تخرج العشرينية أم أحمد، يوميًا مع أذان الفجر، متجهة إلى العمل في الأراضي الزراعية بصحراء المنيا، تاركة أطفالها خلفها، لتقضي أربع ساعات في العمل الشاق، تضاف إليها ساعات التنقل بالتروسيكل أو السيارة.
وتستعرض أم أحمد حجم الضغوط التي تواجهها يوميًا، قائلة: «نبقى شغالين، نجي نقعد شوية عشان نرتاح، يقول لك لا قومي اشتغلي وانتي ميلة.. لو ما اشتغلتش وأنتي ميلة لتطلع بره وما لكش أجرة».
وفي مقطع فيديو نشرته عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تروي أم أحمد جانبًا آخر من معاناتها في العمل، قائلة: «بيتم التحرش بينا علني، وحرام اللي احنا فيه ده.. إحنا عايزين إحنا بني آدمين خلينا ربنا زي أي حد».
وتتابع: «بنطلع نشتغل في شغل الفلاحة وطبعاً تعبانين، والله العظيم على قد ما تقولوا قولوا».
وأمام هذه الظروف، تطالب أم أحمد بتوفير فرصة عمل تجمع النساء بعيدًا عن الرجال، قائلة: «يا ريت كنت تقفوا معانا وتعملولنا أي مشروع يتلم فيه الستات بس، مش عايزين رجالة تبقى معانا».
ومن صحراء المنيا، تروي نجاة جودة، ذات الـ42 عامًا، عبر مقطع فيديو على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، معاناتها اليومية في العمل بالأراضي الزراعية، في ظل عجز زوجها وغياب أي مصدر دخل ثابت للأسرة.
وتتحمل نجاة مسؤولية إعالة أبنائها الستة، وتسعى إلى الحصول على معاش يساعدها في توفير احتياجاتهم الأساسية، موضحة: «وأنا نفسي إن يبقى عندي قبض معاش أوكل عيالي وأصرف على عيالي، أنا معايا ست عيال؛ جوزي اتنين ومعايا الأربعة الصغار».
وتزداد معاناة أسرة نجاة مع ارتفاع الأسعار وتراكم الديون، خاصة مع وجود ابنتين في المدارس، إذ تقول: «الدنيا غلاء ومعايا بنتين في مدارس، مش لاقية يعني إن أنا أوكلهم، وسحبت قرض، مش قادرة إن أنا أسد القرض اللي عليا ولا قادرة أعمل حاجة».
ولا تتوقف معاناتها عند ضيق الحال، إذ تضطر إلى مواصلة العمل رغم إصابتها التي استدعت تركيب خمس مسامير وشريحة، وما تعانيه من آلام في ساقيها.
ثمن اليومية
أم أحمد ونجاة ليستا وحدهما في رحلة البحث عن يومية، فمعاناة العاملات تبدأ قبل الوصول إلى الأرض، وتمتد إلى الأجر الذي يحصلن عليه مقابل ساعات العمل ومجهود بدني شاق.
ومن بين هؤلاء أم ياسين، التي تبلغ من العمر 30 عامًا، وأم لطفلين، من قرية «طحا العمودين» الواقعة شمال مدينة المنيا. وتتذكر أم ياسين عملها في أحد الأيام بمحصول الطماطم، واصفةً العمل فيه بأنه يشبه الكابوس، إذ يتطلب قوة بدنية لا تملكها، بينما لا يتجاوز المقابل الذي تحصل عليه خمسة جنيهات عن كل قفص طماطم.
وتروي أم ياسين جانبًا من هذه المعاناة، قائلة: «كنت بشتغل في الطماطم وأنا حامل ومن كتر التعب مقدرتش أرفع الأقفاص من الأرض عشان أرفعهم على العربية.. في اليوم ده مخدتش أجرة عشان المقاولة قالتلي تعالي بكرة وكملي باقي الشغل عشان تاخدي أجرتك».
وفي نهاية اليوم الثاني، حصلت أم ياسين على أجر قدره 100 جنيه مقسومة على يومين، مقابل 20 قفص طماطم.
وتصطحب أم ياسين ابنها إلى العمل، تاركة ابنتها الصغرى مع إحدى الجارات لرعايتها، إلى أن صدمت سيارة طفلتها وتوفيت خلال وجود أمها في العمل في أحد الأيام.
