف عن واقع يصطدم فيه حلم تكوين الأسرة بارتفاع تكاليف الزواج وصعوبة توفير مسكن وفرصة عمل تضمن بداية مستقرة.
جاءت كلمات السيدة خلال فيلم تسجيلي عُرض أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، في افتتاح منتدى مصر بالعاصمة الإدارية الجديدة، الذي تستمر فعالياته حتى 24 أكتوبر الحالي، لتعيد إلى الواجهة سؤالًا يشغل قطاعات من الشباب: كيف يمكن تكوين أسرة في ظل ارتفاع تكاليف الزواج وصعوبة توفير السكن والعمل؟
دفتر مؤجل
في غرفته، يحتفظ محمد عادل، البالغ من العمر 31 عامًا، بدفتر صغير داخل درج مكتبه، لا يضم مواعيد عمل أو ملاحظات شخصية، وإنما قائمة طويلة بتكاليف الزواج.
قبل ثلاث سنوات، كتب محمد في الصفحة الأولى عبارة «تكاليف الزواج»، ثم دوّن البنود التي اعتقد وقتها أنها قابلة للتحقيق، شبكة، وغرفة نوم، وثلاجة، وغسالة، وبوتاجاز، وشقة صغيرة يستطيع أن يبدأ فيها حياته مع خطيبته.
كان يعتقد أن تحقيق حلمه لن يحتاج أكثر من عامين من الادخار عبر «الجمعيات»، إذ كان راتبه يسمح له بتوفير جزء من دخله كل شهر، كما اتفق مع خطيبته على موعد مبدئي للزفاف.
لكن الخطة التي بدت قابلة للتنفيذ تحولت تدريجيًا إلى قائمة تتغير أرقامها باستمرار، فكلما ادخر مبلغًا، وجد الأسعار قد ارتفعت، ليعود إلى دفتره ويشطب رقمًا قديمًا ويكتب مكانه رقمًا أكبر؛ ارتفع سعر الشقة، وقفزت أسعار الأثاث، فيما أصبحت الشبكة مرتبطة بارتفاع أسعار الذهب.
لم يعد محمد يبحث عن شقة فاخرة، بل يتمنى العثور على مسكن يناسب إمكاناته في مناطق مثل أرض اللواء أو بولاق الدكرور أو إمبابة. ويقول: «كل ما أوفر مبلغ، أرجع أكتشف إن الأسعار سبقتني من جديد».
وأصبحت فاتورة تأسيس البيت وتأثيثه هدفًا بعيد المنال، لولا أن خطيبته فكرت في الاستغناء عن بعض الكماليات وحفل الزفاف وجزء من التجهيزات، في محاولة لتقليص النفقات والتمسك بفرصة إتمام الزواج.
طلبات مرهقة
لا تتوقف العقبات عند حدود أسعار الشقق والأجهزة، إذ يرى بعض الشباب أن متطلبات الزواج نفسها أصبحت مصدرًا إضافيًا للضغط.
يقول توفيق محمد، وهو شاب في مقتبل العمر، إن فكرة الزواج لم تعد سهلة بالنسبة إلى كثير من الشباب، بسبب الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة توفير حياة مستقرة.
ويتفق معه محمود صلاح، الموظف الأربعيني، الذي يرى أن المغالاة في الطلبات أصبحت من أكبر العوائق أمام الشباب، رغم استعداد بعضهم ماديًا للزواج.
فبحسب روايته، يمتلك محمود شقة مجهزة بالكامل منذ سنوات، واشترى مستلزمات الزواج، لكنه يصطدم في كل مرة بطلبات يرى أنها مبالغ فيها، من بينها كتابة الشقة باسم العروس أو الالتزام بقائمة وتكاليف تفوق قدرته.
ويضيف أن المقارنات المستمرة بين الأسر زادت الأمر تعقيدًا، حتى أصبح يشعر بأن الزواج تحول إلى «صفقة» تحكمها الحسابات أكثر من التفاهم والمودة.
اختيارات مختلفة
في المقابل، لا تنظر جميع النساء إلى الزواج باعتباره خطوة لا بد منها لتحقيق الاستقرار، إذ ترى بعضهن أن الاستقلال المادي والنجاح العملي يمكن أن يوفرا حياة مستقرة خارج إطار الارتباط.
وتقول سهام سعد، البالغة من العمر 45 عامًا، إن الزواج لم يعد هدفًا أساسيًا في حياتها، مؤكدة أن استقلالها المادي ونجاحها العملي وفّرا لها حالة من الاستقرار والراحة النفسية التي لا ترغب في التفريط فيها.
وتوضح سهام أنها لا تشعر بأي نقص بسبب عدم الزواج، وترى أن كثيرًا من النساء أصبحن يفضلن الاستقلال والهدوء النفسي على الدخول في علاقات قد تحمل ضغوطًا أو قيودًا لا تتناسب مع طموحاتهن وأسلوب حياتهن.
وتؤكد أنها لم تعد تهتم بالنظرة التقليدية التي يفرضها بعض أفراد المجتمع على المرأة غير المتزوجة، طالما أنها تعيش بالشكل الذي يمنحها الرضا والراحة.
شقق بالملايين
تكشف أسعار الوحدات السكنية عن جانب من الأعباء التي تواجه الشباب الراغبين في الزواج، خصوصًا مع ضرورة الاختيار بين شراء شقة، بما يتطلبه ذلك من مدخرات كبيرة، أو تحمل إيجار شهري يضاف إلى نفقات المعيشة.
