أزمة الفكة تشعل الغضب.. هل تُستخدم ذريعة لرفع تذاكر المترو وتضرر 2 مليون راكب؟

عند شباك تذاكر المترو، لا يبدأ الخلاف بين الراكب والموظف بسبب الزحام، بل بسبب جنيهين فكة.

تفصيلة تبدو بسيطة، لكنها تحولت إلى أزمة يومية تتكرر آلاف المرات، ومعها طُرح سؤال أخطر وهو هل يمكن حل نقص العملة الصغيرة برفع سعر تذكرة المترو؟ سؤال فجر حالة من الجدل والغضب، خاصة أن مترو الأنفاق ينقل يومياً نحو مليوني مواطن يعتمدون عليه كوسيلة انتقال أساسية.

تصريحات رسمية تشعل الجدل

الجدل بدأ عقب تصريحات للدكتور طارق جويلي، رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للأنفاق التابعة لوزارة النقل، خلال حواره مع الإعلامي أحمد موسى في برنامج “على مسئوليتي” المذاع على قناة “صدى البلد”، حيث تحدث عن أزمة يومية تواجهها الهيئة بسبب نقص “الفكة”، لا سيما مع تذكرة فئة 8 جنيهات التي يستخدمها قطاع واسع من الركاب.

وأوضح جويلي أن الهيئة تحتاج يومياً إلى نحو 300 ألف جنيه “فكة” لتوزيعها على الخطين الأول والثاني، الأمر الذي يتسبب – بحسب قوله – في مشكلات متكررة مع الركاب عند طلب الباقي.

وخلال الحوار، طرح الإعلامي أحمد موسى سؤالاً مباشراً: “هل تتم زيادة أسعار تذاكر فئة 8 جنيهات في 2026؟”. ليأتي رد رئيس الهيئة: “أه.. نتمنى”.

وبرر جويلي أزمة الفكة بأن المشكلة تعود إلى مصلحة سك العملة، التي – بحسب قوله – تم مخاطبتها، وكان ردها عدم وجود استيراد للخامة، ما دفعه لطرح فكرة زيادة جنيهين على التذكرة لتصل إلى 10 جنيهات كحل للأزمة.

موارد المترو وخسائره

وتحدث رئيس الهيئة القومية للأنفاق عن مصادر تمويل المترو، مشيراً إلى أن الاستغلال التجاري لمحطات المترو وأعمدة المونوريل من خلال الإعلانات، إلى جانب استغلال الأراضي وأسعار التذاكر، يمثل موارد أساسية تدخل في الموازنة العامة، مؤكداً أن زيادات أسعار التذاكر كانت – من وجهة نظره –  ضرورية لمواجهة الخسائر الكبيرة.

وكشف جويلي أن الخسائر الحالية للهيئة تبلغ نحو 69 مليون جنيه، موضحاً أن عام 2026 من المتوقع أن يشهد فائضاً مالياً.

وأضاف أن خسائر الهيئة بلغت ملياراً و380 مليون جنيه خلال عامي 2021 و2022، وارتفعت في 2023 إلى مليار و890 مليون جنيه، قبل أن تنخفض في 2024 إلى 350 مليون جنيه.

إلا أن رئيس الهيئة عاد وتراجع لاحقاً عن تمنيه زيادة أسعار التذاكر، موضحًا أن ما أُثير جاء نتيجة سوء فهم لتصريح غير رسمي، وأنه لا يوجد قرار صادر عن الهيئة بهذا الشأن.

المترو ينقل 2 مليون راكب يومياً

وفي سياق متصل، أوضح رئيس الهيئة القومية للأنفاق أن مترو الأنفاق ينقل نحو 2 مليون راكب يومياً، حيث ينقل الخط الأول الممتد من (المرج – حلوان) حوالي 1.1 مليون راكب، بينما يتم نقل باقي الركاب عبر الخط الثاني من (شبرا الخيمة – المنيب)، والخط الثالث الذي يربط محطة عدلي منصور شرق القاهرة بمحور روض الفرج في إمبابة وجامعة القاهرة مروراً بوسط البلد والزمالك، إضافة إلى القطار الكهربائي الخفيف الذي يبدأ من محطة عدلي منصور وصولاً إلى العاصمة الإدارية الجديدة.

تسلسل زمني لزيادات الأسعار

وشهدت أسعار تذاكر مترو الأنفاق زيادات متتالية منذ تشغيله؛ ففي عام 1987 بلغ سعر التذكرة 10 قروش، ثم ارتفع في عام 1989 إلى 15 قرشاً للتذكرة حتى 15- 18 محطة، و25 قرشاً لأكثر من 18 محطة.

