الثعابين تغزو القرى والمدن.. المصريون وحدهم في مواجهة الزواحف السامة

مشاهد يومية في القرى والحقول لم تعد هادئة كما كانت، إذ بات ظهور الثعابين السامة داخل المناطق السكنية والزراعية يتكرر في عدد من المحافظات المصرية خلال الفترة الأخيرة.

وبين الشرقية والدقهلية والغربية والبحر الأحمر، تتسع دائرة البلاغات ومقاطع الفيديو المتداولة، ما يثير قلق الأهالي ويطرح تساؤلات حول جاهزية التعامل مع هذه الظاهرة، ومدى وجود خطط وقائية تمنع وقوع الحوادث قبل حدوثها.

 بلاغات متكررة 

ففي محافظة الشرقية، وثق أحد المواطنين ظهور ثعبان من نوع “الكوبرا” داخل حظيرة بأرض زراعية، بينما انتشر مقطع آخر لثعبان ضخم داخل أرض زراعية بمدينة المنصورة في الدقهلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي واقعة أخرى بمحافظة الغربية، شهدت قرية المنشأة الكبرى ظهور أفعى كوبرا أثارت الذعر بين الأهالي، قبل أن تتدخل قوات الحماية المدنية وتنجح في التعامل معها. 

امتداد الخطر

لم تعد الظاهرة مقتصرة على الحقول أو الأراضي المفتوحة، إذ امتدت في بعض الحالات إلى نطاقات سكنية، بالتوازي مع انتشار مقاطع مصورة تُظهر اقتناء بعض الأفراد لأنواع من الثعابين السامة داخل منازلهم. 

وفي أحد المقاطع، ظهر شاب يحتفظ بعدة ثعابين كوبرا داخل صناديق أعلى منزله، كما ظهر في تسجيل آخر أثناء استخلاص السم من أحدها باستخدام أدوات بدائية، ما أثار مخاوف من احتمالية تسرب هذه الزواحف إلى محيط سكني أوسع في حال غياب الرقابة.

استغاثات ميدانية

مع تكرار الوقائع، تصاعدت استغاثات الأهالي في القرى والمناطق الأكثر عرضة، خصوصًا القريبة من المناطق الصحراوية أو الزراعية المفتوحة، وسط مطالب بتدخل أكثر فاعلية من الجهات المعنية.

ويقول محمد أبو نعجة، مهندس زراعي من محافظة الفيوم، إن ارتفاع درجات الحرارة وخروج الزواحف من بيئاتها الطبيعية في فصل الصيف يشكل تهديدًا مباشرًا للسكان، مطالبًا بتوفير الأمصال في الوحدات الصحية القريبة من القرى المعرضة للخطر.

وفي البحر الأحمر، رصد مواطنون ظهور ثعابين في مدينة رأس غارب، من بينها ثعبان في أحد الشوارع القريبة من مناطق تجارية، ما زاد من حالة القلق ودفع السكان للتحذير عبر وسائل التواصل الاجتماعي من تزايد الظاهرة دون تدخل كافٍ.

تفسيرات علمية

يرى خبراء أن الظاهرة لا ترتبط بسبب واحد، بل هي نتيجة تداخل عوامل بيئية وبشرية.

فمن جهة، يؤدي ارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية إلى دفع بعض الزواحف لمغادرة بيئاتها الطبيعية والبحث عن مناطق أكثر ملاءمة.

ويؤكد الدكتور سيد جاد المولى، رئيس الحجر البيطري بالهيئة العامة للخدمات البيطرية الأسبق، أن اختلال التوازن البيئي وتراجع الأعداء الطبيعيين لبعض الأنواع ساهم في تغيير أنماط انتشارها، مشيرًا إلى أن أفعى الكوبرا ليست دخيلة على البيئة المصرية لكنها تتركز عادة في المناطق الصحراوية.

