“الاقتراض من أجل البقاء”.. كيف تحولت القروض الاستهلاكية إلى فخ يطارد ملايين المصريين؟

لم تكن هويدا محمد تتخيل أن رحلة علاج بعد حادث مفاجئ ستقودها إلى ما تصفه بـ”الإهانة المنظمة” الموظفة الحكومية التي التزمت بسداد أقساطها لعامين كاملين، وجدت نفسها فجأة في مواجهة محصلين يصورون منزلها ومقر عملها، ويهددونها بالتشهير بها وبابنتها إذا لم تدفع فوراً.

قصة هويدا لم تعد حالة فردية معزولة. ففي وقتٍ لم تعد فيه القروض الصغيرة مجرد وسيلة لشراء هاتف أو جهاز كهربائي، تتسع ظاهرة التمويل الاستهلاكي في مصر بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعة بتراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل الدخول.

بينما يحذر خبراء اقتصاد ومصرفيون وقضاة من تحولها إلى أزمة ديون اجتماعية واقتصادية، وسط شكاوى متزايدة من أساليب تحصيل وُصفت بأنها تتجاوز الأطر القانونية والإنسانية.

أرقام تكشف حجم التوسع

تعكس الأرقام الرسمية حجم الطفرة التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة.

فبحسب أحدث الإحصائيات الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية، برئاسة الدكتور إسلام عزام، بلغت قيم التمويلات الممنوحة من 2532 شركة وجهة خاضعة لرقابة الهيئة بنهاية عام 2025 نحو 1.4 تريليون جنيه، بما يعادل نحو 54% من إجمالي التمويلات الممنوحة من القطاع المالي المصري للقطاع الخاص والعائلي والأفراد.

وتُظهر البيانات أن هذه الجهات تخدم أكثر من 64 مليون عميل، فيما بلغ حجم المحافظ التمويلية نحو 417 مليار جنيه بنهاية 2025، وتجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد، بينما سجلت نسب التعثر أقل من 3%.

كما ارتفع حجم التمويل الاستهلاكي إلى 96.3 مليار جنيه بنهاية 2025، مقارنة بـ61.3 مليار جنيه في 2024، بنسبة نمو بلغت 57%.

ويرى خبراء اقتصاد أن هذا التوسع لا يعكس تحسنًا في الأوضاع المعيشية بقدر ما يعكس الضغوط الاقتصادية التي دفعت قطاعات واسعة من المواطنين للاعتماد على التقسيط والاقتراض لتغطية احتياجات أساسية.

وقال الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، إن القفزة الكبيرة في عدد المتعاملين بالتمويل الاستهلاكي “لم تكن تعبيراً طبيعياً عن تحسن اقتصادي، بل انعكاساً لتراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر، ما دفع قطاعات واسعة من المواطنين لاستخدام التمويل لسد الاحتياجات الأساسية لا الرفاهيات”.

بدوره، قال خبير الاقتصاد وأسواق المال مصطفى شفيع إن كثيراً من المستهلكين في مصر لم يعد بإمكانهم شراء سلع مرتفعة الثمن نقداً، ما يدفعهم للاعتماد على خدمات التقسيط لتلبية احتياجاتهم الأساسية والاستهلاكية.

وأشار إلى أن نشاط التمويل الاستهلاكي شهد طفرة واضحة منذ عامي 2021 و2022، مدفوعة بارتفاع معدلات التضخم، وزيادة أسعار الفائدة، وتراجع قيمة العملة، إلى جانب تآكل الأجور والدخول الحقيقية للمواطنين.

من وسيلة للشراء إلى دائرة ديون

ومع اتساع السوق، تتزايد شهادات العملاء الذين يقولون إن القروض الاستهلاكية تحولت، بالنسبة لهم، من وسيلة لتسهيل الشراء إلى دائرة ديون متصاعدة بفعل الفوائد والغرامات ورسوم التأخير.

تقول هويدا محمد إنها فوجئت، بعد تعثرها بسبب الحادث، بما وصفته بـ “بلطجة وقلة أدب” من بعض شركات التحصيل، رغم انتظامها في السداد لعامين كاملين.

وأضافت أن محصلين قاموا بتصوير منزلها ومقر عملها، مع تهديدات صريحة بالتشهير بها وبابنتها إذا لم تسدد فوراً، إلى جانب فرض فوائد وغرامات وصفتها بـ”غير المفهومة”، من بينها فوائد تجاوزت 11 ألف جنيه خلال شهر واحد، وغرامات تأخير وصلت إلى 5 آلاف جنيه.

وأكدت: “ما يحدث ليس تحصيل حقوق.. هذا ترهيب وإهانة للبشر”.

وفي محافظة أخرى، وجد محمد أسامة، العامل في قطاع المفروشات، نفسه – بحسب روايته – في مواجهة ضغوط مماثلة، بعدما حصل شقيق زوجته على تمويل بقيمة 20 ألف جنيه، قبل أن تتضخم المديونية إلى نحو 75 ألف جنيه خلال ثلاث سنوات نتيجة الفوائد والغرامات المتراكمة.

