“العيال كبرت”.. وآلاف الحاجزين لم يتسلموا شقق الإسكان في كفر الشيخ

طفل كان في المرحلة الابتدائية عندما دفعت أسرته مقدم حجز وحدة سكنية، واليوم أصبح خريج جامعة، بينما لا تزال الشقة التي انتظرتها الأسرة حبيسة الوعود والقرارات المؤجلة.

هكذا تختصر آلاف الأسر في محافظة كفر الشيخ واحدة من أقدم أزمات الإسكان الاجتماعي في مصر، بعدما تحوّل حلم امتلاك مسكن إلى رحلة انتظار امتدت لما يقرب من عقدين، تنقل خلالها المواطنون بين مكاتب المسؤولين وقاعات البرلمان دون الوصول إلى حل نهائي.

فمنذ عام 2005، ينتظر نحو 13 ألف حاجز الحصول على وحداتهم السكنية بعد سداد مقدمات الحجز والأقساط المطلوبة، إلا أن المشروع ظل يراوح مكانه، بينما بقي مصير آلاف الأسر معلقًا بين الوعود الحكومية والدراسات المتكررة.

حلم مؤجل

قال المواطن عصام مطاوع عبر “فيسبوك”: “أنا مقدم على شقة من سنة 2008 ودافع 5000 جنيه مقدم حجز، وحتى الآن لم أستلم الشقة، وسني تجاوز 55 سنة وساكن إيجار جديد ومحتاج الشقة ولو في أي مكان”.

وتقول شيماء عبد الخالق، إحدى المتضررات من تأخر تسليم الوحدات السكنية، إنها تقدمت لحجز وحدة سكنية عام 2016، وسددت مقدم الحجز والأقساط المطلوبة على مدار السنوات الماضية، لكنها لم تتسلم وحدتها حتى الآن.

وأضافت: “أنا مطلقة وعندي أولاد، وقت التقديم كانوا في المرحلة الإعدادية، وبعد كل السنين دي ولادي اتخرجوا من الجامعة ولسه ما استلمتش الشقة”.

وأوضحت أنها كانت تأمل في التخلص من أعباء الإيجار، خاصة أنها تعتمد على راتبها فقط في إعالة أسرتها، لكنها فوجئت لاحقًا بتخصيص المشروع لصالح صندوق التنمية الحضرية، بينما ما تزال المحافظة تدرس توفير أرض بديلة لإقامة مشروع جديد للحاجزين.

استغاثات مؤلمة

ولم تكن شيماء وحدها من ينتظر نهاية الأزمة، إذ تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا لسيدة خمسينية من أبناء المحافظة وجهت خلاله استغاثة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بسبب عدم حصولها على وحدة سكنية رغم تقدمها للحجز منذ عام 2005.

وقالت السيدة في رسالتها: “قدمنا وسن عيالنا كان 3 سنين، دلوقت عيالنا في الجيش وعندهم 23 و24 سنة.. أجوزهم فين؟ أنا قاعدة في أوضة مع حماتي و3 سلايفي، والمحافظ نفسه عملي استثناء من الدور”.

وأضافت أن أحد موظفي مجلس المدينة مزق أوراقها وألقى بها في سلة المهملات، قائلة إن الموظف قال لها: “روحي للمحافظ خليه يجي يسلمك”، على حد روايتها.

وتابعت: “في ناس عندها أبراج سكنية وخدت بدل الشقة خمس شقق، وروحت بنك مصر من سنة قالولي شقتك اتسلمت، مين اللي استلم شقتي؟”.

وفي مقطع آخر، ظهرت سيدة من المتضررات تناشد المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان، التدخل لحل الأزمة، مؤكدة أنها من الفئات الأولى بالرعاية الاجتماعية.

وقالت: “أناشد المهندسة راندة المنشاوي بصفتها أم، لما الإيجار بيعلى بروح عمارات الإسكان الاجتماعي، وفي آخر زيارة لقيت حمار ساكن مكان آدمي وأنا مش لاقية مكان أسكن فيه”.

وأضافت: “ادوني مكان الحمار وأنا أسكن فيه.. أنا من الحالات الأولى بالرعاية الاجتماعية ومش عارفة أخد شقة”.

معاناة مستمرة

أما هانم محمد، فتصف سنوات الانتظار بأنها “رحلة عذاب” طويلة، موضحة أنها تقدمت لحجز وحدة سكنية منذ نحو عشر سنوات، لكنها لم تحصل عليها حتى الآن.

وقالت: “معاشي 3 آلاف جنيه وبنتي مطلقة وساكنة إيجار جديد والمعاش مش مكفي، ونفسي استلم الشقة وأطمن على بنتي وعيالها”.

وأضافت أنها تعول ابنتها المطلقة وحفيدتيها، بينما تلتهم قيمة الإيجار الجديد أكثر من 75% من دخلها الشهري.

تحت القبة

ومع تصاعد شكاوى المواطنين، انتقلت الأزمة إلى مجلس النواب، حيث ناقشت لجنة الإدارة المحلية في مايو 2025 عددًا من طلبات الإحاطة المتعلقة بتأخر تسليم وحدات الإسكان الاجتماعي لنحو 13 ألف حاجز بمحافظة كفر الشيخ.

وشهدت المناقشات انتقادات حادة بسبب استمرار الأزمة رغم تخصيص أرض المشروع البالغة مساحتها نحو 109 أفدنة منذ عام 2005.

