شهدت أوساط مزارعي بنجر السكر المتعاقدين مع شركة “النيل للسكر” المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس حالة من الغضب الواسع، على خلفية اتهامات للشركة بخفض أسعار استلام المحصول مقارنة بشركات أخرى، بالتزامن مع انتقادات وجهها “ساويرس” لسياسات التدخل الحكومي في تسعير البنجر.
يأتي ذلك وسط غياب رد رسمي واضح، ما أثار تساؤلات حول دور الجهات الحكومية في تحقيق التوازن بين حماية المزارعين ومراعاة مصالح المستثمرين.
غضب بين المزارعين
وتصاعدت حدة هذا الغضب عبر شكاوى وتصريحات متكررة من المزارعين، إذ قال المزارع عبدالله الشربيني: “يا عالم.. يا ناس.. يا مسؤولين في الدولة.. إحنا فلاحين مصر، اللي بنزرع وبنشقى عشان نأكل البلد، النهاردة بنعلنها صريحة: مش هنزرع بنجر تاني.”
وأوضح الشربيني أن المزارعين، بعد سنوات من العمل الشاق، فوجئوا بما وصفه بـ”جحود شركة النيل للسكر”، مشيرًا إلى أن حساب نسب السكر يتم بطرق اعتبرها غير عادلة، ما يؤدي إلى تقليل قيمة المحصول، إلى جانب إلغاء علاوة التبكير التي كانت تمثل عنصر دعم مهم، فضلًا عن غياب الثقة نتيجة وعود غير ملزمة وتعاقدات لا توفر حماية كافية للمزارعين.
ووجّه الشربيني رسالة مباشرة إلى نجيب ساويرس وإدارة الشركة، قائلاً: “الأرض لا تخون من يزرعها، لكن الشركة خانت الأمانة.. الفلوس اللي بتتحسب أرباح في ميزانياتكم هي عرق جبين الفلاح وأرزاق عياله.. إحنا مش مجرد أرقام في حساباتكم، إحنا أصحاب الأرض.
وطالب رئيس الجمهورية ووزير الزراعة بالتدخل، مؤكدًا أن الفلاح يمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي، قبل أن يعلن موقفًا جماعيًا برفض زراعة البنجر مجددًا أو التعاقد مع الشركة، داعيًا إلى المقاطعة.
وفي السياق ذاته، تكررت شكاوى المزارعين من فروق الأسعار بين الشركات، حيث قال المزارع حمادة خالد إن شركة النيل للسكر “تحاسب على 2000 جنيه للطن دون علاوة، بينما باقي المصانع تحاسب على 2600 جنيه”، مطالبًا الجهات الحكومية وجهاز حماية المستهلك ووزارة الزراعة بالتدخل لاسترداد حقوق المزارعين، وداعيًا إلى توحيد الموقف.
وتساءل المزارع إسماعيل القزاز: “حرام ده ولا حلال؟ 2079 جنيه مقابل 3011 في شركات أخرى”، مطالبًا بتقديم بلاغ للنائب العام للتحقيق في فروق الأسعار التي تصل إلى نحو 800 جنيه للطن، متسائلًا عن الجهات التي تحمي المواطنين.
وأشار المزارع الجمل الجمل إلى وجود فروق واضحة في أسعار التوريد بين الشركات، موضحًا أن بعض الشركات الأخرى تتجاوز أسعارها 3 آلاف جنيه للطن، في حين تحاسب شركة “النيل للسكر” بنحو ألفي جنيه فقط، متسائلًا عن دور القانون في حماية المزارعين.
وفيما يتعلق بآليات الحساب، أوضح المزارع محمد خالد أن اختلاف نسب الخصم بين الشركات يمثل عبئًا إضافيًا على المزارعين، حيث تصل الخصومات في بعض الحالات إلى أطنان كاملة، متسائلًا عن آليات الحساب، في ظل تحمل الفلاح تكاليف مرتفعة تشمل الإيجار والأسمدة والمبيدات والنقل، ما يضطره في بعض الأحيان إلى تغطية الخسائر من موارده الخاصة.
وأكد أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى خروج الفلاح من المنظومة، خاصة مع وصول إيجار الفدان إلى نحو 40 ألف جنيه دون تحقيق عائد يغطي التكاليف.
ظلم كبير
بدوره، وصف المزارع حمادة خليل ما يحدث بأنه “ظلم كبير”، مطالبًا الجهات المعنية بالرد، فيما اعتبر حسيني عمار أن شركة النيل للسكر “دبحت الفلاح” في ظل انخفاض الأسعار وغياب الحوافز، رغم تحقيق أرباح من المنتج النهائي، داعيًا إلى تدخل حكومي لتعديل الأسعار.
ووجّه المزارع سلامة فرج مناشدة إلى رئيس الوزراء ووزير الزراعة ومجلس النواب، مطالبًا بإعادة النظر في سياسات التسعير وعلاوات التبكير ونسب السكر.
