في مجمع عرب العوامر الصناعي بأسيوط، كان يفترض أن تكون محطة الصرف الصحي إحدى حلقات البنية الأساسية التي تفتح الطريق أمام المصانع إلى الإنتاج.
لكن نحو 286 مليون جنيه خُصصت للمحطة، وجرى معاينتها منذ عام 2022، بينما ظلت دون تشغيل فعلي، بحسب النائب حسام الخشت.
وعرب العوامر ليست سوى حلقة في قصة أكبر داخل أسيوط؛ فالمحافظة تضم 5 مدن صناعية بنحو 1500 مصنع، لكن عدد المصانع العاملة لا يتجاوز 300 مصنع، وسط شكاوى من نقص الأراضي والمرافق وتعقيد الإجراءات وتدهور الطرق.
وفي منطقة الصفا، يقول النائب مصطفى بدران إن مشروعات الصرف الصحي مستمرة منذ نحو 25 عامًا دون انتهاء حقيقي.
هذه الوقائع تفتح الباب أمام سؤال أكبر: كيف يمكن لدولة تعتبر التصنيع قاطرة للنمو أن تمتلك مناطق صناعية ومصانع وأراضي مخصصة للاستثمار، بينما يظل جزء من هذه المنظومة عالقًا قبل الوصول إلى الإنتاج؟
فالمشكلة لا تبدو في غياب المناطق الصناعية وحدها، وإنما في الفجوة بين المنطقة الصناعية على الخريطة والمصنع الذي يعمل على الأرض.
25 عامًا من التعثر
في أسيوط، لا تبدو المشكلة في غياب المناطق الصناعية، وإنما في قدرة هذه المناطق على أداء الدور الذي أنشئت من أجله.
يقول النائب حسام الخشت إن تأخر تشغيل محطة الصرف في مجمع عرب العوامر تسبب في تعطيل المجمع الصناعي بالكامل وإهدار فرص استثمارية كان من الممكن أن توفر فرص عمل لأبناء المحافظة.
ولا تتوقف الأزمة عند عرب العوامر؛ إذ شن النائب مصطفى بدران انتقادات حادة لأوضاع التنمية الصناعية في الصعيد، مؤكدًا أن هناك مدينتين صناعيتين كبيرتين في أسيوط، وأن مشروعات الصرف في منطقة الصفا مستمرة منذ نحو 25 عامًا دون انتهاء حقيقي.
وتكشف أسيوط بذلك أولى حلقات المشكلة: قد توجد الأرض والمصانع، لكن غياب المرافق أو تأخرها يمكن أن يؤخر الوصول إلى الإنتاج من الأساس.
ربع مصانع دمياط متعثرة
إذا كانت أسيوط تقدم نموذجًا لمشكلات الصناعة في الصعيد، فإن دمياط الجديدة تقدم اختبارًا آخر، حيث تتعدد شكاوى المستثمرين.
يقدّر رئيس جمعية مستثمري دمياط الجديدة أن نحو 200 قطعة من أصل 850 قطعة في المنطقة الصناعية لا تزال تحت الإنشاء أو متوقفة أو متعثرة، بما يعني أن نحو ربع القطع لا تتحول إلى نشاط صناعي مكتمل.
وتتداخل في المنطقة مشكلات الأرض والمرافق والطاقة والتراخيص. وقال المهندس محمد عبد الغني، أحد المستثمرين بالمنطقة الصناعية، إن الأولوية هي توفير الأراضي المرفقة للاستثمارات الجديدة أو القائمة، والطاقة للمصانع دون الانقطاع المتكرر للكهرباء الذي يؤثر على الطاقة الإنتاجية.
وأشار محمد قصير الديل، أحد المستثمرين بالمنطقة، إلى أن صعوبة استخراج تراخيص التشغيل وتعدد الجهات والموافقات المطلوبة من أبرز المشكلات التي تواجه المستثمرين.
أبو رواش بلا مرافق
ولا تتوقف شكاوى المناطق الصناعية عند المحافظات البعيدة. ففي يونيو 2026، طالب النائب عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل بمجلس الشيوخ، بوضع حلول جذرية للمشكلات المتراكمة التي تواجه المنطقة الصناعية بأبو رواش.
وأكد رشاد أنه من غير المقبول أن تظل هذه المنطقة، التي تضم نحو 738 مصنعًا وتوفر ما يقرب من 175 ألف فرصة عمل مباشرة، دون شبكات مياه شرب أو صرف صحي، مع تهالك الطرق الداخلية، ونقص الإنارة، والتكدسات المرورية عند المداخل والمخارج، وعدم اكتمال شبكات الغاز الطبيعي، فضلًا عن غياب وسائل نقل منتظمة للعاملين.
