“ضوء بأسعار جديدة”.. كيف تلتهم فواتير الكهرباء ميزانيات الأسر المصرية؟

 لم تعد فاتورة الكهرباء مجرد بند ثابت في مصروفات الأسرة المصرية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مؤشرات ارتفاع كلفة المعيشة.
ومع كل تعديل جديد في التعريفة، تتجدد المخاوف من اتساع الضغوط على ميزانيات الأسر، في وقت لا تزال فيه آثار زيادات الوقود والنقل والسلع والخدمات الأساسية تلقي بظلالها على الحياة اليومية للمواطنين.
وفي أحدث حلقات هذه الزيادات، أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، في 31 يوليو 2026، رفع أسعار شرائح الكهرباء بنسبة 12%، في خطوة قالت إنها تستهدف تقليص الفجوة بين تكلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها للمستهلكين، وضمان استدامة المنظومة الكهربائية.
ووفقًا لبيان الوزارة، لا تزال الدولة تتحمل جزءًا من تكلفة إنتاج الكهرباء، إذ يتراوح الدعم بين 103 جنيهات للشريحة التي تستهلك حتى 50 كيلووات/ساعة، ويصل إلى نحو 620 جنيهًا عند استهلاك 600 كيلووات/ساعة، بينما يتحمل أصحاب معدلات الاستهلاك المرتفعة التكلفة الفعلية للكهرباء.
ويأتي القرار في توقيت يشهد استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول قدرة الأسر المصرية على استيعاب زيادة جديدة في إحدى الخدمات الأساسية، ومدى انعكاسها على أسعار السلع والخدمات التي تعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الكهرباء في الإنتاج والتشغيل.

زيادات لم تتوقف

 لا تمثل الزيادة الأخيرة تحولًا استثنائيًا في سياسة تسعير الكهرباء، وإنما تأتي ضمن مسار بدأ قبل أكثر من عقد، مع اتجاه الحكومة إلى إعادة هيكلة منظومة دعم الطاقة وتقريب أسعار البيع من التكلفة الفعلية للإنتاج.
وخلال الفترة من العام المالي 2014/2015 وحتى 2024/2025، سجلت جميع شرائح الاستهلاك المنزلي زيادات متباينة، كانت الشريحة الأولى (من صفر إلى 50 كيلووات/ساعة) الأكثر ارتفاعًا، بعدما قفز سعرها بنحو 806%، وهي أعلى نسبة زيادة بين جميع الشرائح.
كما ارتفعت أسعار الشريحة الثانية (من 51 إلى 100 كيلووات/ساعة) بنسبة 438%، والشريحة الثالثة (حتى 200 كيلووات/ساعة) بنحو 493%، فيما سجلت الشريحة الرابعة (من 201 إلى 350 كيلووات/ساعة) زيادة بلغت 545%.
وامتدت الزيادات إلى الشرائح الأعلى استهلاكًا، إذ ارتفعت أسعار الشريحة الخامسة بنسبة 473.5%، والسادسة بنسبة 250%، بينما بلغت نسبة الزيادة في الشريحة السابعة، الخاصة بالاستهلاك الذي يتجاوز 1000 كيلووات/ساعة، نحو 210%.
وكانت الحكومة قد قررت في أبريل 2026 تثبيت أسعار أول ست شرائح للاستهلاك المنزلي، مع رفع سعر الشريحة السابعة فقط، قبل أن تعود بعد أربعة أشهر لتعديل أسعار معظم الشرائح مرة أخرى، وهو ما أعاد الجدل حول وتيرة الزيادات وتأثيرها المباشر على المواطنين.
ولا يقتصر أثر تعديل التعريفة على قيمة فاتورة الكهرباء وحدها، إذ يرى اقتصاديون أن أي زيادة في أسعار الطاقة تنعكس بدرجات متفاوتة على تكاليف الإنتاج والتشغيل، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على أسعار السلع والخدمات، ليصبح تأثير القرار أوسع من حدود فاتورة الكهرباء نفسها.