وتقول أم ياسين: «دفناها بالليل وفي الفجر طلعت الصحراوي عشان الولد محتاج يعمل تحاليل.. ده أنا ملحقتش حتى أحزن عليها».
ولا تقتصر معاناة العاملات في ظروف العمل القاسية ولكنها تمتد للأجور الضئيلة، إذ تروي حنين السيد، في مقطع فيديو عبر «فيسبوك»، أنها تتقاضى ما بين 150 و170 جنيهًا مقابل العمل لمدة أربع ساعات، وهو أجر لا يكفي احتياجات الأسرة، ما يضطر الزوج إلى الاقتراض لتغطية المصروفات.
وفي 10 سبتمبر 2025، أصدرت المنظمة المصرية للحقوق الشخصية بيانًا موقعًا من 12 منظمة، بشأن الحادث الذي تعرضت له مجموعة من العاملات الزراعيات.
وقالت المنظمة في البيان: «لقد كانت آيات، مع أختها آية و20 فتاة أخرى تتراوح أعمارهن بين 14 و21 عامًا، في طريقهن للعمل في إحدى الصناعات المرتبطة بتصدير العنب بمدينة السادات، مقابل أجر يومي لا يتجاوز 130 جنيهًا».
وتابعت: «كنّ يسلكن هذا الطريق يوميًا في وسيلة نقل غير آمنة، كما هو حال آلاف العاملات الزراعيات في مصر».
وأكدت المنظمة: «لم يكن هذا الحادث هو الأول، لكنه واحد من أكثرها مأساوية، وقد فارقت آيات الحياة بعد معاناة مع الإصابة التي لحقت بها، لتنضم إلى قافلة من الضحايا اللاتي دفعن حياتهن ثمنًا لصمت الدولة وتجاهلها لحقوق وأمان العاملات الزراعيات».
رحلة الخطر
وتوضح الدكتورة حنان الحلبي الراجحي، رئيسة مجلس إدارة اتحاد المرأة للتنمية، المخاطر والتحديات التي تواجه العاملات الزراعيات في المناطق الصحراوية، حيث تضطر العاملات إلى قطع مسافة تبلغ نحو 30 كيلومترًا للحصول على يومية لا تتجاوز 150 جنيهًا.
وتعدد الحلبي المخاطر التي تتعرض لها العاملات، وعلى رأسها العنف والتحرش الجنسي وعدم توفير وسائل نقل آمنة، مطالبة بضرورة توفير الحماية الاجتماعية، وعلى رأسها التأمين الاجتماعي، بما يضمن لهن حقوقهن ويوفر لهن مزيدًا من الأمان والاستقرار.
ملايين العاملات
وبحسب البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مايو 2026، بلغ عدد المشتغلين في القطاع الزراعي 5.978 مليون مشتغل، منهم 4.380 مليون ذكر و1.598 مليون أنثى، بنسبة 18% من إجمالي المشتغلين، ليحتل القطاع المركز الأول ضمن الأنشطة الاقتصادية.
إلا أن عدد العاملات الزراعيات يتجاوز ما ذكره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إذ تشير دراسة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة حول النوع الاجتماعي والمياه والزراعة في مصر إلى أن أكثر من 50% من النساء الريفيات يشاركن بصورة غير رسمية في الأنشطة الزراعية، بما يشمل التسميد والري وإزالة الحشائش والحصاد وما بعد الحصاد ورعاية الحيوانات والتعبئة والتخزين والتسويق.
حماية غائبة
واعتبرت مؤسسة المرأة الجديدة أوضاع العاملات الزراعيات نموذجًا مركبًا لانعدام العدالة الاجتماعية والمناخية، مسلطة الضوء على افتقارهن إلى معدات الحماية، وعملهن دون ملابس واقية، فضلًا عن محدودية التدريب والوصول إلى المعلومات المتعلقة بالاستخدام الآمن للمبيدات.
وأوصت المؤسسة، في تقريرها «أرواح في الهامش.. ظروف عمل غير لائقة للعاملات في الزراعة»، بإدماج العاملات الزراعيات ضمن الاستراتيجية الوطنية للسلامة والصحة المهنية، التي أعلنت وزارة العمل مؤخرًا قرب الانتهاء من إعدادها، باعتبارهن فئة معرضة للمخاطر المناخية.
