لم تعد أزمة القطن المصري مجرد تراجع في مساحة محصول زراعي، بل أصبحت مؤشراً على تغيرات عميقة تواجه أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية التي ارتبط اسمها تاريخيًا بمصر.
فبعدما كانت حقول القطن تمتد على أكثر من مليون فدان، وتتصدر مصر قائمة منتجى الأقطان طويلة التيلة في العالم، سجل “الذهب الأبيض” للمرة الثانية انخفاضًا تاريخياً في المساحات المنزرعة بالمحصول.
وخلال الموسم الحالي، تراجعت المساحات المزروعة بالقطن إلى نحو 155.6 ألف فدان فقط، بانخفاض تجاوز 20% مقارنة بالموسم الماضي، وسط أزمة تسويق ممتدة، وتذبذب في الأسعار، وتراكم للمخزون، وهي عوامل دفعت آلاف المزارعين إلى العزوف عن زراعته.
ووفقاً للإحصاءات التاريخية، سجلت زراعة القطن أدنى مستوياتها عام 2016، عندما لم تتجاوز المساحة المزروعة 136 ألف فدان، بعدما كانت مصر تزرع أكثر من مليون فدان خلال ثمانينيات القرن الماضي.
ويبدأ موسم زراعة القطن في منتصف مارس من كل عام، ويستمر حتى الأسبوع الأخير من يونيو، إلا أن قرارات المزارعين خلال السنوات الأخيرة عكست تراجعاً واضحاً في الإقبال على المحصول.
مزارعون يحذرون
لم يمر انخفاض المساحات المزروعة بالقطن مرور الكرام بين المزارعين والمهتمين بالمحصول، حيث عبر عدد منهم عن غضبهم عبر منصة “فيسبوك”، محذرين من أن استمرار السياسات الحالية قد يقود إلى مزيد من الانكماش وربما تهديد مستقبل المحصول.
وطالب محمد النجار المسؤولين بالتدخل لإنقاذ محصول القطن، داعياً إلى إعلان سعر ضمان عادل للمزارعين، ومحذراً من استمرار تراجع المحصول إذا استمرت الأوضاع الحالية.
واعتبر عمرو توفيق أن استمرار انخفاض زراعة القطن يعكس غياب الاهتمام الكافي بالمحصول، محذراً من تداعيات ذلك على أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في مصر.
وقال فؤاد ليله، الموظف السابق بشركة النيل للأقطان، إن سياسات التسعير والتسويق التي اتبعتها الحكومة خلال المواسم الأخيرة أدت إلى تراجع زراعة القطن إلى أدنى مستوياتها، مطالباً القيادة السياسية بالتدخل لاستعادة مكانة المحصول.
واعتبر المواطن فتوح صابر أن القطن المصري يتعرض لما وصفه بـ”التخريب المتعمد”، مشيراً إلى تراجع الأصناف طويلة التيلة والجودة والمساحات المزروعة، في مقابل زيادة الاعتماد على استيراد القطن من الخارج لخدمة صناعة الغزل والنسيج.
وقال أحمد عبدالله إن الحل يكمن في التوسع في تصنيع القطن محلياً بدلاً من تصديره خاماً، من خلال دعم صناعات الغزل والنسيج والملابس لتحقيق قيمة مضافة أكبر للمحصول.
فيما رأى المواطن أحمد عبدالمنعم أن منظومة تداول القطن منذ تطبيقها قادت المحصول إلى مزيد من التراجع، معتبراً أن التحذيرات المتكررة لم تجد استجابة حقيقية.
أزمة التسويق
ولا تتوقف تداعيات تراجع مساحات القطن عند عزوف المزارعين عن زراعة المحصول فقط، بل تمتد إلى حركة البيع والشراء داخل السوق، في ظل تراكم كميات كبيرة من المحصول وضعف الطلب المحلي.
ويقول نقيب الفلاحين، حسين أبو صدام، إن المساحات المزروعة بالقطن تراجعت خلال الموسم الحالي من نحو 195 ألف فدان إلى 155.6 ألف فدان.
وأوضح أن انخفاض أسعار القطن خلال الفترة الماضية، إلى جانب حالة الارتباك التي صاحبت استلام المحصول من المزارعين، دفعا أعداداً كبيرة من الفلاحين إلى العزوف عن زراعته.