أعباء تتجاوز فاتورة الكهرباء

 لا يقتصر تأثير زيادة أسعار الكهرباء على قيمة الفاتورة الشهرية للأسر، إذ تمتد انعكاساتها إلى قطاعات اقتصادية متعددة تعتمد على الكهرباء كأحد مدخلات الإنتاج والتشغيل، بما يشمل الصناعة والتجارة والزراعة والخدمات، وهو ما يثير مخاوف من انتقال جزء من تكلفة الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات خلال الفترة المقبلة.
ويرى خبراء اقتصاد أن أي زيادة في أسعار الطاقة، حتى وإن استهدفت تقليص فجوة الدعم، تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تكلفة الإنتاج، بما قد يزيد الضغوط التضخمية ويؤثر في القوة الشرائية للأسر، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار عدد من السلع والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، إن الوقت قد حان للاعتراف بأن الحكومة لم تعد تمتلك حلولًا اقتصادية سوى رفع أسعار الخدمات والسلع الأساسية.
وأضاف: “أظن آن أوان الإقرار بأن الحكومة لا تملك أية حلول سوى رفع أسعار الخدمات والسلع الأساسية.. وهي حكومة فقيرة غارقة في الديون.. وآن أوان البحث عن حكومة تملك حلولًا أخرى.”
وانتقد حزب العدل، في بيان رسمي، قرار زيادة أسعار الكهرباء، معتبرًا أنه جاء رغم إعلان الحكومة قبل أسابيع عدم زيادة الأسعار للاستهلاك المنزلي، ورأى أن الأزمة لم تعد تقتصر على قيمة الزيادة، وإنما ترتبط بالاعتماد المتكرر على رفع الأسعار كوسيلة لمعالجة الاختلالات المالية.
وأشار الحزب إلى أن مديونية وزارة الكهرباء لوزارة البترول بلغت نحو 480 مليار جنيه بنهاية يونيو الماضي، بزيادة تقارب 90 مليار جنيه خلال ستة أشهر، معتبرًا أن استمرار تراكم الالتزامات المالية يعكس تحديات هيكلية في القطاع، وأن تحميل المستهلك جانبًا متزايدًا من التكلفة لا يمثل حلًا مستدامًا لمعالجة الأزمة

غضب بين المواطنين 

 بالتزامن مع إعلان القرار، شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة واسعة من الانتقادات، إذ اعتبر كثير من المستخدمين أن الزيادة الجديدة تأتي في توقيت يواجه فيه المواطنون بالفعل ضغوطًا معيشية متصاعدة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والنقل والسلع الأساسية.
وقال عبدالرحمن هشام، عبر “فيس بوك”، إن تثبيت أسعار الشريحة الأولى لا يمثل ميزة حقيقية، لأن استهلاك الأجهزة المنزلية الأساسية قد يتجاوز هذه الشريحة بسهولة، مشيرًا إلى أن ثلاجة متوسطة قد تستهلك معظمها.
فيما رأى هاني علوش أن المواطن البسيط أصبح الطرف الذي يتحمل بصورة متكررة تكلفة السياسات الاقتصادية وسداد الديون.
وعبرت هبة صبري عن استيائها من تزايد أعباء المعيشة، متسائلة: “هنلاقيها من الكهربا ولا الإيجار ولا الميه ولا الغاز ولا أسعار الأكل والشرب؟”.
ومن جانبه، اعتبر الإعلامي محمد علي خير أن توقيت تطبيق الزيادة يفتقد إلى الحس الاجتماعي، لكونه جاء في ذروة فصل الصيف، وبعد أشهر قليلة من رفع أسعار الوقود، وهو ما يضاعف الأعباء على الأسر التي تعتمد على المراوح وأجهزة التكييف لمواجهة موجات الحرارة.

