الدولار أولاً.. بهذه المعادلة تواصل الحكومة المصرية توسيع قائمة المبادرات الموجهة للمصريين في الخارج، وكان أحدثها مبادرة “مزرعتك في مصر” التي تتيح تملك أراضٍ زراعية ضمن مشروع المليون ونصف المليون فدان مقابل السداد بالدولار.
إلا أن هذه المبادرات تأتي في وقت لا تزال فيه مشروعات سابقة تستهدف الشريحة نفسها تواجه شكاوى تتعلق بتأخر استكمال المرافق والخدمات، ما يثير تساؤلات حول جدوى التوسع في طرح مبادرات جديدة قبل معالجة أزمات المشروعات القائمة.
سباق حكومي
خلال السنوات الأخيرة، أطلقت الحكومة المصرية سلسلة من المبادرات الموجهة للمصريين بالخارج بهدف تشجيعهم على تحويل مدخراتهم ومنحهم مزايا استثمارية وخدمية داخل مصر.
شملت المبادرات الحكومية “مدرستك في مصر 2025″ لتوفير خدمات تعليمية رقمية لأبناء المصريين بالخارج، و”تأمينك في مصر 2025” لتطوير وثيقة التأمين ضد الوفاة والعجز، إلى جانب مشروع “بيت الوطن” لتخصيص الأراضي السكنية، وأحدثها مبادرة “مزرعتك في مصر” التي تستهدف تمليك المصريين بالخارج أراضٍ ضمن مشروع المليون ونصف المليون فدان، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وقال السفير حداد الجوهري، مساعد وزير الخارجية لشؤون المصريين بالخارج، إن الهدف من هذه المبادرات يتمثل في توفير فرص استثمارية آمنة للمصريين بالخارج، وتحقيق مكاسب للمغتربين والاقتصاد المصري.
مزرعتك في مصر
ضمن أحدث المبادرات، أعلنت الحكومة إطلاق مبادرة “مزرعتك في مصر”، بسعر 2450 دولار للفدان على أن يبدأ التعاقد بسداد 20% مقدمًا، مع تقسيط باقي القيمة على ثماني سنوات بفائدة متناقصة قدرها 4% بحسب اللواء عمرو عبدالوهاب رئيس شركة الريف المصري.
وأوضح أن المساحات المطروحة تبدأ من 40 فدانًا و80 فدانًا ومضاعفاتهما حتى 238 فدانًا، مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى حجز خلالها 147 مواطن 192 قطعة بمساحة 7600 فدان.
قفزة في الأسعار
وتعكس أسعار الأراضي المطروحة للمصريين في الخارج، ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بأسعار المشروع التي تم البيع بها في بداية المشروع في عام 2016 والتي أعلن عنها المهندس عاطر حنورة رئيس الشركة حينها والتي تراوحت بين 18 ألف جنيه لـ 25 ألف جنيه.
وتدير شركة تنمية الريف المصري الجديد أراضي في 8 محافظات، موزعة على مناطق الفرافرة، والمُغرة، وامتداد الداخلة، وقرية الأمل، وتوشكى، وغرب المراشدة، وغرب كوم أمبو، وغرب المنيا، وشرق سيوة، والطور.
حل المشكلات أولا
ورغم التوسع في طرح الأراضي للمصريين بالخارج، يرى عدد من المنتفعين أن نجاح المبادرة يرتبط أولًا بحل المشكلات التي واجهت المنتفعين في مراحل المشروع السابقة.
فمنذ إطلاق الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع المليون ونصف المليون فدان في ديسمبر 2015، لم يحقق المشروع مستهدفاته الكاملة، إذ جرى استصلاح واستزراع نحو 440 ألف فدان فقط حتى أغسطس 2025، بما يعادل نحو 29% من إجمالي المستهدف.
وقال صلاح عبدالقادر، أحد المصريين بالخارج، إن سعر الأراضي مرتفع، وكان من الأفضل طرحها بأسعار تشجيعية للمغتربين، خاصة مع تطبيق فائدة على الأقساط، لافتًا إلى أن المستثمر يتحمل كذلك تكلفة إنشاء المرافق والخدمات الأساسية، وهو ما يزيد من أعبائه المالية.