ومن جهتها، قالت الباحثة في برنامج النساء والعمل والحقوق الاقتصادية بمؤسسة المرأة الجديدة، أميمة عماد، إن العاملات الزراعيات يمثلن 42% من قطاع الزراعة، الذي يشكل نحو 20% من العاملين على مستوى الجمهورية، مضيفة: «لكنهن يعملن دون حماية قانونية أو صحية، ويتعرضن لمخاطر بيئية ومهنية في ظل التغيّرات المناخية»
وأضافت أن التقرير ركز على أبرز أشكال معاناتهن، وهي وسائل النقل والمبيدات والإجهاد الحراري.
وترى أميمة عماد أن الإصابات المهنية من أكثر أشكال الانتهاكات التي تتعرض لها العاملات الزراعيات، قائلة: «يجب التشديد والرقابة على إجراء الكشف الدوري للعاملات لحمايتهن من آثار المبيدات الزراعية التي تؤثر على صحتهن بشكل مباشر».
وأكد التقرير أن تعرض العاملات الزراعيات المستمر للمبيدات يؤدي إلى إصابتهن بسرطان الثدي والإجهاض والولادات المبكرة، كما أشار إلى افتقارهن إلى معدات الحماية بسبب التكلفة أو عدم الوعي
وتقول أميمة عماد: «صحيح قانون العمل الجديد لم يستثنِ العاملات الزراعيات من الحماية كما كان في القانون القديم، خطوة جيدة لكنها غير كافية».
وتفسر الباحثة ذلك بقولها: «القانون لم يوضح إزاي العاملة الزراعية هتستفيد من أشكال الحماية المختلفة؛ كيف ستحصل على إجازة وضع وهل ستخصص لأبنائها دور حضانة»، مشيرة إلى أن «العاملات الزراعيات يندرجن تحت شكل العمالة الموسمية غير المنتظمة ولا يعملن بعقود».
وتؤكد أن من أبرز المطالب العاجلة التي يجب أن تتضمنها استراتيجية السلامة المهنية: «توفير وسائل نقل آدمية ومناسبة للعاملات الزراعيات، وتطبيق عقوبة صارمة على أصحاب الأعمال المخالفين»
ويوضح التقرير: «قانون العمل لا يلزم أصحاب الأراضي أو الجمعيات الزراعية بتوفير وسائل نقل آمنة للعاملات، ما يعكس إهمالًا ممنهجًا لكرامتهن».
مطالب حقوقية
وطالبت المنظمة المصرية للحقوق الشخصية المجلس القومي للمرأة بالقيام بدوره القانوني من خلال الضغط من أجل أن تتضمن القرارات التنفيذية لقانون العمل الموحد ضمانات حقيقية لحقوق النساء في العمل الزراعي والموسمي.
كما طالبت المنظمة وزارة العمل بتحمل مسؤولياتها القانونية، عبر إصدار قرارات تنفيذية واضحة تضمن شمول العاملات الزراعيات بالحماية القانونية، من خلال أجهزة تفتيش فعالة تتابع ظروف العمل وسلامة بيئته وأشكال النقل المستخدمة.
وأكدت المنظمة أهمية قيام وزارة العمل والمجلس القومي للأجور بتطبيق الحد الأدنى للأجور على العاملين في المجال الزراعي، وإلزام أصحاب العمل بتطبيق الحد الأدنى للأجور كما أقره المجلس القومي للأجور، والبالغ 28 جنيهًا صافيًا للساعة، إلى جانب كافة الحقوق القانونية للعاملين والعاملات في الزراعة باليومية.
تحركات نيابية
وقال المهندس إيهاب منصور، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي، إن قانون التأمينات تضمن 10 بنود عن العمالة غير المنتظمة، بينما اكتفى قانون العمل بأربع كلمات، وهي «الباعة الجائلين وموزعي الصحف وغيرهم».
وأوضح منصور أنه حاول خلال مناقشة قانون العمل ضبط هذه المادة وتغيير كلمة «غيرهم»، إلا أن رأي الموافقين مع الحكومة هو الذي مرر القانون.
وأكد أن تكرار حوادث سيارات نقل هذه العمالة يحتاج إلى رقابة حقيقية وإعادة نظر في الموضوع كاملًا.
ومن جانبها، طالبت النائبة نيفين فارس، عضو مجلس الشيوخ عن حزب العدل، بضرورة فرض رقابة على الجمعيات الزراعية لمعرفة من هن السيدات اللاتي يتولين جمع العاملات، وكيفية التعامل معهن.