اعتراضات تحت القبة

 لم تقتصر ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي أو بيانات الأحزاب، بل امتدت إلى مجلس النواب، حيث طالب عدد من النواب الحكومة بإعادة النظر في توقيت الزيادة، محذرين من انعكاساتها على الأوضاع المعيشية والاقتصادية.
واعتبر النائب علاء عبد النبي، وكيل لجنة الزراعة والري بمجلس النواب ونائب رئيس حزب الإصلاح والتنمية، أن الزيادة الجديدة تضيف أعباءً إضافية على الأسر المصرية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
وأوضح أن تداعيات القرار لن تقتصر على فاتورة الكهرباء، وإنما ستمتد إلى تكاليف الإنتاج داخل القطاع الزراعي وسلاسل إمداد الغذاء، بما قد ينعكس على أسعار السلع في الأسواق، داعيًا الحكومة إلى إعادة تقييم القرار وتأجيل تطبيقه مراعاةً للظروف الاقتصادية الحالية.
وفي السياق نفسه، قالت النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، في سؤال موجه إلى الحكومة، إن القرار جاء في وقت لا تزال فيه الأسر المصرية تواجه ارتفاعًا متواصلًا في أسعار السلع والخدمات، معتبرة أن ذلك يضاعف الضغوط المعيشية على المواطنين.
من جانبه، طالب الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، في سؤال برلماني عاجل، بتجميد قرار زيادة أسعار الكهرباء لحين تقديم الحكومة إلى البرلمان بيانات تفصيلية بشأن تكلفة الإنتاج، وحجم الفاقد والخسائر، وإخضاعها للمراجعة البرلمانية.
وأشار البياضي إلى أن القرار يمثل خامس زيادة أو إعادة تسعير لتعريفة الكهرباء المنزلية منذ يوليو 2021، والرابعة منذ يناير 2024، معتبرًا أن تطبيق زيادتين خلال أربعة أشهر يثير تساؤلات بشأن سياسة التسعير ومدى مراعاتها للظروف الاقتصادية للمواطنين.
وأضاف أن القرار يأتي في وقت بلغ فيه معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن 14.3% خلال يونيو 2026، محذرًا من أن ارتفاع أسعار الكهرباء قد يضيف ضغوطًا تضخمية جديدة ويؤدي إلى مزيد من تآكل القوة الشرائية للأسر 

تبرير حكومي 

 في المقابل، تؤكد الحكومة أن تعديل أسعار الكهرباء يأتي استجابة لاعتبارات مالية وفنية، وليس نتيجة مباشرة لزيادة أسعار الوقود، مشددة على استمرار تحمل الدولة جزءًا كبيرًا من تكلفة إنتاج الكهرباء.
وقال الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، إن الدولة تتحمل أكثر من 100 مليار جنيه سنويًا لدعم قطاع الكهرباء، مؤكدًا أن هذا الدعم سيستمر خلال العام المالي الجاري.
وأوضح أن الزيادة الأخيرة تُعد أول تعديل فعلي لأسعار شرائح الكهرباء المنزلية منذ عامين، مشيرًا إلى أن قرار تعديل التعريفة اتُّخذ منذ بداية يونيو الماضي، ضمن خطة تستهدف تقليص الفجوة بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع، بما يضمن استدامة الخدمة واستقرار التغذية الكهربائية.
وأضاف أن مصر تستهلك منتجات بترولية سنويًا بقيمة تقترب من تريليون جنيه، يوجَّه نحو 60% منها لتشغيل محطات توليد الكهرباء، وهو ما يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على الموازنة العامة
يعكس الجدل الدائر حول زيادة أسعار الكهرباء استمرار التحدي الذي تواجهه الحكومة في الموازنة بين تقليص أعباء الدعم وضمان استدامة الخدمات من جهة، والحد من الضغوط المعيشية التي يتحملها المواطنون من جهة أخرى.

 

أضف تعليقك
شارك