معركة الـ40 مليار جنيه.. الحكومة تواجه إمبراطورية التنقيب غير الشرعي

مهربون، وعشرات أجهزة الكشف عن المعادن، وأطنان من الأحجار المخلوطة بالذهب، ومضبوطات قدرت بنحو 40 مليار جنيه.. ليست حصيلة أيام قليلة، بل ملامح امبراطورية تمددت لسنوات داخل جبال الصحراء الشرقية، بعيدًا عن المنظومة الرسمية.. حتى وصلت أياد الدولة إلى هناك.
فعلى امتداد الجبال الممتدة من أم الحويطات والفواخير وصولًا إلى المناطق القريبة من حلايب وشلاتين، تشكلت مواقع التنقيب العشوائي، مستفيدة من الطبيعة الوعرة، واتساع الرقعة الصحراوية، وارتفاع أسعار الذهب، في وقت لم يكن فيه التعدين الأهلي يخضع لتنظيم واضح.

 

مضبوطات بـ40 مليار جنيه

أخيرا وبعد سنوات طويلة.. بيان عسكري من المتحدث الرسمي للقوات المسلحة، كشف عن تنفيذ حملة أمنية بالتعاون مع وزارة الداخلية، أسفرت عن ضبط 58 واقعة تنقيب عشوائي، و20 جهاز كشف عن المعادن، و200 جهاز “هيلتي”، و118 ماكينة كهرباء، ونحو 86 طنًا من الأحجار المخلوطة بخام الذهب.
كذلك جرى التحفظ على 500 عربة متنوعة، وإحباط 115 واقعة تسلل وهجرة غير شرعية.
تضمن البيان العسكري الإعلان عن ضبط 99 ألفًا و886 متسللًا من جنسيات مختلفة على مختلف الاتجاهات الاستراتيجية للدولة.
وقدرت القيمة المالية الإجمالية للمضبوطات بنحو 40 مليار جنيه، فيما تمت إحالة جميع الوقائع إلى جهات الاختصاص لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
لكن الضبطيات، على ضخامتها، كانت نتيجة لمسار بدأ قبل سنوات، عندما خرج التنقيب عن الذهب من نطاق المغامرات الفردية إلى نشاط منظم امتد عبر الجبال والصحاري. 

إمبراطورية تحت الجبل

وتشير تقديرات محلية وقبلية إلى أن نحو 10 آلاف شخص يعملون في التنقيب العشوائي عن الذهب بمناطق البحر الأحمر وأسوان، فيما تضم الصحراء الشرقية أكثر من 120 موقعًا معروفًا باحتوائه على خام الذهب.

ويقول الدكتور حسن بخيت، رئيس رابطة المساحة الجيولوجية المصرية، إن التعدين الأهلي في مناطق حلايب وشلاتين ومرسى علم يسهم بإنتاج يتراوح بين 20 و30 طنًا من الذهب سنويًا، وهو ما يعكس حجم النشاط الجاري خارج المنظومة الرسمية، ويعني أن جزءًا كبيرًا من الذهب المستخرج لا يمر عبر القنوات القانونية.
ويرى عدد من الخبراء أن الأزمة لا ترتبط فقط بارتفاع أسعار الذهب، وإنما أيضًا بغياب تنظيم فعّال لقطاع التعدين لسنوات طويلة.
ويؤكد الجيولوجي واستشاري التعدين الدكتور كرم الشيمي أن الأحداث المتكررة في مناطق البحث عن الذهب داخل الأراضي المصرية وبالقرب من الحدود السودانية تعود في الأساس إلى غياب تنظيم صناعة التعدين، وهو ما سمح بتوسع النشاط غير الرسمي وتسلل آلاف الباحثين عن الذهب إلى تلك المناطق.
ويضيف أن غياب الجهات المنظمة للتنقيب عن المعادن النفيسة في جنوب البحر الأحمر وشرق أسوان، بالتزامن مع الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب عالميًا، شجع كثيرين، بينهم سودانيون يمتلكون خبرة طويلة في التنقيب، على التسلل إلى داخل الأراضي المصرية والعمل في استخراج الذهب.

طواحين الذهب

في محافظة قنا وحدها، يقدر عدد طواحين استخلاص الذهب غير المرخصة بنحو 2500 طاحونة، بحسب ما نقلته وسائل إعلام عن مصادر، أشارت إلى أن هذه الطواحين تعتمد على طحن أحجار الكوارتز واستخلاص الذهب بوسائل بدائية أو شبه صناعية، لتصبح الحلقة الأهم في سلسلة إنتاج الذهب خارج المنظومة القانونية.
ويضيف أن المشكلة لا تكمن في انتشار الطواحين فقط، وإنما في غياب إطار قانوني واضح ينظم التعدين الأهلي، إذ يركز قانون الثروة المعدنية على مرحلة الاستخلاص دون وضع تنظيم دقيق لعمليات التعدين التقليدي.
ويشير إلى أن بعض الجهات بمحافظة قنا حاولت الحد من الخسائر عبر توصيل الكهرباء لعدد من الطواحين باستخدام عدادات كودية بدلًا من استمرار سرقة التيار الكهربائي، بينما ظلت حملات الإزالة محدودة، إذ لم تتجاوز -وفق تقديرات غير رسمية- نحو 250 طاحونة، في ظل تحديات أمنية، من بينها امتلاك بعض العاملين أسلحة نارية.