وأكد رشاد أن أحد أبرز التحديات يتمثل في تعدد الجهات المشرفة على المنطقة بين المحافظة والجهاز التنفيذي وهيئة التنمية الصناعية، ما أدى إلى تعقيد الإجراءات وطول فترات استخراج وتجديد التراخيص، وهو ما تسبب في عزوف بعض المستثمرين وهروب استثمارات قائمة.
لكن المشكلة هنا لا تتعلق فقط بما ينقص المنطقة، وإنما أيضًا بما سبق أن أعلنته الحكومة من خطط لمعالجة هذه الأوضاع.
ففي 22 يونيو 2025، قال وزير الصناعة السابق الفريق كامل الوزير، خلال لقائه بمستثمري منطقة أبو رواش، إنه تم تحديد كافة المشكلات التي تعاني منها المنطقة ووضع آليات واضحة لتطبيق حلول جذرية.
وأوضح أنه تم الانتهاء من إعداد خطة زمنية محددة وتعميمها على الأجهزة التنفيذية المعنية، تتضمن تخطيطًا قابلًا للتنفيذ يستهدف الانتهاء من ترفيق المنطقة بالكامل، مع التأكيد على تأمينها وصيانتها.
البيروقراطية تعطل مصانع الإسماعيلية
في الإسماعيلية تظهر حلقة أخرى من الأزمة. إذ قال عمار صالح، أحد المستثمرين، عبر حسابه الشخصي على موقع «فيسبوك»، إن المنطقة الصناعية بالإسماعيلية تواجه واقعًا مؤلمًا، مع إغلاق مصانع وتعثر أخرى، مرجعًا ذلك إلى البيروقراطية وتعقيد الإجراءات والتعامل الاستعلائي مع المستثمرين.
وأضاف أن المستثمرين يواجهون مطالبات مالية وصفها بغير العادلة، فضلًا عن تعطيل المصالح وخطابات رسمية تتضمن تهديدات وإنذارات، مطالبًا محافظ الإسماعيلية بالتدخل العاجل ومحاسبة المسؤولين عن عرقلة الإنتاج.
ونشر عبدالحليم سالم، الصحفي المتخصص في قطاع الصناعة، على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، صورة لأحد المصانع المعروضة للتنازل في المنطقة الصناعية بالقنطرة شرق.
وقال سالم إن المنطقة الصناعية بالقنطرة شرق تحتاج إلى تدخل حكومي عاجل لإنقاذها، خاصة في ظل وجود مصانع مكتملة وجاهزة للتشغيل، بما يتيح الاستفادة منها بدلًا من انتظار إنشاء مصانع جديدة.
مشكلات الإسكندرية
وفي أغسطس 2025، بحث الفريق أحمد خالد، محافظ الإسكندرية، مع أصحاب المصانع والمستثمرين، التحديات التي تواجه المناطق الصناعية، وعلى رأسها مشكلات البنية التحتية، وتوفير المرافق، وتسريع الإجراءات الإدارية، والقمامة، والكهرباء، وسوء حالة بعض الطرق المؤدية إلى المناطق الصناعية.
وفي أكتوبر 2025، بحث اللواء محمود نافع، رئيس مجلس إدارة شركة الصرف الصحي بالإسكندرية، مع أعضاء جمعية مستثمري منطقة مرغم الصناعية، التحديات الخاصة بخدمات الصرف بالمنطقة، وسبل وضع حلول عاجلة لها.
العاشر بلا توسعات
في العاشر من رمضان، تظهر المشكلة في احتياجات المصانع القائمة إلى أراضٍ للتوسع، بالتزامن مع وجود أراضٍ غير مستغلة.
ويقول محمود سلطان، عضو مجلس إدارة جمعية مستثمري العاشر من رمضان، إن مصانع قائمة تقدمت للحصول على قطع للتوسع، لكن جاءها رد الوزارة بالرغبة في توجيه التوسعات إلى محافظات أخرى، خصوصًا الصعيد.
أزمة الأرض
الأرض هي بداية رحلة المصنع، لكنها تحولت في الوقت نفسه إلى واحدة من أكثر حلقات السياسة الصناعية تعقيدًا.
طرحت وزارة الصناعة نظام الإيجار المنتهي بالتمليك لمواجهة أزمة توفر الأراضي وارتفاع أسعارها.
