كان إنشاء كلية طب يرتبط لعقود بقاعدة واحدة لا خلاف عليها: مستشفى جامعي أولاً، ثم الطلاب.
لكن مع التوسع المتسارع في الجامعات الخاصة والأهلية، تبدلت المعادلة؛ فباتت الكليات تستقبل الطلاب بينما يظل المستشفى التدريبي غائباً، ليتحول التدريب العملي — جوهر دراسة الطب — إلى أزمة تبحث عن حل.
ومع اقتراب موسم التنسيق، تتجدد الأسئلة حول جودة التعليم الطبي ونموذج استثماري يسبق استكمال مقومات العملية التعليمية؛ ما أثار اعتراضات حادة من نقابة الأطباء، وحرك ملفات تفتيشية وتحركات حكومية لإعادة ضبط القواعد.
مستشفى جامعي.. شرط لا غنى عنه
يؤكد الدكتور جمال عميرة، وكيل نقابة الأطباء، أن اعتراض النقابة يتركز على إنشاء كليات لا تمتلك مستشفيات جامعية، باعتبارها تمثل الركيزة الأساسية في إعداد الطبيب وتأهيله للتعامل مع المرضى.
ويقول إن قانون إنشاء كليات الطب اشترط وجود مستشفى جامعي تابع للكلية خلال ثلاث سنوات من تأسيسها، باعتبار أن السنوات الأولى كانت تعتمد على الدراسة الأكاديمية، قبل الانتقال إلى التدريب العملي.
لكن هذا التصور تغير مع تطوير مناهج التعليم الطبي، إذ أصبح التدريب الإكلينيكي جزءًا من الدراسة منذ السنوات الأولى.
ويشير عميرة إلى أن هناك 26 كلية طب حكومية تمتلك مستشفيات جامعية تابعة لها، بينما كليات الطب الخاصة التي يبلغ عددها نحو 12 أو 13 كلية، لا تمتلك سوى 3 أو 4 كليات فقط منها مستشفيات جامعية.
ويضيف أن النقابة سبق أن أعلنت رفضها قيد خريجي الكليات التي لا تستوفي مقومات التعليم الطبي، وفي مقدمتها المستشفى الجامعي.
ويرى وكيل نقابة الأطباء أن التوسع في بعض الكليات صاحبه أيضًا اتساع الفجوة في الحد الأدنى للقبول بين الجامعات الحكومية والخاصة، بعد أن كان الفارق لا يتجاوز 3 إلى 5%، بينما وصل خلال السنوات الأخيرة، إلى 20 % وهو ما انعكس – بحسب قوله – على المستوى الأكاديمي في بعض الكليات، مستشهدًا بحالات رسوب جماعي شهدتها إحدى كليات الطب في صعيد مصر.
وأكد وكيل النقابة أن هناك جامعات خاصة تمتلك مستشفيات جامعية وتقدم نموذجًا ناجحًا فى إعداد الأطباء، ويتخرج منها نحو 4 آلاف طبيب سنويًا، فى مقابل ما يقرب من 8 آلاف خريج من الجامعات الحكومية.
وحذر من اقتراب تخرج دفعات من الجامعات الحديثة التي لا تمتلك مستشفيات جامعية، رغم زيادة فترة الامتياز إلى عامين
بيزنس الشهادات الطبية
ولا يقتصر الاعتراض على غياب المستشفى الجامعي، بل يمتد – بحسب أطباء – إلى فلسفة إنشاء بعض الكليات نفسها.
فالدكتور إيهاب الطاهر، عضو مجلس نقابة الأطباء السابق، يرى أن كلية الطب التي تفتقر إلى مستشفى جامعي تفقد أحد أهم مقومات العملية التعليمية، لتتحول إلى مشروع استثماري يركز على قبول الطلاب، بينما يعتمد في تدريبهم على مستشفيات لا تتبع الجامعة.
ويقول إن الجمعية العمومية لنقابة الأطباء أصدرت في عام 2019 قرارًا بعدم قيد خريجي كليات الطب الخاصة التي لا تستوفي متطلبات التعليم الطبي، وفي مقدمتها وجود مستشفى جامعي مؤهل للتدريب.
ويوضح أن الكليات مُنحت مهلة لتوفيق أوضاعها، إلا أن بعض المؤسسات ما زالت تعتمد على بروتوكولات مع مستشفيات حكومية لتدريب طلابها.