وأعربت اللجنة عن استيائها من عدم تنفيذ التوصيات السابقة المتعلقة بحل المشكلة، فيما انتقد نواب المحافظة استمرار التأخير رغم توجيهات القيادة السياسية بضرورة توفير السكن الملائم للمواطنين.

وقال النائب عمرو درويش، أمين سر لجنة الإدارة المحلية، إن تكرار الوعود دون تنفيذ يعكس وجود أزمة حقيقية، مضيفًا أن المواطنين سددوا مقدمات الحجز والتزموا بكافة الاشتراطات، بينما لا تزال أوضاعهم معلقة منذ سنوات.

وتساءل: “هل سيحصل المواطن على الوحدة بنفس القيمة التي تقدم بها عام 2005؟ وماذا سيكون مصير الأموال التي دفعها طوال هذه السنوات؟”.

وفي أبريل 2026، تقدمت النائبة أسماء حجازي بطلب إحاطة إلى مجلس النواب بشأن شكاوى قطاع واسع من المواطنين المتضررين من تأخر تسليم وحدات الإسكان.

ومن جانبه، قال النائب الدكتور محمد خليفة إن محافظة كفر الشيخ تعد المحافظة الوحيدة التي تفاقمت فيها أزمة الإسكان الاجتماعي بهذا الشكل لعقود طويلة.

وأوضح أن عددًا كبيرًا من المواطنين لم يتمكنوا من الانتفاع بالوحدات السكنية بسبب معوقات متعددة، أبرزها عدم اكتمال البنية الأساسية اللازمة لتشغيل المشروعات.

وأشار إلى أن وزارة الإسكان هي الجهة المسؤولة عن تنفيذ وحدات الإسكان الاجتماعي، بينما يقتصر دور المحافظة على توفير الأراضي المرفقة والصالحة للبناء.

أرقام رسمية

وبينما تتواصل شكاوى الحاجزين، تشير البيانات الرسمية إلى تنفيذ آلاف الوحدات السكنية داخل المحافظة خلال السنوات الماضية.

فبحسب موقع رئاسة الجمهورية، تم تنفيذ 3326 وحدة سكنية بتكلفة 678 مليون جنيه، بينها 854 وحدة جرى الانتهاء منها في مارس 2018 بتكلفة 212 مليون جنيه بمراكز الرياض والحامول وسيدي سالم ومطوبس والبرلس وكفر الشيخ.

كما تم تنفيذ 2166 وحدة خلال عام 2019 بتكلفة 329 مليون جنيه، إلى جانب 216 وحدة أخرى جرى الانتهاء منها في مارس 2020 بتكلفة 51 مليون جنيه في مراكز بيلا ومطوبس وفوة وقلين والحامول ودسوق وبلطيم.

إلا أن موقع رئاسة الجمهورية ومحافظة كفر الشيخ لم يوضحا عدد الوحدات السكنية التي جرى تسليمها فعليًا للمواطنين.

اعتراف بالأزمة

وفي مواجهة الانتقادات المتصاعدة، اعترف عمرو البشبيشي، نائب محافظ كفر الشيخ، بوجود أزمة حقيقية، مؤكدًا أن المحافظة تعمل على إيجاد حلول لها رغم محدودية الأراضي المملوكة لها.

وفي 15 يونيو 2026، اعترف المهندس إبراهيم مكي، محافظ كفر الشيخ، بمعاناة حاجزي الإسكان الاجتماعي منذ 20 عامًا، موضحًا أنه جرى تخصيص 109 ملايين جنيه لتنفيذ أعمال تغذية الكهرباء بمشروع الإسكان الاجتماعي بعمارات “تحيا مصر” الجديدة غرب مدينة كفر الشيخ.

وأوضح أن هذه الخطوة تأتي تمهيدًا لإطلاق التيار الكهربائي للوحدات السكنية بالمشروع، في إطار استكمال المرافق الحيوية والانتهاء من توصيل الكهرباء لخدمة المنتفعين.

وأكد المحافظ أنه سيتم التوصيل النهائي للتيار الكهربائي خلال ثلاثة أشهر، مع استكمال إجراءات تركيب العدادات للوحدات السكنية.

وعود في مواجهة الواقع

لكن هذه الوعود تأتي في وقت تؤكد فيه وزارة الإسكان تحقيق معدلات غير مسبوقة في تنفيذ مشروعات الإسكان الاجتماعي على مستوى الجمهورية.

وتقول مي عبدالحميد، الرئيس التنفيذي لصندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، إن الصندوق نجح في تسليم 713 ألف وحدة سكنية استفاد منها نحو 3.5 مليون مواطن.

وأضافت أن الصندوق ينفذ حاليًا مليونًا و79 ألف وحدة سكنية لمحدودي ومتوسطي الدخل، فيما تطرح هيئة المجتمعات العمرانية نحو مليون وحدة إضافية بين أراضٍ ووحدات سكنية متنوعة.

ورغم هذه الأرقام الضخمة، لا يزال آلاف المواطنين في كفر الشيخ ينتظرون استلام وحداتهم بعد سنوات طويلة من دفع مقدمات الحجز والأقساط، لتبقى الأزمة واحدة من أكثر ملفات الإسكان الاجتماعي تعقيدًا، وتطرح تساؤلات مستمرة حول أسباب تعثرها طوال عقدين كاملين، رغم تعاقب الحكومات والمحافظين وتكرار الوعود بحلها.

أضف تعليقك
شارك