بدأت أصوات أصحاب المعاشات تعلو يوماً بعد يوم، يروون صعوبة الحياة بعد التقاعد في ظل دخل محدود وتضخم متصاعد يلتهم أي زيادة سنوية، بالتوازي مع ارتفاع أسعار الدواء والسكن والخدمات الأساسية.
ومع إلغاء قانون الإيجار القديم، دخل السكن بقوة إلى قلب الأزمة، بعدما بات يشكل عبئاً مالياً مباشراً على كبار السن والأرامل والمطلقات، في وقت لم تعد فيه المعاشات قادرة على توفير الحد الأدنى من الأمان المعيشي.
شهادات المتقاعدين
على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً مجموعات أصحاب المعاشات على فيسبوك، بدأت هذه الأصوات تتجمع، ويتبادل المتقاعدون تجاربهم اليومية وما يواجهونه من ضغوط متراكمة.
يقول أحد المتقاعدين على مجموعات أصحاب المعاشات في فيسبوك، بغضب واضح، إن جوهر الأزمة لا يتعلق بنسبة الزيادة السنوية، بل بمصير أموال المعاشات نفسها.
ويصف ضم أموال التأمينات إلى الموازنة العامة بأنه “كارثة”، معتبراً أن هذه الخطوة حرمت أصحاب المعاشات من أي مرونة في صرف مستحقاتهم أو الاستفادة من عوائد استثمارها.
ويضيف: “لم نعد قادرين حتى على الحصول على شهر زيادة في رمضان أو الأعياد، بينما تتصاعد تكاليف المعيشة بشكل جنوني. في الوقت الذي تتحدث فيه الجهات الرسمية عن أن الأسرة تحتاج ما لا يقل عن 10 آلاف جنيه للعيش بكرامة، يطالب أصحاب المعاشات بحد أدنى 7000 جنيه كحد نجاة لا رفاهية”.
ويوجّه حديثه مباشرة إلى النواب قائلاً: «اللي قعدكم على الكراسي دول أصحاب المعاشات… 12 أو 13 مليون، ومع أسرهم بنتكلم عن 30 مليون بني آدم”.
“العلاج رحلة إذلال”
في شهادة أخرى، يصف متقاعد تجربته مع العلاج بأنها “رحلة إذلال”. يقول إنه لا يملك ثمن الدواء، ولا يستطيع تحمّل كلفة التنقل بين مستشفيات التأمين الصحي، متنقلاً بين أكثر من جهة دون نتيجة واضحة.
ويضيف: “كل مرة أذهب إلى مستشفى يطلبون تحويلاً أو إجراءً جديداً، وأعود دون علاج”، مشيراً إلى أن المعاش لم يعد مصدر أمان كما كان يُفترض، بل عبئاً يمنعه حتى من تلقي الرعاية الصحية، في ظل الارتفاع المستمر لأسعار الأدوية وتآكل أي زيادة قبل أن تصل إلى يده.
الإيجار القديم
في مقطع فيديو متداول، يحذر صوت ثالث من أصحاب المعاشات من الأسابيع المقبلة، مؤكداً أن تطبيق زيادات الإيجارات بعد إلغاء الإيجار القديم يضع آلاف المتقاعدين في مواجهة مباشرة مع خطر فقدان السكن.
ويقول إن معاشات تتراوح بين 3000 و4000 جنيه لم تعد قادرة على استيعاب إيجارات مرشحة للقفز إلى 2000 جنيه وأكثر.
ويشير المتحدث إلى أن المتضررين، خصوصاً الأرامل والمطلقات وكبار السن، لا يملكون بدائل حقيقية، مذكراً بوعود رئاسية سابقة بعدم ترك المتضررين دون حل، لكنه يشكك في فاعلية “المنصات” المخصصة لاستقبال الطلبات، معتبراً أنها مسار طويل لا يملك المتقاعد رفاهية انتظاره لعامين أو ثلاثة.
الأرقام والخبراء
تضع آراء الخبراء هذه الشهادات في سياق اقتصادي أوسع، إذ ترى عالية المهدي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أن المشكلة الأساسية تكمن في سقف زيادة المعاشات، مؤكدة أن ربط الزيادة بنسبة 15% لا يتناسب مع واقع تضخم تجاوز 35% خلال عامي 2023 و2024، ما يعني تآكل القوة الشرائية للمعاشات حتى بعد تطبيق الزيادة.
وتشير إلى أن دخل المتقاعد ينخفض تلقائياً بعد الخروج على المعاش بنسبة تتراوح بين 40% و55%، قبل أن تضربه موجات الغلاء وانخفاض قيمة العملة.
