لم يعد السؤال الذي يشغل ملايين المصريين هو: هل سيستمر الدعم؟ بل أصبح: متى يأتي الدور على بطاقتي التموينية؟ فمع كل موجة جديدة من “تنقية” قواعد البيانات، تتسع دائرة القلق بين المواطنين الذين يخشون الاستبعاد دون إخطار مسبق أو تفسير واضح للأسباب، في ظل معايير يقول كثيرون إنها غير معلنة بالشكل الكافي، وآليات تظلم يصفها متضررون بالمعقدة.
ومع إعلان حذف نحو 850 ألف مواطن من منظومة التموين خلال يونيو 2026، تحت مبرر تنقية قواعد البيانات وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، عادت التساؤلات بقوة حول حدود العدالة والشفافية في قرارات الاستبعاد، بعدما كشف نواب عن تلقيهم مئات الشكاوى من مواطنين يؤكدون أنهم حُذفوا رغم أوضاعهم المعيشية الصعبة.
حذف عشوائي
بحسب تصريحات مصدر بوزارة التموين لمواقع محلية، فإن عدد المواطنين الذين جرى حذفهم من منظومة الدعم التمويني وفق محددات العدالة الاجتماعية ومعايير استحقاق الدعم بلغ نحو 850 ألف مواطن خلال يونيو 2026، وذلك في إطار خطة الدولة لتنقية قواعد بيانات المستفيدين وضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
ويبلغ عدد البطاقات التموينية في مصر نحو 23 مليون بطاقة، يستفيد منها قرابة 64 مليون مواطن، فيما يحصل نحو 71 مليون مواطن على دعم الخبز، إذ يوجد مواطنون يستفيدون من الخبز فقط دون الدعم التمويني.
ورغم تأكيد الحكومة أن الحذف يستند إلى معايير العدالة الاجتماعية، فإنها لم تعلن بصورة تفصيلية للمواطنين أسباب استبعاد كل حالة على حدة، وهو زاد من مخاوف المواطنين من فقدان الدعم دون معرفة المخالفة أو كيفية تصحيحها.
بين الحذف والحيرة
لم تقتصر الأزمة على الأرقام، بل امتدت إلى آلاف المواطنين الذين فوجئوا بتوقف صرف الدعم دون أن يدركوا السبب الحقيقي أو المستند المطلوب لإعادته.
ويروي المواطن حسن مرسي، عبر حسابه على “فيسبوك”، معاناته في محاولة استعادة بطاقته التموينية، موضحاً أنه تقدم بجميع المستندات التي تثبت عدم امتلاكه سيارة، لكنه فوجئ بمطالبته بتقديم عقود بيع مسجلة تعود لأكثر من سبع سنوات، رغم أنه يبلغ من العمر 64 عاماً ويعيش على المعاش، متسائلاً عن الجهة التي يمكنه اللجوء إليها لإنهاء أزمته.
وفي شهادة أخرى، قال محمد عوض قادوس، عبر “فيسبوك”، إنه قدم جميع المستندات المطلوبة، بينها إفادة من شركة الكهرباء وصور بطاقات أفراد أسرته، لكنه فوجئ بإبلاغه بعدم قبول التظلم المتعلق بمخالفة الكهرباء، رغم أن العداد موجود والمنزل مرخص، ما اضطره إلى اتخاذ إجراءات إضافية لإنهاء معاملته.
ولا تختلف مخاوف الخمسيني طارق أحمد، المقيم بمنطقة حلمية الزيتون في القاهرة، عن غيره من المواطنين؛ إذ يخشى استبعاده من قوائم المستفيدين لأي سبب، ويؤكد أن المعايير التي يجري على أساسها حذف المواطنين غير واضحة بالنسبة له، وهو ما يجعله يعيش في حالة قلق دائم من فقدان الدعم.
مخاوف مبررة
وتفتح هذه الشهادات الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن مدى وضوح معايير الاستبعاد وآليات تطبيقها، وهي التساؤلات التي يرى خبراء أنها ليست مجرد انطباعات فردية، بل تعكس حاجة ملحة إلى قدر أكبر من الشفافية داخل منظومة الدعم.
حيث يؤكد الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أن مخاوف المواطنين من استبعادهم من البطاقات التموينية مبررة، مطالبا بضرورة أن توضح وزارة التموين سبب الاستبعاد بجوار اسم كل مواطن يتم حذفه بحسب الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة.
