مرت الهزة الأرضية التي شعر بها سكان معظم المحافظات فجر الإثنين دون خسائر بشرية أو أضرار واسعة، لكنها أعادت إلى أذهان ملايين المصريين سؤالًا يتكرر مع كل زلزال: هل تستطيع المباني التي نعيش فيها الصمود إذا تعرضت البلاد لهزة أقوى؟
ففي بلد يضم ملايين المباني التي تحتاج إلى ترميم أو تدعيم، وآلاف العقارات الآيلة للسقوط، إلى جانب ملايين مخالفات البناء، يرى خبراء أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الزلزال نفسه، بقدر ما يكمن في المباني التي قد لا تتحمل آثاره.
وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية أن الهزة بلغت قوتها 5.6 درجة على مقياس ريختر، ووقع مركزها على بعد 61 كيلومترًا شمال شرقي شرم الشيخ، وعلى عمق 26 كيلومترًا، مؤكدًا عدم تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.
ورغم ذلك، انهار عقار قديم بمنطقة روض الفرج في القاهرة دون وقوع إصابات، كما تداول عدد من المواطنين صورًا لشروخ وتصدعات في بعض المباني عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما أعاد ملف سلامة العقارات إلى دائرة النقاش من جديد.
ورغم أن مصر ليست من الدول الواقعة على أحزمة زلزالية مباشرة، فإنها تتأثر بالنشاط الزلزالي في شرق البحر المتوسط وخليج العقبة وخليج السويس، بينما يؤكد متخصصون أن الهزات متوسطة القوة لا تمثل في العادة خطرًا كبيرًا إذا كانت المباني مشيدة وفق الاشتراطات الهندسية، لكن المشكلة تظهر عندما تصادف عقارات متهالكة أو مخالفة أو تفتقر إلى الصيانة.
ولا يعد هذا القلق جديدًا؛ فما زال زلزال 12 أكتوبر 1992 حاضرًا في ذاكرة المصريين بعدما أسفر عن سقوط مئات الضحايا وانهيار أو تضرر آلاف المباني، ويرى خبراء أن حجم الخسائر آنذاك لم يكن مرتبطًا بقوة الزلزال وحدها، بل بالحالة الإنشائية لعدد كبير من العقارات.
مبانٍ تحت الخطر
تكشف البيانات الرسمية أن أزمة المباني القديمة والمتدهورة في مصر ليست محدودة.
فبحسب حصر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يوجد 3.2 مليون مبنى تحتاج إلى درجات متفاوتة من التدخل، تتراوح بين أعمال صيانة بسيطة وترميمات متوسطة وكبيرة، وصولًا إلى الإزالة الكاملة في الحالات التي لم تعد صالحة للترميم.
ويشير الحصر إلى أن 93 ألف مبنى صُنفت باعتبارها غير قابلة للترميم، وهو ما يعني ضرورة إزالتها حفاظًا على سلامة السكان، بينما تحتاج ملايين المباني الأخرى إلى أعمال صيانة أو تدعيم بدرجات مختلفة.
وأشار الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية والخبير الاستشاري للبلديات الدولية، إلى أن تقارير صادرة عن المركز القومي لبحوث البناء والإسكان تؤكد وجود نحو 121 ألف عقار معرض للانهيار في أي لحظة نتيجة تدهور حالته الإنشائية، فيما تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى وجود ما لا يقل عن 98 ألف عقار آيل للسقوط في المحافظات المختلفة.
وفي القاهرة، أعلن المحافظ إبراهيم صابر وجود نحو 17 ألف عقار صدرت بشأنها قرارات ترميم أو تنكيس أو إزالة، مشيرًا إلى أن أزمة العقارات القديمة ترتبط أيضًا بمشكلة الصيانة، في ظل وجود أكثر من مليون و99 ألف وحدة إيجار قديم، 43% منها لا يتجاوز إيجارها الشهري 50 جنيهًا.
كما كشف الدكتور محمد مسعود، رئيس المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، في مايو 2025، عن وجود أكثر من 7 آلاف عقار معرض للانهيار في محافظة الإسكندرية، مع ارتفاع عدد حالات سقوط المباني من حالة واحدة سنويًا إلى أكثر من 40 حالة خلال السنوات الأخيرة.
وتؤكد هذه الأرقام أن خطر انهيار العقارات لا يرتبط بالزلازل فقط، إذ تسجل مصر سنويًا عشرات حوادث انهيار المباني حتى في غياب أي نشاط زلزالي.