وأوضح أن بعض الشركات كانت تفرض غرامات تصل إلى 400 جنيه بسبب تأخير بضعة أيام فقط، إلى جانب رسوم إدارية وصفها بـ”المبالغ فيها”.

وقال إن التهديدات لم تتوقف عند المطالبات المالية، بل امتدت – وفق روايته – إلى حياته الخاصة، مشيراً إلى أن إحدى الموظفات هددته باستخدام صور وبيانات مخزنة على الهاتف المحمول للضغط عليه، قائلة: “هاجي البيت وأوري صورك للناس”.

واعتبر أن ما يحدث “لم يعد مجرد تحصيل ديون، بل محاولة لكسر الناس نفسياً واجتماعياً”، مؤكداً احتفاظه برسائل وتسجيلات قال إنها توثق ما تعرض له.

أما المهندس شادي محمد صلاح الدين، فيروي كيف تحولت سنوات التزامه بالسداد منذ عام 2021 إلى “كابوس” بعد فقدانه عمله في أغسطس 2025.

وقال إن إحدى الموظفات نشرت صورة بطاقته الشخصية على “فيسبوك” مع اتهامه علناً بالاستيلاء على أموال الشركة، بينما تلقى من شركة أخرى رسائل صوتية مهينة تصفه بـ”الجربوع”.

وأضاف أن بعض جهات التحصيل أرسلت له عبر “واتساب” أرقام قضايا اكتشف لاحقاً أنها غير صحيحة ولا تتوافق مع تسلسل القضايا الرسمي، معتبراً أن الهدف كان “إرهابه نفسياً”.

وأشار إلى أن مديونية قدرها 54 ألف جنيه تحولت لاحقاً إلى مطالبات وصلت إلى 160 ألف جنيه، موضحاً أن بعض موظفي التحصيل أخبروه بأن الفوائد قد تصل إلى 60 و70% سنوياً.

وامتدت الشكاوى إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كتبت سارة أحمد عبر “فيسبوك”: “أنا مش هسكت عن حقي من اللي حصل من شركة كليفر وموظفة عندهم أهانتني إهانة كأني حرامية، ووصلت لخراب بيتي، وكنت هتطلق بسببها”.

فيما قالت شيري شكري عبر منصة “إكس”: “ماحدش كبر فكرة التمويل الاستهلاكي غير قلة أدب وسرقة البنوك.. وحالياً عندنا بنوك حرامية وشركات تمويل استهلاكي نصابين وبلطجية والفلوس بتلف بينهم ومابتروحش مكانها الصح”.

تحذيرات من توسع غير منضبط

ومع تصاعد الاعتماد على التمويل الاستهلاكي، تتزايد التحذيرات من مخاطر التوسع غير المنضبط في هذا القطاع، سواء على الأفراد أو على الاقتصاد ككل.

وحذر هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي من تنامي مخاطر التمويل غير المصرفي على الأفراد والدورة الاقتصادية.

وأوضح أن الأفراد غير القادرين على الاقتراض من البنوك يلجأون إلى مؤسسات التمويل غير المصرفي بتكلفة مرتفعة، معرباً عن شكوكه في التزام بعض تلك المؤسسات بسياسات التقييم الائتماني المنضبطة المطبقة في البنوك.

وأضاف أن سرعة اتخاذ القرار في شركات التمويل الاستهلاكي قد تمنحها ميزة تنافسية.

وأشار إلى أن منح التمويل دون تقييم كافٍ للقدرة الائتمانية قد يرفع مستويات المخاطر، خاصة مع ضعف آليات التحصيل أو الاعتماد على أساليب ضغط غير مناسبة.

وشدد على أهمية منظومة الاستعلام الائتماني في ضبط السوق، مؤكداً أن تفعيلها بشكل شامل يسهم في الحد من المخاطر الائتمانية وتحسين جودة المحافظ التمويلية.

وأضاف: “لديّ قلق في هذا الموضوع بأن الشرارة الصغيرة ممكن تعمل شرارة أكبر، ولو واحد وقع ممكن تعمل تأثير في الاقتصاد كله ويجر الباقي معاه”.

وفي السياق نفسه، قال محمد أبوالنجا، الخبير الاقتصادي والشريك المؤسس السابق لتطبيق “حالا” للتمويل الاستهلاكي: “يشهد الله إني اتكلمت في الموضوع ده من 4 سنوات وتم التنكيل بيا”.

وأضاف: “البنوك بتسلف الغني يعمل مشروع ويرد الفلوس.. والست الغلبانة اللي تستلف علشان تجوز بنتها وتعطل فتستلف من شركة تانية علشان تدفع، وتتهدد بالحبس والتشهير بيها”.

وتابع: “والابن اللي راح اشترى بالقسط تليفون مش محتاجه أصلاً، بس معاه رصيد يشتري بيه، فالأب باع أساسيات علشان يسدد مكانه”.

البرلمان والقضاء: ناقوس خطر

التحذيرات لم تقتصر على الخبراء الاقتصاديين والمصرفيين، بل امتدت إلى البرلمان والقضاء، مع تصاعد المخاوف من تحول الظاهرة إلى أزمة اجتماعية أوسع.