وتتكرر الشكاوى داخل مناطق المشروع؛ إذ طالب أسامة يس، أحد المنتفعين بمنطقة المُغرة، بتوفير مصدر مياه مناسب للزراعة، وصرف السماد المدعوم، ورصف الطرق، وتوصيل الكهرباء، وحل أزمة المواصلات، وحل مشكلة ارتفاع ملوحة المياه إلى مستويات تؤثر على الإنتاج الزراعي.
وكشف المهندس إسلام أبو سريع، أحد المنتفعين بالمشروع، عن أن ارتفاع ملوحة مياه الري جعل زراعة كثير من المحاصيل غير مجدية اقتصاديًا، فضلًا عن استمرار أزمة الكهرباء، مطالباً بالسماح بحفر بئر إضافية لكل 230 فدانًا لتوفير الاحتياجات المائية.
من الزراعة للإسكان
سبق مبادرة “مزرعتك في مصر” إطلاق مشروع “بيت الوطن” لتخصيص أراضٍ سكنية للمصريين بالخارج، إلا أن المشروع لا يزال يواجه شكاوى من عدد من المنتفعين بشأن تأخر استكمال المرافق والخدمات الأساسية.
فقد وثق مقطع مرئي معاناة عدد من ملاك مشروع “بيت الوطن” بالحي الأول في القاهرة الجديدة، بسبب عدم اكتمال المرافق الأساسية، رغم مرور سنوات على استلام الأراضي.
وأظهرت شكاوى الملاك أن مئات الأسر انتهت من بناء وتشطيب منازلها، لكنها لم تتمكن من الانتقال إليها، بسبب غياب إنارة الشوارع، وعدم تمهيد الطرق، وتراكم مخلفات البناء، فضلًا عن تأخر توصيل الكهرباء لعدد من العقارات، ووجود مشكلات في شبكة الصرف الصحي تحتاج إلى صيانة عاجلة.
وأكد الملاك أنهم سددوا قيمة الأراضي بالدولار منذ عام 2012، وكانوا يتطلعون إلى السكن في منازلهم بعد استكمال المرافق الأساسية، باعتبار المشروع أحد أبرز المبادرات الموجهة للمصريين بالخارج.
وفي السياق نفسه، قال المهندس مختار الشقنقيري إنه تقدم بخطاب إلى رئيس جهاز مدينة القاهرة الجديدة، طالب فيه باستكمال المرافق، وإنهاء أعمال الطرق، وتوصيل الكهرباء والغاز، وإنشاء نقطة شرطة، وتسريع إجراءات التراخيص، فضلًا عن توفير الخدمات العامة وأكشاك الأمن، بما يسمح للمواطنين بالاستفادة الفعلية من الأراضي التي حصلوا عليها.
خدمات مفقودة
وكشف عاطف فاروق، أحد المنتفعين من مشروع بيت الوطن، إن التأخر في إدخال المرافق ورصف الطرق، في أول الأحياء التي طُرحت ضمن مشروع “بيت الوطن”، يعوق سكن الكثير من الأسر.
بينما اعتبر عبدالقادر موسى أن الأولوية يجب أن تكون لتنفيذ الوعود المرتبطة بالمشروعات المطروحة، وإنجازها على أرض الواقع، بما يعزز ثقة المصريين بالخارج في المبادرات الحكومية.
مضاعفة التكلفة
وفي الوقت الذي تتواصل فيه مطالب المنتفعين باستكمال الخدمات، تواصل الحكومة طرح مراحل جديدة من مشروع “بيت الوطن”.
ففي 15 يونيو 2026، أعلنت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان، استمرار استقبال التحويلات الخاصة بقطع أراضي المرحلة الحادية عشرة من المشروع، والتي تمثل 25% من قيمة قطعة الأرض.
واشترطت الوزارة تحويل مبلغ لا يقل عن 3050 دولارًا أمريكيًا كجدية حجز وأولوية للتخصيص، ضمن الطرح الذي يضم 4543 قطعة أرض موزعة على 22 مدينة جديدة.
