ليس السؤال لماذا يتعلم الطالب المصري الفرنسية أو الألمانية أو اليابانية، وإنما لماذا تبدو الدولة قادرة على أن تضع لكل لغة جديدة مشروعًا، وشراكة، ومنهجًا، وتدريبًا، بينما يُفترض أن اللغة العربية بخير لمجرد أنها اللغة الأم.
وتقول وزارة التربية والتعليم إن التوسع في اللغات الأجنبية جزء من تطوير التعليم وفتح آفاق جديدة أمام الطلاب، لكن هذا التوسع يفتح في المقابل سؤالًا أكثر إزعاجًا: أين المشروع الموازي الذي يضمن أن الطالب المصري يتقن لغته الأولى، قراءة وكتابة وتعبيرًا وفهمًا؟
لغات أولًا
وافق مجلس الوزراء في أغسطس 2026 على تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع التعاون مع الوكالة الفرنسية للتنمية لدعم تدريس الفرنسية كلغة أجنبية ثانية في المدارس الحكومية، بمنحة تبلغ مليوني يورو، في مشروع يستهدف تحديث أساليب التدريس واستدامة البرنامج.
وتستهدف المرحلة الثانية من المشروع تدريب نحو 8 آلاف معلم وتطوير موارد تعليمية حديثة حتى عام 2028، بعدما استفادت المرحلة الأولى من أكثر من ألف مدرسة ونحو 4 آلاف معلم، بحسب الوكالة الفرنسية للتنمية.
وفي اليابانية، أعلنت وزارة التربية والتعليم توقيع اتفاقية مع مؤسسة اليابان لبدء تدريس اللغة اليابانية كلغة ثانية في 10 مدارس مصرية يابانية اعتبارًا من العام الدراسي 2026/2027، مع إعداد منهج خاص يجمع بين المهارات اللغوية والمحتوى الثقافي الياباني.
ولم تكتفِ الوزارة بإضافة اللغة اليابانية، إذ أعلنت في نهاية 2025 افتتاح 10 مدارس مصرية يابانية جديدة، لترتفع أعدادها من 69 إلى 79 مدرسة، بينما قال وزير التربية والتعليم إن التوجيهات تستهدف التوسع بهذا النموذج إلى نحو 500 مدرسة خلال خمس سنوات.
وفي الألمانية، وقعت الوزارة في أغسطس 2026 بروتوكولًا مع معهد «جوته» ودار «هوبر» للنشر لإتاحة كتاب «Dabei» بالمستويين A1.1 وA1.2، إلى جانب محتوى رقمي مصاحب، لاستخدامه في البكالوريا المصرية بدءًا من العام الدراسي 2026/2027، قبل أن تبدأ الوزارة أيضًا تدريب معلمي الألمانية على استخدام الكتاب.
وتشير وزارة التربية والتعليم كذلك إلى أن منظومة المدارس المصرية اليابانية تستخدم المنهج المصري «2.0»، فيما تُدرّس المواد باللغة الإنجليزية، وتُدرّس لغة ثانية هي الفرنسية وفق قواعد القبول المنشورة للعام الدراسي 2026/2027، بما يعكس تداخل أكثر من لغة أجنبية داخل النموذج التعليمي نفسه.
أين اللغة العربية؟
هنا يدخل الدكتور حازم راشد، مدير مركز تطوير المناهج بوزارة التربية والتعليم والتعليم الفني سابقًا، ليضع إصبعه على جانب آخر من الأزمة؛ إذ يرى أن اعتماد تدريس مواد مثل العلوم والرياضيات وغيرها على اللغات الأجنبية انعكس على مساحة الاهتمام باللغة العربية داخل العملية التعليمية، وأدى في بعض الحالات إلى تراجع الممارسة اليومية للغة الأم لدى الطلاب.
ويؤكد راشد أن مشكلة اللغة العربية لا يمكن فصلها عن شكل المنظومة التعليمية نفسها، معتبرًا أن علاج ضعف مستوى الطلاب يجب أن يبدأ بإصلاحات أوسع تمتد من امتحانات الثانوية العامة إلى سياسات القبول الجامعي، مع إعطاء اختبارات القدرات دورًا حقيقيًا في قياس استعداد الطالب للتخصص الذي يختاره.
ويطالب راشد بإعادة تقييم المناهج الدراسية، مع إعطاء اللغة العربية ثقلًا أكبر باعتبارها مهارة أساسية يحتاج إليها الطالب في جميع مراحل التعليم، لا مجرد مادة دراسية منفصلة عن بقية المواد، مؤكدًا أن الطالب يحتاج إلى استخدامها وفهمها في عملية التعلم نفسها.