ويوضح “بدرة” أن مثل هذه الخطوة تحقق قدراً أكبر من الشفافية، وتسهل إجراءات التظلم والفصل فيها، بدلاً من ترك المواطنين في حالة من التخمين حول أسباب فقدانهم للدعم.
اعتراضات برلمانية
لم تقتصر الاعتراضات على شكاوى المواطنين، بل امتدت إلى مجلس النواب، حيث حذّر عدد من النواب من أن تتحول عملية تنقية بطاقات التموين إلى وسيلة لاستبعاد مواطنين مستحقين للدعم، في ظل غياب معايير واضحة وآليات فعالة للتظلم.
وأوصت لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب بإيقاف حذف المواطنين من بطاقات التموين استناداً إلى مخالفات تتعلق بالبناء أو الكهرباء وغيرها، معتبرة أن هذه المخالفات لا ينبغي أن تكون سبباً لحرمان المواطنين من حقهم في الدعم.
وكشف النائب فريدي البياضي، عضو مجلس النواب، أن نحو 20 مليون مواطن قد يصبحون معرضين للخروج من منظومة التموين إذا استمرت عمليات الاستبعاد بالآليات الحالية، وهو ما أثار مخاوف من اتساع نطاق الحذف خلال الفترة المقبلة.
وأكد النائب أيمن محسب، وكيل لجنة الشئون الاقتصادية، أن الدعم يمثل حقاً دستورياً يجب احترامه، ولا يجوز حرمان أي مواطن منه بسبب ارتكابه مخالفة سبق أن عوقب عليها وفقاً للقانون، مشدداً على أن معاقبة المواطن مرتين على الفعل نفسه تتعارض مع مبادئ العدالة.
من جانبه، قال النائب تامر عبد القادر إنه تقدم بطلب إحاطة عقب حذف 850 ألف مواطن من بطاقات التموين، مشيراً إلى أن محافظة الوادي الجديد شهدت حذف أعداد كبيرة من المواطنين بصورة وصفها بـ”العشوائية”.
وأوضح أن بعض المواطنين ارتكبوا مخالفات بسيطة، بينما أبدى آخرون جدية في تقنين أوضاعهم، إلا أن وزارة التموين سارعت إلى حذفهم من البطاقات التموينية دون مراعاة لهذه الظروف.
وأضاف: “نريد النظر إلى التطبيق على أرض الواقع، حيث تم حذف عدد من المواطنين في الوادي الجديد بشكل عشوائي”.
واتهم عبد القادر وزارة التموين بعدم مراعاة الأبعاد الإنسانية عند تنفيذ قرارات الحذف، مطالباً بإطلاق قوافل داخل المحافظة لإعادة الدعم إلى المواطنين المستحقين واستقبال تظلماتهم، قائلاً: “فلاحون بسطاء يعيشون على حدود مصر الغربية ويحرسون حدودها.. نحذفهم من التموين ليه؟”.
بدوره، قال النائب أحمد العرجاوي إن بعض المواطنين فوجئوا بتحرير محاضر سرقة كهرباء ضدهم دون علمهم، ثم اكتشفوا لاحقاً أنهم حُرموا من الدعم التمويني ورغيف الخبز، رغم أنهم لم يكونوا على دراية بهذه المحاضر.
وأضاف: “لما نلاقي مواطن اتعمل له محضر من شركة الكهرباء بدون ما يعرف، ومواطن آخر اتعمل له مخالفة بناء وقنن وضعه، ومواطن آخر اتعمل له مخالفة لسحب رخصة، وفي النهاية هؤلاء أصبحوا محرومين من الدعم”.
وأشار إلى أن المشكلة لا تتوقف عند حذف المواطنين، وإنما تمتد إلى عدم إعادتهم إلى منظومة الدعم حتى بعد إنهاء أسباب المخالفة، مؤكدًا أن الأمر يستدعي تدخلاً عاجلاً، ومطالباً بالاعتذار للمواطنين المتضررين وإعادة حقوقهم.