وشهدت المرحلة الجديدة زيادات كبيرة في الأسعار مقارنة بالطرح العاشر، إذ ارتفع متوسط سعر المتر في دمياط الجديدة بنسبة 110.4%، وفي القاهرة الجديدة بنسبة 93.3%، وفي الشيخ زايد بنسبة 87.4%، بينما سجلت العبور زيادة بلغت 71.1%، والمنيا الجديدة 64.5%، ومدينة السادات 61%، و15 مايو 55.6%، في حين سجلت أكتوبر الجديدة أقل نسبة زيادة بلغت 4%.
وسبق أن طرحت وزارة الإسكان عشر مراحل من مشروع “بيت الوطن” منذ إطلاقه عام 2012، بإجمالي نحو 43 ألف قطعة أرض للمصريين بالخارج.
تحويلات تاريخية
ولم يكن التوسع في إطلاق المبادرات الموجهة للمصريين بالخارج بمعزل عن الطفرة التي شهدتها تحويلاتهم خلال الفترة الأخيرة، والتي أصبحت تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.
فقد أعلن البنك المركزي المصري أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج، ارتفعت خلال الفترة يوليو/مايو من السنة المالية 2025/2026 بمعدل 31.2% لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار (مقابل نحو 32.8 مليار دولار خلال نفس الفترة من السنة المالية 2024/2025).
وتحتل مصر المركز السابع عالميًا بين الدول الأكثر استقبالًا لتحويلات مواطنيها العاملين بالخارج، وفقًا لتقرير البنك الدولي، بينما تأتي النسبة الأكبر من هذه التحويلات من دول الخليج العربي، التي يعمل بها نحو 8 ملايين مصري من إجمالي ما يقرب من 11 مليون مصري يقيمون ويعملون في الخارج.
وأصبحت تحويلات المصريين بالخارج ثاني أكبر مصدر للنقد الأجنبي في البلاد بعد الصادرات السلعية، التي سجلت نحو 48.5 مليار دولار خلال عام 2025، وفق بيانات الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، وهو ما يفسر الاهتمام الحكومي المتزايد بإطلاق مبادرات تستهدف هذه الشريحة.
تحركات برلمانية
وبالتوازي مع المبادرات الحكومية، بدأت تحركات تشريعية تستهدف توفير إطار مؤسسي أكثر استدامة لتعزيز ارتباط المصريين بالخارج بالاقتصاد الوطني.
فقد تقدم عضو مجلس النواب رضا عبد السلام بمشروع قانون بعنوان “ضمانات وحوافز تحويلات المصريين العاملين بالخارج”، بهدف توسيع مظلة الحماية والرعاية للمصريين بالخارج، وتحفيزهم على توجيه تحويلاتهم عبر البنوك والقنوات الرسمية، بما يسهم في زيادة تدفقات النقد الأجنبي.
وينص مشروع القانون على إنشاء “الهيئة الوطنية لرعاية المصريين بالخارج”، تتبع رئاسة مجلس الوزراء، وتختص برعاية شؤون المصريين بالخارج، وحماية حقوقهم، وتعزيز ارتباطهم بالوطن، وإعداد برامج لتأهيل العمالة المصرية، وإبرام الاتفاقيات التي تكفل حقوقهم في دول الإقامة.
كما يتضمن المشروع إنشاء شركة مساهمة تحت اسم «شركة رعاية وإدارة واستثمار أموال المصريين في الخارج»، مع طرح 49% من أسهمها للمصريين بالخارج عبر البورصة، بما يتيح لهم استثمار مدخراتهم في مشروعات تنموية داخل مصر.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تجاوز عدد المصريين المقيمين بالخارج 11 مليون مواطن حتى عام 2022، وهو ما يجعلهم أحد أكبر التجمعات المصرية خارج الحدود، ويمثلون ركيزة اقتصادية مهمة تعتمد عليها الدولة في دعم مواردها من العملة الأجنبية.