وبحسب بيانات موقع «عقارماب» التي اطلع عليها «أحوال مصرية»، تتراوح أسعار بعض الشقق السكنية في الأحياء الشعبية الواقعة على أطراف القاهرة الكبرى عند مستويات تقل عن 1.5 مليون جنيه.
ويبدأ سعر شقة بمساحة 50 مترًا في منطقة فيصل التابعة لحي الهرم من 480 ألف جنيه، فيما عُرضت شقة أخرى بمساحة 60 مترًا في بهتيم بشبرا الخيمة مقابل 380 ألف جنيه.
كما رُصدت شقة بمساحة 75 مترًا في شبين القناطر بسعر 500 ألف جنيه، وأخرى بمساحة 125 مترًا في شارع عناني بشبرا الخيمة مقابل 550 ألف جنيه.
أما الإيجارات، فتتراوح القيمة الشهرية للشقق السكنية في المناطق الشعبية بحي الهرم، وفق البيانات المتاحة عبر الموقع، بين 6.5 ألف و12 ألف جنيه، بحسب مساحة الوحدة ومستوى التشطيب وموقعها.
فاتورة التجهيز
إلى جانب السكن، تمثل الأجهزة الكهربائية والأثاث بندًا آخر في قائمة تكاليف الزواج، إذ رصد «أحوال مصرية» أسعار عدد من الأجهزة لدى متاجر متخصصة، لتتباين التكلفة وفق نوع الجهاز ومواصفاته.
وتتراوح أسعار الغسالات بين 6900 و8649 جنيهًا، والثلاجات بين 17 ألفًا و30 ألف جنيه، فيما تتراوح أسعار البوتاجازات بين ألف و100 جنيه و15 ألف جنيه.
أما الأفران الكهربائية، فتبدأ أسعارها من 2850 جنيهًا وتصل إلى 24 ألف جنيه، وتتراوح أسعار السخانات بين 3 آلاف و 7300 جنيه، بينما تبدأ أسعار المراوح من 666 جنيهًا وتصل إلى 3300 جنيه.
وفي الأثاث، تبدأ تكلفة غرفة نوم واحدة من 25 ألف جنيه، وغرفة المعيشة من 20 ألف جنيه، إلى جانب السفرة والأنتريه وبقية المستلزمات الأساسية.
أرقام الزواج
لا تقف مؤشرات تأخر الزواج عند الشهادات الفردية، إذ كشفت دراسة منسوبة إلى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن تغيرات في نظرة الفئة العمرية من 18 إلى 35 عامًا إلى الزواج والإنجاب، وهي الفئة التي يُشار إليها في بعض الاستخدامات بمسمى «GEN-Z».
وبحسب الأرقام الواردة في الدراسة، يرى نحو 71.6% من الذكور و72% من الإناث أن الفئة العمرية من 25 إلى 29 عامًا هي الأنسب للارتباط.
وفي المقابل، وصل متوسط سن الزواج الفعلي لدى الذكور إلى نحو 30.7 عامًا، مقابل 24.8 عامًا لدى الإناث، وفقًا للبيانات المذكورة.
وتصدرت الظروف الاقتصادية قائمة أسباب تأخر سن الزواج، إذ بلغت نسبتها 53.5% بين الشباب، فيما ارتفعت النسبة بين الذكور إلى 55.2%. كما رأى 27.6% من الشباب أن المبالغة في متطلبات الزواج والمهور تمثل عائقًا رئيسيًا أمام الارتباط.
الخوف من المسؤولية
ولا تقتصر أسباب تأخر الزواج على ارتفاع الأسعار وحده، إذ تتداخل الضغوط الاقتصادية مع المخاوف المرتبطة بتحمل المسؤولية، والقدرة على الاستمرار في علاقة زوجية وسط الأزمات.
وتقول الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بكلية التربية في جامعة عين شمس، إن عزوف بعض الشباب عن الزواج في الوقت الحالي يرجع إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، على رأسها خشية الشباب من عدم قدرة الطرف الآخر على تحمل ظروف المعيشة والصعوبات الاقتصادية، أو الصبر على الأزمات التي قد تواجه الزوجين في بداية حياتهما، خاصة مع تصاعد الضغوط اليومية.
وتؤكد سامية خضر ضرورة أن تبدأ الحياة الزوجية بإمكانات بسيطة وعلى قدر استطاعة الطرفين، بعيدًا عن المغالاة والتعقيدات.
من جانبه، يرى الدكتور ممتاز عبد الوهاب، رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي، أن تأخر سن الزواج لدى الرجال أصبح أمرًا مألوفًا وشائعًا، ويشير إلى أنه قد يكون أحد مظاهر الخلل النفسي والاجتماعي لدى بعض الرجال.
ويوضح “عبدالوهاب” أن المتعارف عليه أن يسعى الرجل إلى الزواج والارتباط وتكوين أسرة وحياة اجتماعية والرغبة في إنجاب الأطفال، لكن عندما يتخذ قرارًا بالعزوف عن الارتباط، فقد يكون ذلك مرتبطًا بمعوقات اجتماعية، من بينها عدم قدرته على الإنفاق على تكاليف الزواج أو المهور أو مصروفات المنزل.
بينما يظل تكوين الأسرة حلمًا لدى كثيرين، تصبح القدرة على تحمل تكاليف بدايتها اختبارًا صعبًا، يدفع بعض الشباب إلى تأجيل الخطوة، فيما يعيد آخرون النظر في متطلباتها أو في قرار الزواج نفسه.