من جانبها، تقول منى بدير، محلل الاقتصاد الكلي، إن الحكومة لا تستطيع رفع المعاشات بما يوازي التضخم بسبب قيود الموازنة وارتفاع العجز، لكنها ترى أن المتقاعدين قد يشعرون بتحسن نسبي إذا تباطأت وتيرة التضخم مستقبلاً.
أما الخبير الاقتصادي محمد فؤاد، فيؤكد أن 98% من المواطنين يستحيل عليهم الحفاظ على مستوياتهم الاجتماعية اعتماداً على دخل محلي فقط، معتبراً أن زيادات المعاشات لا تواكب تضخماً يقترب من 30%.
الجذور التاريخية للأزمة
يربط رضا عبدالسلام، أستاذ القانون ومحافظ الشرقية الأسبق، معاناة أصحاب المعاشات بمسار طويل من القرارات الاقتصادية، وعلى رأسها إدارة أموال التأمينات الاجتماعية.
ويوضح أن ضم أموال المعاشات إلى الموازنة العامة بدأ خلال فترة تولي يوسف بطرس غالي وزارة المالية (2004–2011)، حين استخدمت هذه الأموال في سد فجوات الموازنة مقابل سندات حكومية، بدل إدارتها عبر صندوق تقاعد مستقل.
ويرى عبدالسلام أن هذا المسار حرم المتقاعدين من عوائد حقيقية كان يمكن أن تشكل صمام أمان في فترات التعويم ورفع الدعم، مشيراً إلى أن غياب نموذج استثماري مستقل لأموال التأمينات يظل أحد الأسباب الهيكلية للأزمة الحالية، إلى جانب سياسات اقتصادية شهدتها فترات لاحقة قلّصت الدور الاجتماعي للدولة.
مقترحات وانتقادات
في تحرك برلماني، أعلن النائب السيد شمس الدين، عضو مجلس النواب، تقدمه بحزمة مقترحات “غير تقليدية” لدعم أصحاب المعاشات، تشمل إنشاء صندوق استثماري للمعاشات، وبطاقات تموينية مخفّضة، وتأميناً صحياً شاملاً مجانياً، وربط الزيادة السنوية بمعدل التضخم، إلى جانب إعفاءات ضريبية وبرامج للاستفادة من خبرات المتقاعدين.
وفي السياق نفسه، أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية دراسة بعنوان “حقوق أصحاب المعاشات في مواجهة الأزمة الاقتصادية”، خلصت إلى أن زيادات المعاشات، رغم أهميتها، لا تعوض أثر التضخم الذي بلغ 31.8% في أبريل 2024. وانتقدت الدراسة قانون التأمينات الاجتماعية رقم 148 لسنة 2019، معتبرة أن وضع سقف 15% للزيادة يُفرغ الحماية من مضمونها في اقتصاد يشهد موجات غلاء متكررة.
الرواية الرسمية
تؤكد الحكومة، عبر الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، التزامها بتحسين أوضاع أصحاب المعاشات ضمن برامج الحماية الاجتماعية. وتشير بيانات رسمية إلى إقرار زيادة سنوية بنسبة 15% اعتبارًا من يوليو 2025، يستفيد منها نحو 11.5 مليون من أصحاب المعاشات والمستحقين، بتكلفة إجمالية تُقدَّر بنحو 70 مليار جنيه سنويًا.
وصرح جمال عوض، رئيس الهيئة، بأن الدولة أقرت أيضًا تعديلات جديدة تدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من يناير 2026، تشمل رفع الحدين الأدنى والأقصى للمعاشات وتعديل حدود أجر الاشتراك التأميني، في إطار ما وصفه باستكمال مسار إصلاح منظومة التأمينات الاجتماعية وضمان استدامتها المالية.
غير أن هذه الرواية الرسمية، بحسب خبراء وممثلين عن أصحاب المعاشات، تركز على استدامة المنظومة المالية أكثر مما تعكس أثر هذه الزيادات على الحياة اليومية للمتقاعدين، خاصة في ظل معدلات تضخم مرتفعة وتغيرات تشريعية، مثل إلغاء الإيجار القديم، تفرض أعباء إضافية لا تأخذها الأرقام المعلنة في الحسبان بشكل مباشر.
ما يجري اليوم يتجاوز النقاش حول نسبة زيادة سنوية، فالمعاش الذي لا يحمي صاحبه من المرض أو فقدان السكن يظل رقمًا بلا أثر، بين زيادات معلنة وواقع معيشي ضاغط.