كان يفترض أن يكون التأمين الصحي الملاذ الأخير للمريض محدود الدخل، لكن الواقع يروي قصة مختلفة؛ فداخل منافذ صرف الدواء، يقف آلاف المرضى حاملين روشتاتهم، بينما يعود كثير منهم إلى منازلهم بالورقة نفسها التي دخلوا بها، بعدما اصطدموا بجملة واحدة تتكرر كل يوم: “الدواء غير متوفر”.
ولم تعد الأزمة مجرد نقص في بعض الأصناف، بل تحولت إلى ظاهرة تمتد من محافظة إلى أخرى، تصاحبها شكاوى متكررة، وتحركات برلمانية، وتفسيرات حكومية تربط الأزمة بتأخر التوريد ومنظومة الشراء الموحد، بينما يبقى المرضى وحدهم في مواجهة رحلة يومية للبحث عن العلاج.
رحلة البحث عن الدواء
من مركز بركة السبع بمحافظة المنوفية، يقول أحمد سمير (37 عامًا) إن أزمة نقص الأدوية مستمرة منذ فترة، بعدما اختفى الأنسولين وعدد من أدوية علاج السكري، مثل “جلوكوفاج” و”سيدوفاج”، مؤكداً أن كثيراً من المرضى من محدودي الدخل لم يعودوا قادرين على شراء العلاج من الصيدليات الخاصة.
ويضيف أن خاله، وهو مريض بالسكري، يتعرض حالياً لنوبات إغماء نتيجة عدم انتظام العلاج، مشيراً إلى أنهم تقدموا بشكاوى إلى محافظ المنوفية ورئاسة مجلس الوزراء، إلا أنهم لم يتلقوا أي استجابة حتى الآن.
وفي أسيوط، يواجه ياسر عبد العزيز (45 عاماً)، من قرية النخيلة، معاناة مختلفة بعد اختفاء دواء “بلافيكس” الذي يحتاج إليه عقب تركيب دعامة بالقلب، موضحاً أنه توجه إلى مستشفى التأمين الصحي لصرف العلاج، لكنه فوجئ بعدم توافره.
69 مليون مشترك
وتكتسب الأزمة أهمية خاصة بالنظر إلى اتساع قاعدة المستفيدين من خدمات الهيئة العامة للتأمين الصحي، إذ يستفيد من المنظومة العاملون في القطاعين الحكومي والعام والقطاع الخاص، وطلبة المدارس، والأطفال دون سن المدرسة، إلى جانب المشتركين اختيارياً.
ويبلغ عدد المشتركين في الهيئة العامة للتأمين الصحي نحو 69 مليون مواطن، ما يجعل أي اضطراب في توفير الدواء يمس شريحة واسعة من المواطنين.
الأزمة تمتد إلى المحافظات
ولا تقتصر الأزمة على حالات فردية، بل تمتد إلى محافظات مختلفة.
وتقول أم أميرة نبيل: “أنا مريضة سكر والعلاج بيجي في الوحدة الصحية كمية محدودة ويخلص لازم نتابع علشان نعرف نصرفه وبنتي عندها مرض مزمن ومش راضيين يوفروا العلاج بتاعها بحجة إنه غير موجود في الحزمة واحنا محافظة فيها تأمين شامل ومحافظات تانية بيوفروا فيها العلاج ده للأطفال”.
وفي الإسكندرية، تشير دعاء عمر إلى أن الأزمة لم تعد مقتصرة على أدوية الأمراض المزمنة، وإنما امتدت إلى أدوية الطلبة أيضاً.
وتوضح أنه لا تتوافر أدوية في التأمين الصحي للطلبة، ومن يذهب للكشف يتم إبلاغه بعدم توافر المضادات الحيوية أو أدوية الحساسية أو أدوية الكحة، ولا يحصل سوى على شريط مسكن، فيما يضطر لشراء باقي العلاج من الصيدليات الخاصة.
شكاوى لا تتوقف
ولا تتوقف الشكاوى عند المرضى، حيث يرى أحمد السويفي، في منشور عبر “فيسبوك”، أن نقص أدوية التأمين الصحي أصبح معاناة يومية ترهق المرضى، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
وأشار إلى أن الحصول على العلاج يتطلب الانتظار لفترات طويلة، مع تكرار الذهاب إلى منافذ الصرف دون التمكن من الحصول على جميع الأدوية المقررة.