في المقابل، يطرح الخبير البيئي الدكتور نبيل فتحي تفسيرًا آخر، مرجحًا أن بعض الحالات قد تكون مرتبطة بتربية غير قانونية للزواحف أو هروبها من أماكن احتجازها، في ظل وجود أنشطة غير رسمية لتداول بعض الأنواع. 

اعتراف رسمي

في تطور لافت، أقر اللواء محمد صلاح، رئيس مدينة رأس غارب، بأن تراكم القمامة والمخلفات في بعض المناطق يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء ظهور الثعابين داخل المدينة.

وأوضح أن الأجهزة التنفيذية تتعامل مع البلاغات فور تلقيها، بالتنسيق مع الجهات المختصة، عبر حملات رش وتعقيم في عدد من المواقع.

لكن هذا الاعتراف فتح باب تساؤلات أوسع حول سبب استمرار المشكلة رغم وضوح أسبابها، ولماذا لا يتم الانتقال من المعالجة اللاحقة إلى الوقاية الاستباقية.

خسائر بشرية

مع استمرار تكرار الحوادث، لم تعد النتائج مقتصرة على الذعر والخوف، بل تحولت في بعض الحالات إلى إصابات ووفيات. 

ففي ديسمبر 2025، نجت سيدة ستينية بمحافظة سوهاج من الموت بعد تعرضها للدغة ثعبان سام، حيث احتاجت إلى 42 جرعة من المصل لإنقاذ حياتها.

وفي 17 يوليو 2026، توفي طالب في الصف الثالث الإعدادي بمحافظة الفيوم بعد تعرضه للدغة ثعبان سام، بينما نجح الفريق الطبي في إنقاذ شاب عشريني بمستشفى كفر الشيخ العام في يونيو من نفس العام بعد إصابة خطيرة أثرت على الجهاز التنفسي.

رصد محلي

 ورغم خطورة هذه الحالات، لا تزال البيانات الرسمية حول أعداد الإصابات والوفيات غير مكتملة، ما يثير تساؤلات حول الحجم الحقيقي للظاهرة.

وفي هذا السياق، رصدت “أحوال مصرية” تعرض 7 حالات لدغات ثعابين خلال الفترة من يناير حتى يونيو 2026، في مؤشر على استمرار الحوادث بشكل متكرر.

كما وثقت دراسة منشورة في دورية “أكتا ميديكا إنترناشيونال” استقبال 87 حالة لدغ خلال عام واحد، أغلبها في فصل الصيف، بينها 21 حالة لدغات ثعابين سامة من فصيلة الكوبرا. 

وعلى المستوى العالمي، تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن لدغات الثعابين تتسبب في وفاة ما بين 81 و138 ألف شخص سنويًا، إلى جانب إصابة نحو 400 ألف بإعاقات دائمة.

استجابة محدودة

تتحرك الجهات المعنية في كثير من الحالات كرد فعل بعد وقوع البلاغات، عبر توفير الأمصال أو تنفيذ حملات رش وتعقيم، كما حدث في عدد من المحافظات مثل الفيوم والوادي الجديد.

ورغم زعم وزارة الصحة إنتاج 8 آلاف و917 وحدة من مصل الثعبان، فإن التوزيع والتوافر في المناطق الأكثر عرضة ما زال محل تساؤل، في ظل استمرار تسجيل بلاغات من محافظات مختلفة. 

ويعزز ذلك مطالبة الدكتورة نيفين شعبان، وكيل وزارة الصحة بمحافظة الفيوم، في أغسطس 2025، بتوفير المزيد من الأمصال الخاصة بلدغات الثعابين. 

بين الخوف المتكرر في القرى والحقول، والبلاغات التي تتزايد مع كل موسم صيف، تبدو ظاهرة الثعابين السامة أكثر من مجرد حوادث متفرقة، بل مؤشرًا على فجوة واضحة بين الواقع الميداني وسرعة الاستجابة المؤسسية، ما يجعل الخطر أقرب من أي وقت مضى إلى حياة السكان اليومية. 

أضف تعليقك
شارك