وأضاف أن محصول القطن فقد خلال الموسمين أو الثلاثة مواسم الأخيرة كثيراً من الاهتمام الذي كان يحظى به سابقاً من خلال نظام المزايدات وسعر الضمان، وهو ما لم يعد مطبقاً بالصورة نفسها.
وأشار إلى أن تقلبات الأسعار العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج أضعفا الجدوى الاقتصادية لزراعة القطن، لافتاً إلى أن القطن المصري يعتمد بدرجة كبيرة على التصدير، في وقت تراجع فيه الطلب العالمي، ما زاد من مخاوف المزارعين بشأن تسويق إنتاجهم.
وأكد “أبو صدام” أن أزمة التسويق وتراكم المخزون خلال الموسمين الماضيين، إلى جانب تأخر صرف مستحقات بعض المزارعين وانخفاض العائد، كانت من أبرز الأسباب التي دفعت المساحات المزروعة إلى التراجع.
وأضاف حسين أبو صدام أن القطاع الخاص يفضل استيراد القطن قصير التيلة لانخفاض تكلفته، بينما لا يحظى القطن المصري طويل التيلة بالاهتمام الكافي، موضحاً أن معظم مصانع الغزل والنسيج تعتمد حالياً على القطن قصير التيلة لإنتاج الملابس منخفضة التكلفة، في حين يوجه القطن المصري طويل التيلة إلى إنتاج الملابس الفاخرة المخصصة للتصدير.
وشدد نقيب الفلاحين على أن القطن يمثل محصولاً استراتيجيًا متعدد الفوائد، إذ يوفر فرص عمل في الزراعة والصناعة، ويسهم في إنتاج الزيوت والأعلاف، فضلاً عن دوره في تحسين خصوبة التربة، مطالباً الحكومة باستعادة زمام المبادرة وإعادة الاهتمام بالمحصول.
وحذر أبو صدام من أن المساحات المزروعة قد تشهد مزيداً من التراجع إذا استمرت الأوضاع الحالية، معتبراً أن المساحة المسجلة هذا الموسم “غير مُرضية”، وتعكس تراجع الاهتمام الحكومي بالمحصول خلال السنوات الأخيرة.
مخزون متراكم
وتكشف أزمة القطن أن المشكلة لا ترتبط فقط بقرار المزارع بزراعة المحصول من عدمه، وإنما تمتد إلى دورة الإنتاج والتسويق بالكامل، خاصة مع وجود كميات كبيرة متراكمة من القطن الخام وضعف القدرة على تصريفها.
وقال عضو اتحاد مُصدري الأقطان، نبيل السنتريسي، إن مخزون القطن الخام المتراكم في السوق، نتيجة أزمات التسويق التي شهدها الموسمان الماضيان، كان من أبرز العوامل التي أثرت في قرارات المزارعين بشأن زراعة المحصول خلال الموسم الحالي.
وأوضح السنتريسي أن الطلب المحلي على القطن المصري لا يزال ضعيفاً للغاية، ولا يستوعب سوى كميات محدودة من الإنتاج، وهو ما يضعف القدرة على تسويق المحصول محلياً، ويؤثر على قدرته على المنافسة عالمياً، كما ينعكس على تحديد أسعار عادلة للمزارعين.
ووفقًا للنشرة السنوية لإحصاءات القطن لعام 2025، بلغ إجمالي إنتاج القطن الشعر نحو 1.7 مليون قنطار متري عام 2025، مقابل 2.5 مليون قنطار متري عام 2024، بنسبة انخفاض بلغت 29.6%.
وفي المقابل، ارتفع إجمالي استهلاك الأقطان المحلية إلى 182.22 ألف قنطار متري خلال الموسم (سبتمبر/ أغسطس) 2025، مقابل 107.5 ألف قنطار متري خلال الموسم السابق، بنسبة زيادة بلغت 69.6%.
ورغم ارتفاع الاستهلاك، سجل المخزون الفعلي من القطن الشعر زيادة كبيرة، ليصل إلى 994 ألف قنطار متري في 31 أغسطس 2025، مقابل 453.8 ألف قنطار متري في التاريخ نفسه من عام 2024، بنسبة زيادة بلغت 119%.
