تخفيض عدد علب اللبن المدعم، وتشكيل لجان للفحص، وتشديد معايير الاستحقاق.. خطوات تقول الحكومة إنها تستهدف “ترشيد الدعم” ومنع التربح، لكنها فتحت بابًا واسعًا من الجدل تحت قبة البرلمان، بعد شكاوى من حرمان أطفال مستحقين من الحصول على اللبن المدعم، بينما تواصل عشرات الأسر البحث عنه عبر جروبات التواصل الاجتماعي. فهل نجحت الحكومة في ضبط المنظومة، أم ضيّقت الخناق على المستحقين؟
لكن بينما تدور المناقشات تحت قبة البرلمان، كانت عشرات الأمهات في مختلف المحافظات يواصلن البحث عن اللبن المدعم عبر جروبات “فيسبوك”، في مشهد يعكس استمرار معاناة الحصول عليه بالسعر الرسمي.
رحلة البحث عن لبن مدعم
على جروبات التواصل الاجتماعي، يتكرر السؤال بصورة لافتة: “حد عنده لبن أطفال مدعم؟ أشتريه بأي سعر؟”، بما يعكس أزمة يشعر بها كثير من الأسر، سواء بسبب صعوبة الحصول على اللبن أو عدم تمكن بعض المستحقين من صرفه.
وليد حسن، أحد قاطني الإسكان الاجتماعي بمدينة السادس من أكتوبر، كتب في أحد الجروبات: “عايز لبن مدعم لبنتي.. اللي عنده زيادة أو يبيعه أنا أشتريه”.
وفي جروب خاص بأهالي مركز سمالوط بمحافظة المنيا، كتبت إحدى الأمهات: “ألاقي فين لبن أطفال مدعم بالله عليكم.. ابني محتاجه ضروري ومش نازل لبن”.
وتكررت النداءات من محافظات أخرى، إذ سألت ندى أحمد في الإسماعيلية عن أماكن توفر اللبن المدعم، بينما بحثت “سوما السعدني” عبر جروب نسائي عن أي شخص يمكنه بيع اللبن المدعم.
الشكاوى وصلت البرلمان
ورغم أن القرار الوزاري رقم 485 لسنة 2024 نص على أن معايير صرف الألبان المدعمة تستهدف حماية صحة الطفل وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، فإن حجم الشكاوى والملاحظات التي تلقتها لجنة الشؤون الصحية دفعها إلى عقد جلسة موسعة بحضور وزير الصحة الدكتور خالد عبد الغفار، ونائبيه، وخبراء، وممثلين عن جمعيات ومبادرات معنية بالحق في الصحة.
وطالب النواب خلال الاجتماع بإعادة النظر في ضوابط صرف الألبان بما يحقق العدالة الطبية ويضمن وصول الدعم إلى الأطفال المستحقين.
وأكد رئيس اللجنة، الدكتور شريف باشا، أن ترشيد الدعم لا ينبغي أن يكون على حساب حق الأطفال في العلاج أو التغذية، موضحًا أن تطبيق القرار الوزاري صاحبه تباين في تفسير الضوابط وصعوبات عملية أدت -بحسب ما ورد إلى اللجنة- إلى حرمان بعض الأطفال المستحقين أو فرض اشتراطات إدارية تجاوزت الهدف الأساسي للقرار.
كما دعا إلى نشر جميع الشروط والضوابط على الموقع الرسمي لوزارة الصحة حتى تكون متاحة للمواطنين بصورة واضحة، مؤكدًا أن الحق في الرعاية الصحية والتغذية تكفله نصوص الدستور والاتفاقيات الدولية، وأن الألبان العلاجية وشبيهة لبن الأم تمثل ضرورة صحية وليست مجرد بند في الموازنة العامة.
مطالب بتعديل المعايير
من جانبها، طالبت الدكتورة نادية بدراوي، الأستاذ المتفرغ بكلية الطب، بإضافة أمراض أخرى ضمن الحالات المستحقة لصرف اللبن المدعم، وعدم قصر بعض المعايير على أمراض بعينها، مؤكدة أن تقييم قدرة الأم على الرضاعة يجب أن يستند إلى مرجعيات علمية ودولية واضحة.