وفي عام 2002 ارتفع السعر إلى نصف جنيه ثم 75 قرشاً، قبل أن يصل إلى جنيه واحد عام 2006.

وفي عام 2017 ارتفع سعر التذكرة إلى جنيهين، ثم شهد عام 2018 تقسيم التذاكر إلى ثلاث شرائح وهي 3 جنيهات حتى 9 محطات، و5 جنيهات حتى 16 محطة، و7 جنيهات لجميع المحطات.

وفي عام 2020 جرى تعديل الأسعار لتصبح 5 جنيهات حتى 9 محطات، و7 جنيهات حتى 16 محطة، و10 جنيهات حتى 40 محطة.

وخلال عام 2024، تمت زيادة أسعار التذاكر مرتين؛ الأولى في يناير، حيث أصبح سعر التذكرة للمنطقة الواحدة (9 محطات) 6 جنيهات، والمنطقتين (16 محطة) 8 جنيهات، والثلاث مناطق (23 محطة) 12 جنيهًا، وأربع مناطق وأكثر من 23 محطة 15 جنيهًا.

أما الزيادة الثانية فجاءت في أغسطس 2024، لترتفع الأسعار إلى 8 جنيهات للمنطقة الواحدة، و10 جنيهات لمنطقتين، و15 جنيهًا لثلاث مناطق، و20 جنيهاً لأربع مناطق وأكثر.

رفض شعبي لأي زيادات جديدة

قوبلت تصريحات رئيس الهيئة القومية للأنفاق برفض واسع من المواطنين. يقول أحمد ربيع، موظف حكومي في الأربعين من عمره، ويقيم بمنطقة غمرة ويعمل في السيدة زينب: “حل أزمة الفكة لا يكون برفع سعر التذكرة، وعلى الحكومة البحث عن حلول أخرى”.

وأوضح ربيع أن أي زيادة جديدة ستكلفه 8 جنيهات يومياً، نظراً لشرائه أربع تذاكر يومياً له ولزوجته ذهاباً وإياباً.

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، كتب وائل عباس: “توفير الفكة مسؤولية الدولة مش مسؤولية الركاب.. قال نغلي تذكرة المترو علشان مافيش فكة!”.

كما تساءل الكاتب الصحفي محمد علي خير:”هل حل أزمة الفكة يكون بزيادة سعر التذكرة 25% دفعة واحدة؟ وإذا ظهرت أزمة فكة جديدة بعد ذلك، هل سنرفع السعر مرة أخرى؟”.

وانتقد الكاتب الصحفي مجدي أبوزيد هذا المنطق، معتبراً أنه يفتح الباب لتحويل أزمة بسيطة إلى سلوك عام، قائلاً: “هذا ليس تضخماً ولا ظرفاً طارئاً، بل استنزاف يومي لدخول المواطنين”.

مقترحات بديلة

واقترحت المواطنة عفاف علي حلاً بديلاً يتمثل في إعطاء الراكب تذكرة إضافية بقيمة جنيهين بدلاً من الباقي، مع إمكانية استبدالها لاحقاً.

بينما رأت المواطنة سارة سيف أن الأزمة تكشف فشلاً في إدارة ملف العملة الصغيرة.

من جانبه، قال الدكتور محمد محمود، أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق لكلية النقل الدولي واللوجستيات، إن رفع سعر تذكرة المترو سيؤدي بالضرورة إلى رفع أسعار باقي وسائل النقل، مؤكداً أن الزيادة المقترحة تمثل نحو 25%، وهو ما سيطلق موجة تضخم جديدة.

واقترح حلولاً بديلة مثل تعميم الاشتراكات أو إصدار تذكرة ذهاب وعودة بسعر مخفض. كما طرح الخبير الاقتصادي كريم العمدة إعادة هيكلة الشرائح السعرية أو تعميم الكارت الذكي.

وتساءل الخبير الاقتصادي مصطفى عادل عن غياب التنسيق مع البنوك أو استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، معتبراً أن اقتراح رفع التذكرة بسبب “فكة جنيهين” يعكس خللاً إدارياً أكثر منه أزمة حقيقية.

هذا وتكشف أزمة الفكة عن غياب التنسيق بين الجهات المعنية، وسهولة اللجوء إلى الحلول السريعة بدلاً من الإصلاح المؤسسي، وتحميل المواطن أعباء جديدة.

أضف تعليقك
شارك