أزمة الهوية
وفي يونيو 2026، تحولت «مواد الهوية» إلى محور جدل واسع داخل المدارس الدولية، بعدما أعلن شادي زلطة، المتحدث الرسمي باسم وزارة التربية والتعليم، أن لجان الوزارة راجعت نتائج 45 مدرسة دولية وكشفت مخالفات في 12 مدرسة، بينها منح درجات نجاح لطلاب رغم خلو أوراق الإجابة من الإجابات، مع إحالة الوقائع إلى الشؤون القانونية.
وبلغت نسبة النجاح في مواد الهوية القومية بالشهادة الإعدادية في المدارس الدولية بالقاهرة 77.9%، وهو ما يعني أن 22.1% من الطلاب لم يحققوا النجاح، وفق الأرقام التي أعلنتها الوزارة.
شيخ الأزهر يحذر
وسبق أن حذر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب من تبعات إبعاد اللغة العربية عن حياة الطلاب، ورحب في أغسطس 2024 بقرار وزارة التربية والتعليم بشأن تدريس اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ لطلاب المدارس الدولية والأجنبية، معتبرًا أن الخطوة ضرورية لتعزيز الهوية المصرية والعربية والدينية لدى الطلاب.
هوية تحت الضغط
ويرى الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، أن أن الأزمة لا ينبغي أن تُختزل في «نجاح ورسوب»، لأن المواد المرتبطة بالهوية تتجاوز الامتحان إلى بناء معرفة الطالب بنفسه وبلده واللغة التي يفكر ويتواصل بها، وهو ما يجعل إتقان العربية جزءًا من تكوينه العام وليس تفصيلًا جانبيًا.
فجوة تأسيس
ويربط الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي، صعوبة بعض الطلاب في مواد الهوية بمشكلة تبدأ منذ سنوات التعليم الأولى، موضحًا أن بعض طلاب المدارس الدولية لا يحصلون على تأسيس كافٍ في العربية، في الوقت الذي يعتادون فيه دراسة أغلب المواد باللغة الإنجليزية.
ويضيف شوقي أن اختلاف طرق تدريس العربية عن المواد التي تُدرس بالإنجليزية، إلى جانب انخفاض استخدام العربية في الحياة اليومية لدى بعض الطلاب، يمكن أن يزيد صعوبة التعامل مع مواد الهوية في المراحل الأعلى، معتبرًا أن المشكلة تحتاج إلى تأسيس مبكر ومستمر.
ولا يرفض شوقي الانفتاح على اللغات الأجنبية، لكنه يرى أن دمج مواد الهوية يجب أن يكون تدريجيًا ومنهجيًا، وأن تأسيس الطالب في العربية يجب ألا ينتظر حتى يصل إلى مرحلة تصبح فيها اللغة شرطًا لفهم مواد أخرى.
تغيير طريقة التدريس
ويشدد الدكتور مصطفى بيومي، عميد كلية دار العلوم بجامعة المنيا، على أن البداية تتمثل في تغيير طريقة تعامل الطلاب مع العربية، بحيث لا ينظرون إليها باعتبارها مقررًا ينتهي أثره بانتهاء الامتحان، وإنما باعتبارها جزءًا أصيلًا من تكوين الشخصية والهوية والثقافة.
ويطالب بيومي بأن تكون العربية حاضرة في الحياة اليومية للطالب، في القراءة والكتابة والتواصل والتعبير عن الأفكار والمشاعر، وتطوير طرق تعليم العربية والتخلي عن الأساليب التي تختزلها في حفظ القواعد من أجل الامتحان.
قرار قديم
ولا تعود قضية مواد الهوية إلى أزمة 2026؛ فقد وضعت وزارة التربية والتعليم منذ 2021 ضوابط لامتحانات الهوية القومية لطلاب المدارس الدولية، وتشمل اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية والتربية الوطنية، بما يؤكد أن تدريس هذه المواد جزء من الإطار التنظيمي لهذه المدارس.
كما أصدرت الوزارة في 2024 قرارًا بشأن تدريس اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ في المدارس الدولية والأجنبية، وهو القرار الذي رحب به شيخ الأزهر باعتباره خطوة لتعزيز الهوية المصرية والعربية والدينية.
ويكشف محمد سعد، رئيس التعليم الثانوي بوزارة التربية والتعليم سابقًا، عن أن الوزارة تشترط تدريس مواد الهوية لمنح الترخيص.
لغة المستقبل
وتقدم المدارس المصرية اليابانية نموذجًا يكشف أن الانفتاح على العالم لا يتطلب التخلي عن الهوية؛ فالوزارة تقول إن هذه المدارس تستخدم المنهج المصري «2.0»، وتضيف إليه الممارسات اليابانية وأنشطة «التوكاتسو»، بينما تتوسع في تدريس اليابانية كلغة ثانية.
في النهاية، لا تحتاج مصر إلى طالب يختار بين العربية ولغات العالم؛ وإنما إلى طالب يمتلك لغته الأم بما يكفي ليقرأ ويفكر ويحلل ويكتب، ثم ينفتح بعد ذلك على الفرنسية والألمانية واليابانية وغيرها بثقة.