بينما يرى أسامة حفيلة، رئيس مجلس إدارة جمعية مستثمري دمياط الجديدة، أن شراء الأرض وتطويرها قد يستنزفان ما بين 60% و70% من إجمالي الاستثمارات الأولية للمشروع الصناعي.
ويتفق علاء السقطي، رئيس اتحاد مستثمري المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مع أهمية الإيجار التمليكي، لكنه يرى أن أثره سيظل محدودًا طالما استمرت ندرة الأراضي الجاهزة للطرح.
سماسرة الأراضي
ولا تنتهي أزمة الأرض عند نقص المعروض، إذ يواجه المستثمر الذي يبحث عن أرض خارج طروحات وزارة الصناعة سوقًا تسيطر عليه الأسعار المرتفعة والسمسرة.
وأشار علاء السقطي إلى أن سعر متر الأرض الصناعية وصل في بعض المناطق المرفقة بالقاهرة الكبرى إلى 8 و10 آلاف جنيه.
بينما يزيد في الصعيد والمحافظات البعيدة عن العاصمة على 4 آلاف جنيه، وفق علي حمزة، رئيس جمعية مستثمري أسيوط.
أراضٍ معطلة
المفارقة الأخرى أن الدولة تواجه في الوقت نفسه نقص الأراضي من جهة، ووجود أراضٍ غير مستغلة من جهة أخرى.
فقد كثفت وزارة الصناعة حملات سحب الأراضي من المستثمرين غير الملتزمين بالجداول الزمنية القانونية لتنفيذ المشروعات.
لكن ملف «الأراضي غير المستغلة» ليس جديدًا؛ إذ قدرت الوزيرة السابقة نيفين جامع عددها في 2021 بنحو 890 قطعة في 12 محافظة، بينما لم تنشر الحكومة بيانات واضحة حول نتائج الحملات السابقة في الحد من الظاهرة.
وتكشف تجربة وزير الصناعة الحالي مدى تعقيد الملف؛ فبعد إصدار قرار في أبريل الماضي للحد من المضاربات على الأراضي، يتعلق بضرورة مرور ثلاث سنوات قبل التصرف في الأرض، جرى تعليقه لاحقًا بعدما تبين، وفق ما أعلنه الوزير، أنه زاد من حدة المضاربة.
وفي أبريل 2026، طرحت الهيئة العامة للتنمية الصناعية 414 وحدة صناعية كاملة التجهيز والمرافق داخل 12 مجمعًا في 11 محافظة، بنظامي التمليك والإيجار، مع تيسيرات مالية وتمويل للآلات والمعدات والدعم الفني والتسويقي.
نقص السيولة
حتى إذا تجاوز المستثمر أزمة الأرض والمرافق، لا تنتهي الرحلة.
فالمصانع تواجه نقص السيولة وصعوبات التمويل، ومشكلات الاستيراد وسلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج، فضلًا عن الأعباء الضريبية والرسوم والإجراءات الإدارية.
ويقول محمد البهي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، إن تعثر المصانع يرتبط بمشكلات البنوك والمتغيرات الاقتصادية التي شهدتها البلاد بعد 2011، وارتفاع الدولار الذي أثر على المصانع التي تستورد الآلات والخامات، إذ زادت تكلفة الاستيراد بأكثر من خمس مرات.
أما المحاسب الضريبي أشرف عبد الغني، مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، فيقول إن الأرقام الرسمية تشير إلى 5500 مصنع متعثر في مرحلة البناء و5800 مصنع قائم ويعمل.
ويرجع التعثر إلى تحرير سعر الصرف وتآكل رأس المال العامل، وارتفاع تكلفة الأجور والخدمات والطاقة والفائدة وأسعار الخامات.
ويرى النائب تيسير مطر، وكيل لجنة الصناعة بمجلس الشيوخ سابقًا، أن هناك حاجة إلى مبادرة شاملة لإنهاء أزمة المصانع المتعثرة، التي يقدرها بنحو 13 ألف مصنع مغلق لأسباب فنية وإدارية ومالية، معتبرًا الضرائب والتمويل من أكثر أسباب التعثر تأثيرًا.
لا تبدو أزمة المناطق الصناعية في غياب القرارات بقدر ما تكمن في الفجوة بين ما تعلنه الحكومة وما يتحقق على الأرض، من مرافق وأراضٍ ومصانع جاهزة للإنتاج.
فالتصنيع الحقيقي لا يُقاس بعدد المناطق التي أُنشئت، وإنما بقدرة السياسات على تحويلها إلى مصانع تعمل، وماكينات تدور، وإنتاج يضيف للاقتصاد.