فمن جانبه، حذر محمد فؤاد، عضو مجلس النواب والخبير الاقتصادي، من التوسع غير المنضبط في التمويل الاستهلاكي، مؤكداً أن بعض المواطنين قد يقعون في دوامة ديون بسبب شراء سلع بالتقسيط دون دراسة لقدرتهم على السداد.

وأوضح أن معايير الجدارة الائتمانية ما زالت بحاجة إلى تشديد أكبر، مشيراً إلى أن نسب التعثر في القطاع تصل إلى نحو 3% وقد ترتفع إلى 4% في بعض الشركات.

وقال: “مينفعش نسيب المواطن لحد ما يتحبس علشان خلاط”.

وأشار إلى وجود حالات لمواطنين يقترضون لشراء الأكل والدواء، معتبراً ذلك “ناقوس خطر”، ومحذراً من تحول المواطن إلى “غارم” في نهاية المطاف.

بدوره، نشر المستشار أمير رمزي، رئيس محكمة الجنايات سابقا، بياناً تحذيرياً عبر صفحته الرسمية على “فيسبوك”، أكد فيه أن سهولة الحصول على الأموال عبر منصات التمويل السريع باتت “فخاً يلتهم البسطاء”.

وأوضح أن توقيع المواطنين على مستندات وإيصالات أمانة على بياض يمثل “الكارثة الأكبر”، مشيراً إلى أن غياب الوعي القانوني قد يحول ديناً أصلياً بقيمة 10 آلاف جنيه إلى دعاوى تطالب بمليون جنيه.

كما حذر من ظاهرة قيام الزوجات بضمان أزواجهن في تلك المعاملات، مؤكداً أن ذلك قد يقود الزوجين معاً إلى السجن وتدمير الأسرة بالكامل.

وطالب بتحرك رسمي عاجل لوضع حد لما وصفه بـ”الفوضى التمويلية”.

وفي السياق القانوني، قالت المحامية والخبيرة القانونية دينا المقدم إن ملف شركات التحصيل شهد “انحرافاً خطيراً”، تحول – بحسب وصفها – إلى “بلطجة منظمة”.

وأكدت أن الأصل القانوني لتحصيل الديون يبدأ بإنذار رسمي ثم التفاوض على جدولة المديونية، وفي حال الفشل يتم اللجوء للقضاء، مشيرة إلى أن ملاحقة العملاء والتشهير بهم والاتصال بذويهم وجيرانهم تمثل “جرائم مكتملة الأركان”.

وطالبت بوضع سقف واضح للفوائد والمصروفات، وتجريم أساليب التحصيل غير القانونية، وإنشاء مظلة حماية للمتعثرين لإعادة جدولة الديون ومعالجة الحالات الإنسانية.

محاولات لضبط السوق

ومع تزايد التحذيرات، بدأت الجهات التنظيمية اتخاذ خطوات لضبط السوق وتقليص المخاطر المرتبطة به.

فقد أصدر البنك المركزي المصري حزمة تعليمات تلزم البنوك بالتأكد من وجود “رقم تعريفي” لشركات التمويل لدى البنك المركزي وشركة الاستعلام الائتماني “آي سكور”، بما يتيح ظهورها كجهات مقرضة ضمن البيان الائتماني المجمع للعملاء.

كما ألزمت التعليمات شركات التمويل بالإفصاح الدوري عن بيانات العملاء وتحديثها بانتظام، مع إجراء تحريات مباشرة للتحقق من التزام الشركات بالإفصاح الائتماني.

ورغم تلك الإجراءات، يرى مراقبون أن المخاوف لا تزال قائمة مع استمرار التوسع السريع في السوق، وتزايد شكاوى بعض العملاء من أساليب التحصيل وتضخم المديونيات.

وفي توصيف يعكس البعد الاجتماعي للأزمة، قالت الإعلامية رانيا بدوي: “حين يصبح الاقتراض ضرورة للحياة، فاعلم أن المجتمع لم يعد يشتري احتياجاته، بل يشتري حقه في البقاء شهراً إضافياً”.

وأضافت: “في بلد تتآكل فيه القوة الشرائية يوماً بعد يوم، بات المواطن يقسط الثلاجة والتكييف والموبايل والسيارة، ثم يجد نفسه مطالباً بسداد كل هذه الأقساط بجانب الإيجار والفواتير ومصاريف الحياة الأساسية”.

وتابعت: “ومع تراكم الالتزامات، يدخل البعض دائرة أخطر، وهي الاقتراض لسداد قروض أقدم، فتتحول الديون إلى حلقة مغلقة لا تنتهي”.

وبين شهادات مواطنين يتحدثون عن تهديدات وتشهير، وتحذيرات خبراء اقتصاد وقضاة ورؤساء بنوك من انفجار فقاعة الديون، تتصاعد المخاوف من تحول التمويل الاستهلاكي من وسيلة لتسهيل الحياة إلى عبء اجتماعي واقتصادي يطارد ملايين المصريين.

أضف تعليقك
شارك