“الحكومة بتزوغ”.. هل تحولت طلبات الإحاطة في البرلمان إلى حبر على ورق؟

 

كيف يمارس البرلمان رقابته إذا كان الوزراء لا يحضرون للمساءلة؟ سؤال يتكرر مع كل جلسة تتعطل فيها مناقشة طلبات الإحاطة بسبب غياب الوزراء، في مشهد بات يثير غضب النواب، ويعيد طرح تساؤلات بشأن فاعلية الأدوات الرقابية وحدود العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وتكشف جلسات مجلس النواب خلال الفترة الأخيرة نمطاً بات مألوفاً؛ طلبات إحاطة مدرجة على جدول الأعمال، ونواب ينتظرون حضور الوزراء، بينما تغيب الحكومة أو تكتفي بإرسال ممثلين لا يملكون صلاحية اتخاذ القرار.
ومع تكرار هذه الوقائع، لم يعد الأمر مجرد حالات فردية، بل تحول إلى أزمة تضع فعالية الرقابة البرلمانية موضع تساؤل.

تجاهل متكرر

كانت أحدث حلقات الأزمة داخل اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، بعدما تعذرت مناقشة أربعة طلبات إحاطة بسبب غياب ممثلي الحكومة، وهو ما أثار موجة واسعة من الاعتراضات بين النواب الذين اعتبروا أن تكرار الغياب يمثل انتقاصاً من الأدوات الرقابية التي منحها الدستور للمجلس.
وانتقد الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل وعضو لجنة الشؤون الاقتصادية، غياب ممثلي الحكومة عن حضور الاجتماع، مؤكداً أن ما حدث يستوجب “وقفة حقيقية” تجاه هذا الوضع، مشيراً إلى أن الأدوات الرقابية متاحة، إلا أن الأدوات الأكثر تأثيراً تظل في يد مكتب المجلس.
وشدد فؤاد على أن مثل هذه الوقائع “لا يجوز أن تحدث ولو لمرة واحدة”، رافضاً أن يصبح عدم استجابة المسؤولين لاستدعاء البرلمان أمراً معتاداً، وقال: “مينفعش تعتاد فكرة إن ممكن مسؤول يطلبه البرلمان وميحضرش… دي يجب أن تهتز لها الرؤوس وتهتز لها الكواكب لما البرلمان يطلب المسؤول وميحضرش”.
وانتقد ما وصفه بحالة “التطبيع” مع هذه الوقائع، معتبراً أن الاكتفاء بالاعتذارات المتكررة لا ينسجم مع الممارسة السياسية الرشيدة، ويضعف من مكانة البرلمان ودوره الرقابي.

ملفات مؤجلة

ولم تكن اللجنة الاقتصادية أول ساحة تشهد هذا الجدل، إذ سبقها اعتراض النائب فريدي البياضي، نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، على غياب وزير التموين أثناء مناقشة طلب الإحاطة الذي تقدم به بشأن توجه الحكومة لإلغاء الدعم العيني والتحول إلى الدعم النقدي.
ورفض البياضي مناقشة الطلب في حضور مساعدي الوزير فقط، مؤكداً تمسكه بحضور الوزير شخصياً، بالنظر إلى حساسية الملف وتأثيره المباشر على المواطنين.
وفي السياق ذاته، انتقد النائب شادي الكومي تكرار تغيب الوزراء عن حضور الجلسات والاجتماعات البرلمانية، ولا سيما تلك التي تناقش قضايا تمس المواطنين بصورة مباشرة، مؤكداً أن احترام الأدوات الرقابية يقتضي حضور الوزير المختص بنفسه، لأن ممثلي الوزارات “ليسوا أصحاب قرار”.
أما النائب ضياء الدين داود، فرأى أن وجود الحكومة تحت قبة البرلمان لا يتعلق بمجرد الحضور الشكلي أو “ملء العين”، وإنما يمثل ضرورة لضمان رقابة حقيقية وفعالة، مؤكداً أن مستوى التفاعل الحالي لا يتناسب مع الظروف التي تمر بها البلاد.
وفي المقابل، عبّر النائب محمد عبدالعليم داود عن حالة الإحباط التي أصابت بعض النواب، معتبراً أن استمرار هذا الوضع قد يدفعه إلى ترك موقعه، والاعتراف للمواطنين بعدم القدرة على تحقيق إنجازات حقيقية.