لقمة مغموسة بالخوف

وخلف هذه الأرقام، يعيش آلاف المنقبين حياة قاسية داخل الجبال، بعيدًا عن الخدمات أو أي مظلة حماية.
يقول مصطفى علي (اسم مستعار)، من مدينة القصير وأحد الدهابة السابقين بمنطقة الفواخير: “الجبل لا يعطي سره بسهولة. فقدنا زملاء بسبب انهيار الأنفاق البدائية، وآخرين ماتوا بلدغات العقارب والثعابين أو من العطش والإجهاد. لا توجد مستشفيات ولا إسعاف، وأحيانًا نظل ساعات نحاول إنقاذ شخص مدفون تحت الصخور بأيدينا فقط”.
وفي شهادة أخرى، يقول أحمد شلبي (اسم مستعار)، من مرسى علم، والذي عمل حتى وقت قريب في مناطق وادي المياه: “نعمل في صمت تام، ونتحرك بحذر شديد. الخوف ليس من الجبل فقط، بل من الملاحقات الأمنية أيضًا. نحمل المياه والطعام والوقود لأيام طويلة، وقد تمر علينا أسابيع دون أن نرى إنسانًا”.
ويضيف أن أخطر مراحل العمل ليست البحث عن الذهب، وإنما استخلاصه، موضحًا: “نستخدم الزئبق والسيانيد لأنهما الأسرع والأرخص، رغم أننا نعرف أنهما سم قاتل. بعض العمال أصيبوا بأمراض صدرية وجلدية وحالات تسمم، لكن لا يوجد بديل”.
أما محمود عارف (اسم مستعار)، وهو شاب من إحدى قرى محافظة قنا قضى أكثر من ثلاث سنوات متنقلًا بين وادي المياه والبرامية وحفافيت، فيقول: “في أول مرة صعدت فيها الجبل كنت أظن أن الموضوع سهل.. جهاز كشف وحفر وسنجد الذهب، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. أحيانًا نمشي ساعات طويلة فوق الصخور تحت الشمس حتى نشعر أن أجسادنا تحترق. المياه قليلة، والطعام بسيط، والنوم فوق الصخور أو داخل خيام مهترئة”.

تسلل وسط النازحين

ويرى خبراء أمن أن اتساع الظاهرة لم يعد يمثل تحديًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح يحمل أبعادًا أمنية أيضًا.
ويقول اللواء رضا يعقوب، مساعد وزير الداخلية الأسبق، إنه كان من أوائل من نبهوا إلى اختراق بعض عناصر “الدهابة” السودانيين للحدود الجنوبية لمصر بهدف التنقيب غير المشروع عن الذهب.
ويوضح أن المنطقة التي يطلق عليها بعض السودانيين “شمال الوادي” تقع عند خط عرض 22 الفاصل بين مصر والسودان، وأن جبل إيقات يقع بالكامل داخل الأراضي المصرية، وتحديدًا ضمن منطقة امتياز شركة شلاتين للثروة المعدنية في نطاق حلايب وشلاتين، نافيًا ما يتردد عن وقوع الجبل داخل الحدود السودانية.
ويضيف أن بعض العصابات المتخصصة في استخراج الذهب استغلت الظروف الإقليمية وتدفقات النازحين خلال السنوات الأخيرة للوصول إلى مناطق التنقيب داخل الأراضي المصرية.
ويرى عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ أن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تعتمد على الحملات الأمنية وحدها، وإنما تتطلب تنظيمًا تشريعيًا يواكب الواقع الذي فرضه التعدين الأهلي.
ويقول عبد الله حسن، عضو مجلس الشيوخ عن البحر الأحمر، إن المحافظة تضم عشرات المواقع الواعدة بالذهب والمعادن المختلفة، وإن الدولة تستهدف تحويل الصحراء الشرقية إلى مركز إقليمي للتعدين والاستثمار المعدني، وهو ما يتطلب حماية هذه الثروات من الاستنزاف.
أما محمد الجبلاوي، عضو لجنة الطاقة بمجلس النواب سابقًا، فيحذر من أن الدهابة تمكنوا خلال السنوات الأخيرة من تحقيق ثروات كبيرة.
وأكد أن استمرار غياب الضوابط الأمنية والتنظيمية في بعض المناطق الجبلية قد ينعكس سلبًا على الدولة، خاصة مع ارتباط التنقيب غير الشرعي بقضايا الهجرة غير النظامية وتهريب السلاح والمواد البترولية والمخدرات.
وطالب بتشريعات أكثر ردعًا، إلى جانب مواجهة انتشار طواحين الذهب غير المرخصة.

وفي مواجهة هذه الظاهرة، ينص قانون الثروة المعدنية على معاقبة كل من يقوم بالتنقيب أو استخراج خامات المناجم دون ترخيص بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة تتراوح بين 50 ألفًا وخمسة ملايين جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، بينما تتشدد العقوبة في حالة العود لتصل إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين.
ورغم اتساع الحملات الأمنية خلال الفترة الأخيرة، يرى متخصصون أن إنهاء الظاهرة لن يتحقق بالملاحقات وحدها، وإنما يتطلب سد الثغرات التي سمحت بانتشارها، وتنظيم التعدين الأهلي، وتشديد الرقابة على مناطق التعدين، حتى لا تتحول ثروة يفترض أن تكون أحد محركات الاقتصاد المصري إلى مصدر جديد لاستنزاف موارده.

أضف تعليقك
شارك