ويضيف أن هذا النموذج لا يحقق البيئة التعليمية المتكاملة التي يفترض أن يحصل عليها طالب الطب، كما يسمح لبعض الجامعات بتجنب التكلفة الباهظة لإنشاء وتجهيز مستشفى جامعي، رغم أن التدريب الإكلينيكي يمثل جوهر دراسة الطب.
أعداد تتجاوز الطاقة التدريبية
ومع الجدل حول جودة التدريب، تبرز أزمة أخرى لا تقل أهمية، وهي الزيادة الكبيرة في أعداد المقبولين بكليات القطاع الطبي، مقارنة بقدرة المستشفيات الجامعية على استيعابهم.
ويقول الدكتور علاء بلبع، رئيس لجنة قطاع كليات العلاج الطبيعي بالمجلس الأعلى للجامعات، إن كليات القطاع الطبي استقبلت خلال العام الماضي نحو 37 ألف طالب، بينما تشير التقديرات إلى أن الاحتياج الفعلي لسوق العمل لا يتجاوز 15 ألف طبيب سنويًا.
ويرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بأعداد الخريجين، وإنما بقدرة الكليات والمستشفيات الجامعية على توفير تدريب عملي حقيقي لهذه الأعداد.
فاتورة غياب المستشفيات
ولم تتوقف تداعيات الأزمة عند مستوى جودة التدريب، بل امتدت إلى تحميل طلاب الامتياز بالجامعات الخاصة والأهلية أعباء مالية إضافية للحصول على فرصة تدريب داخل المستشفيات الجامعية.
وتكشف وثيقة صادرة عن كلية الطب بجامعة عين شمس عن تحديد رسوم لتدريب أطباء الامتياز التابعين للجامعات الخاصة والأهلية داخل مستشفيات الجامعة، في ظل الإقبال المتزايد على أماكن التدريب.
وبحسب الخطاب الصادر في 21 يناير 2026 والموجه إلى كلية الطب بجامعة 6 أكتوبر، بلغت رسوم تدريب طبيب الامتياز المصري من الجامعات الخاصة 8 آلاف جنيه شهريًا، بإجمالي 96 ألف جنيه سنويًا، بينما حُددت الرسوم لطلاب الجامعات الأهلية عند 6 آلاف جنيه شهريًا، بإجمالي 72 ألف جنيه سنويًا.
أما بالنسبة للطلاب الوافدين، فقد بلغت رسوم التدريب 650 دولارًا شهريًا لطلاب الجامعات الخاصة، و500 دولار لطلاب الجامعات الأهلية.
ولم يقتصر الخطاب على تحديد الرسوم، بل اشترط وجود بروتوكول رسمي بين الجامعة التي ينتمي إليها الطالب ومستشفيات جامعة عين شمس، مع منع قبول أي طبيب امتياز للتدريب بصورة فردية.
تحركات حكومية متأخرة
أمام تصاعد الجدل بشأن التوسع في كليات الطب، ومستوى التدريب الذي يحصل عليه الطلاب، بدأت الحكومة اتخاذ خطوات لإعادة تنظيم منظومة التعليم الطبي، عبر ربط إنشاء الكليات الجديدة بقدرتها على توفير بيئة تدريبية متكاملة، بدلاً من الاكتفاء بالتوسع في أعداد المقبولين.
وفي هذا الإطار، قدمت اللجنة التنسيقية لكليات القطاع الصحي بالمجلس الأعلى للجامعات، برئاسة الدكتور أشرف حاتم، وزير الصحة الأسبق وأمين المجلس الأعلى للجامعات الأسبق، حزمة من المقترحات تستهدف مواءمة أعداد الطلاب مع الإمكانات الفعلية للكليات والمستشفيات الجامعية.
وتضمنت المقترحات خفض أعداد المقبولين بكليات الطب البشري بنسبة 10% مقارنة بالعام السابق، وخفض القبول بكليات طب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي بنسبة 20%، بما يتناسب مع الطاقة الاستيعابية لأماكن الدراسة والتدريب.
كما أوصت اللجنة بعدم السماح ببدء الدراسة في أي كلية طب جديدة قبل تشغيل مستشفى جامعي تابع لها.