أزمات متلاحقة

وامتد الجدل إلى ملفات أخرى لا تقل أهمية، ففي لجنة الطاقة والبيئة أثار غياب وزير الكهرباء أثناء مناقشة أزمة العدادات الكودية غضب النواب، ووصف النائب أحمد فرغلي غياب الوزير بأنه “هروب من المواجهة”، مؤكداً أن القضية لا تتعلق بالعدادات وحدها، وإنما بما وصفه بتحميل المواطنين أعباء قرارات حكومية مرتبكة.
ورفض فرغلي، في وقت سابق، مناقشة طلبات الإحاطة الخاصة بأزمة المعاشات داخل لجنة القوى العاملة، بعد غياب رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عن حضور الاجتماع.
وفي القطاع الصحي، تعرض وزير الصحة لانتقادات بسبب غيابه عن مناقشة طلبات الإحاطة داخل البرلمان، قبل أن تتصاعد الأزمة عندما توجه عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ إلى مكتبه لمناقشة عدد من الملفات.
وروى النائب طارق عبدالعزيز أن اللقاء شهد حالة من التوتر، موضحاً أن الوزير انفعل بصورة مفاجئة وغادر الاجتماع قبل استكمال المناقشات، قائلاً: “أنا غلطان إني نزلت أقابلكم”، وهو ما اعتبره النائب تصرفاً لا يليق بمؤسسات الدولة.

غياب جماعي

وفي ملف العاملين بمراكز الشباب، كشف النائب أحمد بلال البرلسي عن تغيب وزراء التخطيط والمالية والعمل، إلى جانب رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، عن اجتماع خُصص لمناقشة أوضاع العاملين، بينما اقتصر الحضور الحكومي على وزير الشباب والرياضة.
واعتبر البرلسي أن هذا الغياب يعكس غياب الإرادة الحقيقية لحل الأزمة، رغم وجود توصيات واضحة صادرة عن اللجنة المختصة، تتضمن إعداد هيكل وظيفي للعاملين، وطرح مسابقات لتعيينهم، وتوفير مظلة تأمينية لهم.
في المقابل، دافع وزير الشباب والرياضة عن الوزراء الغائبين، مؤكداً أن الحكومة تعمل بروح الفريق الواحد، وأن غياب بعض الوزراء لا يعني عدم اهتمامهم بالقضية، وإنما لأن وزارة الشباب هي الجهة المختصة مباشرة بهذا الملف.

تبرير الحكومة 

ومع تصاعد الانتقادات، حاولت الحكومة احتواء الأزمة، فقد أكد المستشار هاني حنا، وزير شؤون المجالس النيابية، أن رئيس مجلس الوزراء أصدر تعليمات مشددة بضرورة التزام الوزراء بحضور الجلسات البرلمانية والتواصل المستمر مع رؤساء اللجان.
وشدد حنا على ضرورة عدم تعميم الاتهامات على جميع الوزارات، داعياً النواب إلى إبلاغه بأي حالة تقصير بشكل مباشر، موضحاً أنه في حال تعذر حضور أي وزير يتم التنسيق مسبقاً مع رئيس اللجنة المختصة وإبلاغه بأسباب الغياب.

غضب شعبي

ولم يبق الجدل داخل أروقة البرلمان، بل امتد إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث رأى عدد من المواطنين أن تكرار غياب الوزراء يعكس تراجعًا في مكانة المؤسسة التشريعية.
وقال يحيى القليبي إن الحكومة أصبحت تتعامل مع البرلمان باعتباره بلا تأثير حقيقي، فيما سخر محمد إبراهيم من المشهد، معتبرًا أن ما يحدث يعكس “احتقاراً” للمجلس.
أما محمود عادل الشيخ، فاختصر المشهد بتعليق ساخر: “ابعتوا شكاوى على الخط الساخن”، بينما عبّر أحمد الخضراوي عن غضبه بقوله إن المسؤولين “يعيشون في السماء السابعة”، بينما يتحمل المواطنون وحدهم تبعات الأزمات.

خلل رقابي

ويرى الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن عزوف الوزراء عن حضور جلسات البرلمان ليس ظاهرة جديدة، وإنما امتداد لطبيعة العلاقة غير المتوازنة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في مصر.
ويقول إن الوزراء يدركون أن السلطة التنفيذية هي الطرف الأقوى في معادلة الحكم، بينما تظل صلاحيات البرلمان، رغم اتساعها الدستوري، محدودة في التطبيق العملي، وهو ما انعكس على مستوى تعامل الحكومة مع المؤسسة التشريعية.
ويضيف أن المركزية الشديدة التي تميز الإدارة المصرية جعلت السلطة التنفيذية تنظر إلى بقية مؤسسات العملية السياسية، سواء الرسمية أو غير الرسمية، من موقع التفوق، وهو ما انعكس على تعامل الوزراء مع البرلمان.
ويشير ربيع إلى أن طبيعة تشكيل البرلمان الحالي أسهمت كذلك في تكوين هذا الانطباع لدى الحكومة، معتبراً أن الوزراء لا يشعرون بوجود ضغط سياسي حقيقي يدفعهم إلى الالتزام بالحضور أو التعامل مع البرلمان باعتباره سلطة رقابية قادرة على محاسبتهم.
بل ويذهب إلى أن بعض الممارسات البرلمانية، مثل لجوء بعض النواب إلى الوزراء لقضاء مطالب خدمية أو فردية، ساهمت في ترسيخ هذه النظرة، وأضعفت من صورة البرلمان بوصفه سلطة رقابية مستقلة، الأمر الذي شجع الحكومة، من وجهة نظره، على التعامل مع جلسات المجلس باعتبارها أقل أولوية من غيرها.

أضف تعليقك
شارك