وأكد سولم رضوان أن الشركة “تحاسب بأقل سعر في الجمهورية دون علاوات”، مطالبًا بتدخل حكومي، وداعيًا إلى موقف موحد بين المزارعين.
وفي السياق نفسه، قال المهندس سامح العايدي إن “نجيب، الذي ليس بنجيب، يريد أن يمص دم الفلاحين الذين يعملون بعرقهم”، مطالبًا وزير الزراعة ومجلس المحاصيل السكرية بتحديد سعر عادل يصل إلى 3000 جنيه للطن، مع تعويض الموردين بفروق الأسعار.
وأضاف: “إن شاء الله، في الموسم القادم لن يتعاقد معك أحد.. ازرع أنت وجرب”.
قرض دولي
وفي خضم هذه الأزمة، تُظهر بيانات الشركة حجم نشاطها وتوسعاتها في قطاع سكر البنجر.
وبحسب الموقع الإلكتروني لشركة “النيل للسكر”، فقد تأسست الشركة عام 2006 على يد عائلة ساويرس، وبدأ المصنع في منطقة النوبارية الإنتاج عام 2010 بطاقة تصل إلى 11 ألف طن يوميًا، قبل أن يرتفع الإنتاج لاحقًا إلى 192,800 طن، مع موسم تشغيل يمتد لنحو 150 يومًا سنويًا، وزراعة ما يقرب من 16 ألف فدان في مناطق الضبعة ووادي النطرون وفايد، كما تمت الموافقة في 22 أغسطس 2014 على قيد أسهم الشركة في البورصة
وفي 11 مارس 2026، أعلنت مؤسسة التمويل الدولية، الذراع التمويلية للبنك الدولي، اعتزامها تقديم قرض بقيمة 40 مليون دولار للشركة، يُسدد على مدار 7 سنوات، بينها 3 سنوات فترة سماح، وذلك بهدف تطوير 13.71 فدان من الأراضي الزراعية في محافظة المنيا، بما يشمل تحديث البنية التحتية والمعدات.
رد ساويرس
في المقابل، قدّم رجل الأعمال نجيب ساويرس رؤية مغايرة للأزمة، حيث دعا الحكومة إلى التوقف عن تحديد سعر استرشادي لبنجر السكر، مطالبًا بترك السوق لآليات العرض والطلب.
واعتبر “ساويرس” أن تدخل الدولة، خاصة في ظل رفع أسعار الشراء تحت ضغط البرلمان مع خفض أسعار البيع، أدى إلى خسائر لدى المصانع.
وأوضح أن هذه السياسات دفعت بعض الشركات إلى تقليل الاعتماد على البنجر المحلي، والتوجه نحو استيراد السكر الخام باعتباره أقل تكلفة، مشيرًا إلى أن التدخلات الحكومية أدت إلى ما وصفه بـ”معادلات اقتصادية خاطئة” أثرت على الإنتاج المحلي.
رد الفلاحين
وأثارت هذه التصريحات ردود فعل واسعة بين المزارعين وممثليهم، خاصة في ظل غياب رد رسمي من وزارة الزراعة أو مجلس النواب، وهو ما زاد من حالة الاستياء، حيث اعتبر بعضهم هذا الصمت دعمًا غير مباشر للشركات.
في المقابل، علّق حسين عبدالرحمن أبوصدام، نقيب عام الفلاحين، مؤكدًا أن الدولة تعتمد في تحديد أسعار المحاصيل على دراسات تأخذ في الاعتبار تكاليف الإنتاج وهامش الربح، وليس وفق اعتبارات فردية.
وانتقد أبوصدام تصريحات ساويرس، واصفًا إياها بأنها “مخالفة للقانون والدستور”، محذرًا من تأثيرها على استقرار القطاع الزراعي، ومطالبًا باتخاذ إجراءات لحماية المزارعين ومنع تصاعد التوتر.
تراجع الإنتاج
وعلى مستوى المؤشرات العامة للقطاع، بدأت تداعيات الأزمة تنعكس على الإنتاج، حيث أشار الدكتور مصطفى عبدالجواد، رئيس مجلس المحاصيل السكرية، إلى أن تدني أسعار التوريد والموقف الحكومي أسهما في تراجع المساحات المزروعة من البنجر من 750 ألف فدان إلى 670 ألف فدان، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج من 17 مليون طن إلى 14 مليون طن، بنسبة تراجع تُقدّر بنحو 18 % .
وتوقع “عبدالجواد” انخفاض إنتاج السكر من البنجر إلى 1.8 مليون طن خلال الموسم الحالي، مقارنة بـ2.2 مليون طن في الموسم السابق.
وأوضح رئيس مجلس المحاصيل السكرية أن قطاع سكر البنجر في مصر يضم 9 شركات، منها 5 شركات حكومية و4 شركات خاصة، من بينها شركة “النيل للسكر”، ما يعكس حجم التأثير المحتمل للأزمة الحالية على مستقبل المحصول والإنتاج المحلي.