وفي محافظة المنيا، وجّهت أمل كمال نداءً إلى محافظ المنيا وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، طالبت فيه بتوفير مقر أكثر اتساعاً وآدمية لصرف أدوية التأمين الصحي، إلى جانب العمل على توفير الأدوية التي يعاني المرضى من نقصها بصورة متكررة.
واقترح الدكتور حسين غيتة التعاقد مع صيدليات خاصة، بحيث يتمكن المرضى من صرف الأدوية غير المتوافرة داخل التأمين الصحي من تلك الصيدليات.
وأكدت سماح توفيق أن غياب أدوية الأمراض المزمنة، مثل الضغط والسكر والكبد والكلى والقلب، يمثل عبئًا بالغًا على المرضى، ولا سيما محدودي الدخل، في ظل ارتفاع أسعار الدواء خارج منظومة التأمين الصحي.
تدخل برلماني
ومع اتساع نطاق الشكاوى، انتقلت الأزمة إلى مجلس النواب.
فقد تقدم النائب عمران عثمان أبو عقرب بطلب إحاطة موجه إلى الحكومة، حذر فيه من عدم انتظام توافر عدد من أدوية الأمراض المزمنة داخل منظومة التأمين الصحي والصيدليات بمحافظة أسيوط، مؤكدًا أن الأزمة تمثل عبئًا كبيرًا على المرضى وأسرهم.
وطالب النائب محمد عبد الله الهضيبي الحكومة بسرعة توفير أدوية مرضى الغسيل الكلوي، مؤكداً أن أي تأخير في صرفها قد يعرض حياة المرضى للخطر.
ودعا النائب أمير الجزار إلى التوسع في إنشاء منافذ لصرف أدوية التأمين الصحي داخل القرى والمراكز، لتخفيف معاناة المرضى وتقليل مشقة الانتقال للحصول على العلاج.
وحذر النائب أحمد فرغلي من تحويل المريض إلى “سلعة” داخل منظومة التأمين الصحي، مؤكدًا أن الحق في العلاج يجب أن يظل مكفولًا لجميع المواطنين.
اعتراف رسمي بالأزمة
وفي أول تفسير رسمي لأسباب نقص بعض الأدوية، أوضح فرع التأمين الصحي بمحافظة قنا أن أزمة نقص الأنسولين لا تقتصر على المحافظة وحدها، وإنما ترجع إلى تأخر التوريد من منظومة الشراء الموحد على مستوى الجمهورية.
ورغم هذا التوضيح، لا يزال المرضى يواجهون صعوبات يومية في الحصول على العلاج، وسط مطالبات بسرعة إنهاء أزمة التوريد وضمان توفير الأدوية بصورة منتظمة داخل جميع منافذ التأمين الصحي.
المديونيات كلمة السر
وتأتي أزمة نقص الدواء بالتزامن مع إعلان هيئة الشراء الموحد عن سعيها لسداد مديونيات متراكمة للموردين.
ففي نوفمبر 2025، قال هشام ستيت، رئيس هيئة الشراء الموحد والإمداد والتموين الطبي، إن الهيئة تعتزم سداد مديونيات بنحو 17 مليار جنيه للموردين بنهاية العام المالي 2025/2026، بعدما تراكمت نتيجة توريد المستلزمات الطبية والأدوية للجهات المختلفة.
وأوضح أن الهيئة سددت جميع المديونيات الممولة من عجز الموازنة الخاصة بالقطاع المجاني، بقيمة 30 مليار جنيه لصالح نحو 500 شركة، وذلك خلال نهاية العام المالي المنتهي في يونيو 2025.
وتوفر هيئة الشراء الموحد نوعين من الإمدادات الطبية، هما الأدوية والمستلزمات المجانية التي تقدمها الدولة عبر برامج العلاج على نفقة الدولة، والإمدادات الاقتصادية التي تستفيد منها جهات من بينها هيئة التأمين الصحي وهيئة التأمين الصحي الشامل.
كما تتولى الهيئة عمليات شراء المستحضرات الطبية البشرية، محلية الصنع والمستوردة، لصالح الجهات والهيئات الحكومية المختلفة، مقابل رسم شراء لا يتجاوز 7% من صافي قيمة المشتريات.
وبحسب البيان المالي الصادر عن وزارة المالية، بلغت مخصصات دعم برامج التأمين الصحي بمختلف فئاته نحو 5 مليارات و896 مليون جنيه في مشروع موازنة العام المالي الحالي.