وخلال المناقشات، أثار رئيس لجنة الصحة ما تردد بشأن عدم صرف اللبن إلا لطفل واحد في حال وجود أكثر من مولود، إضافة إلى ما أثير حول تقييم قدرة الأم على الرضاعة من خلال فحص الثدي والتأكد من وجود لبن طبيعي.
“حوكمة” تظلم المستحقين
في المقابل، أكد الدكتور عمرو قنديل، نائب وزير الصحة، أن الوزارة بدأت حوكمة منظومة صرف الألبان بعدما كانت تفتقر إلى الميكنة، مشيرًا إلى تشكيل لجنة ضمت الجامعات المصرية ووزارة الصحة والمعهد القومي للتغذية ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف، وانتهت إلى إصدار القرار الوزاري رقم 485 لسنة 2024.
وأوضح أن الوزارة خفضت عدد علب اللبن في المرحلة الثانية بمقدار 6 علب مع بدء الطفل في تناول الطعام، كما أعادت تشكيل لجان الفحص والتقييم، ورفعت كفاءة العاملين من خلال برامج تدريبية لدعم وتشجيع الرضاعة الطبيعية.
وأضاف أن الوزارة رصدت خلال السنوات الماضية بيع اللبن المدعم بصورة غير قانونية، قائلاً: “كان بيتم بيع الألبان على المقاهي، وبتتحط أرقام للتواصل، وحاولنا الإيقاع بعدد كبير من هؤلاء”.
وأشار إلى أن الوزارة تلقت، منذ تطبيق القرار،6850 شكوى عبر الوحدات الصحية والخط الساخن ومنظومة شكاوى مجلس الوزراء، وتمت الاستجابة لأكثر من3000 حالة ثبت استحقاقها.
وفيما يتعلق بالأمهات اللاتي لديهن أكثر من طفل، أكد قنديل أن منشورًا صدر إلى مديريات الشؤون الصحية بتاريخ 13 يناير 2026 يقضي بصرف اللبن لجميع الأطفال المستحقين، موضحًا: “لو واحدة جايبة خمس أطفال ومش بتقدر ترضع يتم صرف اللبن لكل الأطفال.
كما عرضت الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة، صورًا من جروبات على “فيسبوك” قالت إنها توثق عمليات التربح من اللبن المدعم، موضحة أن بعض السيدات كن يحصلن على العبوة بسعر 5 جنيهات ثم يبعنها بنحو 200 جنيه، معتبرة أن الظاهرة كانت واسعة الانتشار.
البيع مستمر رغم التشديد
لكن رغم تشديد الضوابط، لا تزال صفحات التواصل الاجتماعي تشهد إعلانات لبيع اللبن المدعم بأسعار تفوق السعر الرسمي.
فقد كتبت إحدى الحسابات: “متاح لدي لبن إيجي وان.. من يريد الشراء يتحدث على الخاص”.
كما نشرت آلاء محمد إعلانًا جاء فيه: “متاح لبن مدعم بتاع الحكومة.. العلبة بـ100 جنيه، والتوصيل لأي مكان”.
وتعكس هذه المنشورات استمرار السوق غير الرسمية التي تقول وزارة الصحة إنها تستهدف القضاء عليها.
الحالات مستثناة
وخلال الجلسة، أكد الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، أن الضوابط لا تستهدف حرمان الأطفال من حقهم في التغذية، موضحًا أن الأم إذا دخلت العناية المركزة حتى لمدة يوم واحد يتم صرف اللبن لطفلها، وإذا استمر وجودها بالعناية يومين أو ثلاثة يصرف اللبن لمدة عام كامل، كما أكد أن الأم التي تلد خمسة توائم تُصرف الألبان لجميع أطفالها.
ورغم تأكيدات وزارة الصحة أن تشديد الضوابط يستهدف منع التربح وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، فإن استمرار شكاوى الأسر، وتكرار طلبات البحث عن اللبن المدعم، إلى جانب استمرار بيعه عبر جروبات التواصل الاجتماعي، يطرح تساؤلًا لا يزال مطروحًا: هل نجحت منظومة الصرف الجديدة في تحقيق العدالة بين مكافحة إهدار الدعم وضمان حصول كل طفل مستحق على غذائه؟