أول تطبيق
ولم تبق هذه التوصيات حبيسة الاجتماعات، إذ بدأت في التحول إلى قرارات تنفيذية.
فقد قرر المجلس الأعلى للجامعات تجميد قبول دفعات جديدة بكلية الطب
البشري بمدينة فاقوس التابعة لجامعة الزقازيق، مع نقل الطلاب المقيدين بها إلى المقر الرئيسي للكلية في مدينة الزقازيق.
وجاء القرار بعد زيارة ميدانية أجرتها لجنة قطاع الدراسات الطبية، كشفت استمرار عدم جاهزية المستشفى الجامعي بمدينة فاقوس، وتعثر استكمال المشروع رغم مرور سنوات على إنشاء الكلية، وهو ما اعتبرته اللجنة عائقًا أمام توفير التدريب الإكلينيكي اللازم للطلاب.
وفي السياق ذاته، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عبدالعزيز قنصوة، خلال اجتماع المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية، أن الوزارة لن توافق على إنشاء أو تشغيل أي كلية طب جديدة قبل الانتهاء من إنشاء مستشفى جامعي مستوفٍ للاشتراطات والمعايير المطلوبة.
أزمة أطباء… أم أزمة إدارة؟
ورغم التحذيرات من زيادة أعداد خريجي كليات الطب، تكشف الأرقام عن مفارقة لافتة، إذ تعاني مصر في الوقت نفسه من نقص في عدد الأطباء العاملين داخل البلاد.
ويقول الكاتب الصحفي رفعت فياض، المتخصص في شؤون التعليم العالي، إن آخر إحصاءات نقابة الأطباء تشير إلى وجود نحو 85 ألف طبيب يمارسون العمل فعليًا داخل مصر، بما يعادل 5.8 طبيب لكل عشرة آلاف نسمة، بينما توصي منظمة الصحة العالمية بمعدل يبلغ 23 طبيبًا لكل عشرة آلاف نسمة.
وبحسب هذه التقديرات، تحتاج مصر إلى أكثر من 250 ألف طبيب للوصول إلى المعدل الدولي، وهو ما يكشف أن المشكلة لا ترتبط بعدد خريجي كليات الطب وحده، وإنما بقدرة الدولة على الاحتفاظ بأطبائها، وتحسين بيئة العمل، وتطوير منظومة التدريب والتعليم.
الحل ليس خفض الأعداد فقط
ووصل الجدل إلى مجلس النواب، حيث طالب عدد من النواب بوضع رؤية شاملة لإصلاح المنظومة، بدلاً من الاقتصار على خفض أعداد المقبولين بالكليات الطبية.
وتقدم الدكتور أيمن محسب، وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، بطلب إحاطة دعا فيه إلى إعداد استراتيجية وطنية لمعالجة نقص الأطباء والحد من هجرتهم، مع ربط التوسع في كليات الطب بجودة التدريب الإكلينيكي، وليس فقط بعدد المقاعد الدراسية.
وأشار إلى أن البيانات المتداولة تفيد بأن عدد الأطباء المقيدين بنقابة الأطباء يقترب من 260 ألف طبيب، بينما لا يعمل داخل مصر سوى نحو 120 ألفًا، في حين يعمل أكثر من 110 آلاف طبيب مصري بالخارج، وهو ما يعكس أن الأزمة تتعلق بفقدان الكفاءات بعد تخرجها، وليس بعدد الخريجين فقط.
وفي الاتجاه نفسه، رفضت النائبة إيرين سعيد، عضو لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب، مقترح خفض أعداد المقبولين بالكليات الصحية، مؤكدة أن الأولوية يجب أن تكون لتوسيع الاستثمارات في المستشفيات الجامعية ورفع قدرتها الاستيعابية، بما يضمن تدريبًا عمليًا جيدًا للطلاب، دون الإضرار باحتياجات الدولة المستقبلية من الأطباء.
تكشف أزمة كليات الطب أن التوسع التعليمي يفقد قيمته تماماً ما لم يقترن بمستشفيات جامعية قادرة على توفير تدريب عملي حقيقي. فالاستثمار في الصحة يبدأ من حماية طالب الطب؛ والجودة ليست رفاهية يُمكن تأجيلها، بل هي خط الدفاع الأول عن حياة المرضى.