كما ارتفع مخزون الأقطان المستوردة إلى 60.8 ألف قنطار متري، مقارنة بـ33.6 ألف قنطار متري في العام السابق، بنسبة زيادة بلغت 80.7%، وهو ما يعكس استمرار وجود مخزون كبير من القطن المحلي والمستورد في الوقت نفسه.
أزمة الأسعار
وفي المقابل، أقرت الحكومة بأن أزمة الأسعار كانت أحد الأسباب الرئيسية التي أثرت على قرارات المزارعين خلال الموسمين الماضي والحالي.
وقال المتحدث الرسمي باسم مركز البحوث الزراعية، مصطفى عمارة، إن اعتراض القطاع الخاص على أسعار الضمان التي حددتها الحكومة قبل عامين، والتي تراوحت بين 10 و12 ألف جنيه للقنطار، جاء بسبب تجاوزها الأسعار العالمية للتصدير، ما دفع الشركات إلى العزوف عن المشاركة في مزادات التسويق، قبل أن تضطر الحكومة لاحقًا إلى تقديم دعم بقيمة ألفي جنيه للقنطار.
وأضاف مصطفى عمارة: “في الموسم الماضي، تراجعت الأسعار بمتوسط ثلاثة آلاف جنيه للقنطار مقارنة بالموسم السابق، وفي ظل عدم وجود أسعار ضمان من الحكومة، اشترى القطاع الخاص القطن من المزارعين بأسعار لا تغطي تكلفة الإنتاج ولا تحقق هامش ربح مناسب، وهو ما دفع جزءًا كبيرًا منهم إلى العزوف عن زراعة القطن في الموسم الجاري”.
وفي السياق ذاته، أصدرت وزارة الزراعة بيانًا أكدت فيه أن المساحة المنزرعة فعليًا بمحصول القطن، وفقًا للحصر الميداني، بلغت حتى الآن نحو 164 ألف فدان على مستوى الجمهورية.
وأوضحت الوزارة أن المستهدفات الأولية التي وردت من مديريات الزراعة في 16 محافظة مع بداية الموسم كانت تستهدف زراعة نحو 214 ألف فدان.
خطة للإنقاذ
وأثار استمرار تراجع المساحات المزروعة بالقطن مخاوف داخل مجلس النواب، وسط مطالبات بوضع خطة واضحة لإنقاذ المحصول وضمان عودة المزارعين إلى زراعته.
وقال النائب عمرو السعيد فهمي، عضو مجلس النواب، إن الفلاح يتحمل أعباء كبيرة في زراعة القطن، بينما لا يحصل في كثير من الأحيان على عائد يتناسب مع حجم الجهد المبذول وتكاليف الإنتاج، مؤكدًا أن استمرار هذا الوضع يهدد بمزيد من تراجع المساحات المنزرعة ويؤثر سلبًا على مستقبل المحصول الاستراتيجي.
وطالب النائب بوضع خطة واضحة للتوسع في زراعة القطن، وإعلان سعر ضمان عادل ومجزٍ قبل بداية موسم الزراعة، إلى جانب حماية الصناعة الوطنية من الممارسات التي تضر بالمنتج المحلي، والتوسع في تشغيل مصانع الغزل والنسيج وتعظيم القيمة المضافة للقطن المصري، بدلًا من تصديره خامًا.
وأكد أن دعم زراعة القطن ينعكس بصورة مباشرة على صناعة الغزل والنسيج، ويوفر آلاف فرص العمل، ويعزز القدرة التنافسية للمنتج المصري، مشددًا على أن استعادة ريادة مصر في هذا القطاع تتطلب تنسيقًا كاملًا بين وزارات الزراعة والصناعة وقطاع الأعمال العام والتجارة الخارجية، بما يحقق مصلحة الفلاح والمصنع والاقتصاد الوطني.
وبين تراجع المساحات، وتراكم المخزون، وأزمة التسويق، يبقى مستقبل القطن المصري مرتبطًا بقدرة المنظومة على تحقيق توازن بين حماية المزارع، وتشغيل الصناعة، وضمان وجود سوق قادرة على استيعاب “الذهب الأبيض” الذي ارتبط تاريخيًا باسم مصر.