ووفق دراسة أعدها معهد “دفتر أحوال” لرصد انهيارات العقارات خلال الفترة من 2014 إلى 2019، شهدت البلاد 1517 حادث انهيار، تضررت بسببها نحو 4100 أسرة، وأسفرت عن 535 حالة وفاة و1417 إصابة، وكان تهالك المباني السبب الرئيسي في غالبية هذه الحوادث.
3 ملايين مخالفة بناء
إلى جانب المباني المتهالكة، يبرز ملف مخالفات البناء باعتباره أحد أبرز مصادر القلق، إذ يرى متخصصون أن أي مبنى لا يلتزم بالاشتراطات الهندسية أو كود البناء المقاوم للزلازل قد يكون أكثر عرضة للتضرر عند وقوع هزة أرضية.
وكشف النائب أحمد السجيني، رئيس لجنة الإدارة المحلية السابق بمجلس النواب، أن عدد مخالفات البناء في مصر يبلغ نحو 3 ملايين مخالفة.
وقال الدكتور حمدي عرفة إن الإحصاءات الرسمية تشير إلى بناء نحو 3.24 مليون عقار مخالف منذ عام 2011، إلى جانب تسجيل نحو 1.9 مليون حالة تعدٍ على الأراضي الزراعية خلال الفترة نفسها، وهو ما يثير مخاوف بشأن مدى التزام هذه المباني بالاشتراطات الهندسية وكود البناء المقاوم للزلازل.
تحذير قبل الكارثة
وأكد الدكتور عصام حجي أن الزلزال الذي ضرب شمال مصر بقوة 5.6 درجة على مقياس ريختر يُعد ظاهرة طبيعية في نطاق النشاط الزلزالي المعروف قرب خليج السويس، مشيرًا إلى أن الزلازل لا يمكن التنبؤ بها، لكن يمكن الحد من آثارها من خلال الالتزام بمعايير البناء المقاوم للزلازل، وتطوير شبكات الرصد، ونشر الوعي.
ومن جانبه، حذر الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة، من أن الزلازل متوسطة القوة قد تتحول إلى كارثة في مصر إذا صادفت مباني مخالفة أو متهالكة، في ظل ضعف الاستعدادات الهندسية وغياب التطبيق الواسع للكود الزلزالي.
وأوضح أن انتشار مخالفات البناء ووجود آلاف العقارات الآيلة للسقوط يضاعف حجم المخاطر، مؤكدًا أن الالتزام بكود البناء المقاوم للزلازل، خاصة في المناطق القريبة من مناطق النشاط الزلزالي، يمكن أن يقلل الخسائر بصورة كبيرة.
واتفق المهندس محمد لقمة، المتخصص في البناء والتشييد، مع هذا الطرح، مؤكدًا أن بعض المناطق قد لا تتحمل زلزالًا متوسطًا بسبب انتشار البناء المخالف وضعف الرقابة.
ووصف المباني غير الملتزمة بالكود المصري بأنها “كارثية”، مشيرًا إلى أن انهيارات العقارات تقع حتى في غياب الزلازل نتيجة عدم الالتزام بالمعايير الهندسية، مطالبًا بالتفتيش الدوري وإصدار شهادات صلاحية للمباني، خاصة في المناطق العشوائية.
تحرك برلماني
وعلى خلفية الهزة الأخيرة، طالب النائب حازم توفيق، عضو لجنة الإسكان بمجلس النواب، الحكومة بتقديم تقرير شامل إلى البرلمان حول نتائج فحص العقارات الآيلة للسقوط، مع الإسراع في تنفيذ قرارات الإزالة والترميم.
وشدد على ضرورة إعداد حصر محدث للعقارات الخطرة، وإعلان موقفها التنفيذي، ووضع جدول زمني ملزم لتنفيذ قرارات الإزالة أو الترميم، مع توفير الدعم اللازم للمحافظات، وإجراء مراجعة شاملة لملف السلامة الإنشائية للعقارات القديمة.
كما أكد النائب إيهاب منصور أن غياب خطة واضحة لتأهيل المباني الآيلة للسقوط، وضعف أعمال الصيانة، خاصة في ظل أزمة الإيجار القديم، أدى إلى وجود آلاف العقارات التي تحتاج إلى ترميم، في وقت لا تمتلك فيه الأجهزة المحلية الإمكانات الكافية للتعامل مع هذا الملف.