أما النائب محمد الشويخ، فأكد أن المواطن أصبح يواجه أعباء متراكمة بين جهات حكومية متعددة، قائلاً: “المواطن النهارده يعاني ومش عارف يلاقيها منين ولا منين، من وزارة الكهرباء ولا وزارة التموين ولا التنمية المحلية ولا مين، من يقف بجوار المواطن البسيط؟”.
وأضاف أن بطاقة التموين تمثل شرياناً رئيسيًا لتوفير رغيف الخبز لملايين الأسر، مطالباً بوقف ما وصفه بالتعسف تجاه المواطنين، قائلاً: “المواطن المصري منداس على وشه ومغلوب على أمره، والحكومة لا تساعده ولا تيسر له الأمور، طوابير في كل حتة والناس تُهان بسبب الإجراءات المعقدة”، مطالباً بوضع آليات واضحة للتظلم وحل المشكلات التي يواجهها المواطنون.
وتابع: “المواطن المصري أصبح فريسة، يهرب من المحليات يطلع للكهرباء، وفي الآخر يتحرم من الدعم، وجالي ألف شكوى في أربع ساعات بسبب حذف المواطنين من الدعم”.
وفي السياق نفسه، أوضح النائب أحمد فرغلي، عضو مجلس النواب، أنه تلقى شكاوى عديدة من المواطنين بسبب ما وصفه بـ”الشروط التعجيزية” الخاصة بالمستندات المطلوبة لتحديث بيانات البطاقات التموينية.
ورفض فرغلي ما اعتبره حذفاً عشوائياً للبطاقات التموينية، بالتزامن مع رفع شرائح العدادات الكودية والزيادات المتكررة في أسعار الوقود، معتبراً أن المواطنين باتوا يواجهون أعباء متلاحقة دون وجود آليات واضحة لحماية الفئات الأكثر احتياجاً.
انتقادات لغياب الشفافية
في المقابل، تزعم وزارة التموين أن ما يجري ليس حذفاً عشوائياً، وإنما تطبيق لمعايير استحقاق الدعم التي بدأ العمل بها منذ عام 2016، قبل أن يجري توسيعها تدريجياً حتى وصلت إلى 14 معيارًا بحلول عام 2023.
وقال محمد شتا، مساعد وزير التموين للخدمات الرقمية، إن معايير العدالة الاجتماعية تستهدف استبعاد غير المستحقين وفق مؤشرات الدخل والقدرة المالية، مثل السكن في المجتمعات السكنية المغلقة مرتفعة القيمة، مع التأكيد على عدم المساس بالأسر الأكثر احتياجاً أو منخفضة الدخل.
وأضاف أن المعايير تشمل أصحاب العدادات الكودية، والأسر التي تُلحق أبناءها بمدارس دولية، ومالكي السيارات الفارهة، وأصحاب الشركات ذات رؤوس الأموال الكبيرة والسجلات التجارية المؤثرة.
كما تضم المعايير من يتجاوز دخلهم الشهري 24 ألف جنيه، ومن صدرت ضدهم محاضر سرقة كهرباء، والحاصلين على معاشات دون وجه حق، ومالكي أكثر من عشرة أفدنة من الأراضي الزراعية.
وأشار مساعد وزير التموين إلى أن تطبيق معايير الاستحقاق يختلف من حالة إلى أخرى، فإذا انطبقت المحددات على رب الأسرة يتم إيقاف البطاقة التموينية بالكامل، أما إذا انطبقت على أحد أفراد البطاقة فيتم وقف الدعم الخاص به فقط دون التأثير على باقي أفراد الأسرة.
وأوضح أن الوزارة تعتمد على قواعد بيانات دقيقة وبحوث الدخل والإنفاق لتحديد خط الفقر، لافتاً إلى أن بعض الحالات المستبعدة كانت تضم مواطنين يمتلكون سيارات فارهة أو يتمتعون بمستويات معيشية مرتفعة بصورة واضحة.
وأكد الدكتور محمد شتا أن الأرقام النهائية للمواطنين الذين سيتم حذفهم من بطاقات التموين لن تُعلن إلا بعد انتهاء جميع مراحل مراجعة وتنقية قواعد بيانات الدعم التمويني.
ورغم زعم الحكومة بأن الاستبعاد يستند إلى قواعد بيانات ومعايير محددة، فإن حالة الجدل لا تزال قائمة، في ظل مطالبات برلمانية وخبراء ومواطنين بإعلان أسباب الحذف.