في واحد من أكثر ملفات سوق العمل حساسية وتعقيدًا، تتباين الصورة بين تقديرات تتحدث عن وجود أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية داخل مصر، وبيانات رسمية لا تُظهر سوى عشرات الآلاف الحاصلين على تصاريح عمل.
هذا التباين لا يعكس مجرد اختلاف في الأرقام، بل يشير إلى فجوة أعمق في آليات الحصر والرصد.
وبينما تتعدد المصادر والتقديرات، يبقى السؤال الأساسي مرتبطًا بقدرة المنظومة الرسمية على تقديم صورة دقيقة للواقع الفعلي داخل سوق العمل، وكيف ظل هذا الملف لسنوات يتحرك بين التوسع غير المنظم ومحاولات التقنين المتأخرة.
تقديرات متباينة
تزداد حالة الجدل حول الحجم الحقيقي للعمالة الأجنبية داخل مصر في ظل تضارب الأرقام بين مصادر مختلفة.
فقد كشف عبدالوهاب خضر، المتحدث الرسمي والمستشار الإعلامي لوزارة العمل، أن الأعداد الفعلية للعمالة الأجنبية تُقدّر بالملايين، وهو ما يستدعي إجراءات أكثر صرامة للحصر والتقنين.
وأكدت جمعية خبراء الضرائب المصرية أن 99% من العمالة الأجنبية لا تعمل وفق أوضاع قانونية مكتملة، ولا تخضع للضرائب أو التأمينات الاجتماعية.
وقال المحاسب الضريبي أشرف عبدالغني، مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، إن بيانات منظمة الهجرة الدولية تشير إلى وجود نحو 9 ملايين وافد داخل مصر، من بينهم نحو 4 ملايين سوداني، و1.5 مليون سوري، ومليون يمني وليبي.
وسبق أن قدّر وزير العمل السابق محمد جبران عدد العمالة الأجنبية بنحو 4 ملايين عامل.
وتأتي هذه الأرقام في ظل استمرار معدل البطالة بين المصريين عند 6.3% وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أبريل 2026، حيث بلغ عدد المتعطلين 2.136 مليون شخص خلال عام 2025.
بيانات رسمية
في المقابل، تعكس البيانات الرسمية صورة مختلفة تمامًا لحجم العمالة الأجنبية الحاصلة على تراخيص عمل.
فوفقًا للنشرة السنوية للأجانب العاملين في القطاع الخاص
والاستثماري لعام 2024، بلغ عدد الحاصلين على تراخيص عمل 22.9 ألف أجنبي فقط، بزيادة 32% مقارنة بعام 2023.
وأوضحت النشرة أن 10 آلاف أجنبي حصلوا على تراخيص لأول مرة بنسبة 43.7%، بينما جرى تجديد تعاقدات 12.9 ألف أجنبي بنسبة 56.3%.
وتصدر الأوروبيون القائمة بعدد 8798 أجنبيًا بنسبة 38.4%، تلتهم الجنسيات الآسيوية غير العربية بعدد 7224 بنسبة 31.5%، ثم الدول العربية بعدد 4826 بنسبة 21.1%، ثم الدول الأفريقية غير العربية بعدد 1026 بنسبة 4.5%، وأخيرًا الدول الأمريكية بعدد 868 بنسبة 3.8%.
وتوزعت التراخيص عبر الجهات، حيث جاءت مديريات القوى العاملة في المقدمة بـ11.19 ألف ترخيص، ثم مكاتب الاستثمار بـ6392، ثم مكاتب الشركات بـ4558، وأخيرًا مكاتب البترول بـ762 ترخيصًا.
أما من حيث الوظائف، فقد تصدر المديرون بـ8343 أجنبيًا، ثم أصحاب المهن العلمية بـ5453، ثم الفنيون ومساعدو الأخصائيين بـ3530.
وفي الأنشطة الاقتصادية، جاء قطاع الإدارة العامة والدفاع والضمان الاجتماعي في الصدارة بـ5587، يليه إمدادات الكهرباء والغاز بـ4726، ثم التشييد والبناء بـ3676، ثم تجارة الجملة والتجزئة والإصلاح بـ2859.
تحركات حكومية متأخرة
أمام هذا التباين، بدأت الحكومة خلال الفترة الأخيرة اتخاذ خطوات لإعادة تنظيم الملف وإدخال مزيد من العاملين الأجانب إلى المنظومة الرسمية.
وأطلقت وزارة العمل بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار والاتحاد المصري للغرف السياحية مبادرة لتيسير استخراج تراخيص العمل للأجانب العاملين بالمنشآت السياحية.
وتستمر المبادرة لمدة 15 يومًا اعتبارًا من 15 يونيو 2026، وتشمل الأقصر وجنوب سيناء والبحر الأحمر والساحل الشمالي ومدينة العلمين، مع إمكانية التوسع لاحقًا.
كما تسمح بإصدار تصاريح عمل مؤقتة لمدة ستة أشهر للعاملين في مهنتي «عامل ترفيهي» و«منسق مجموعات»، مع إعفائهم من شرط الخبرة والاستقدام، وإعفاء المنشآت السياحية من الحد الأقصى لنسبة العمالة الأجنبية لهاتين المهنتين.
وامتدت التحركات إلى القطاع الرياضي، حيث ناقش وزير الشباب والرياضة مع وزير العمل تنظيم أوضاع الرياضيين والإداريين الأجانب داخل الأندية والاتحادات.
سوق ورسوم العمل
يرى مراقبون أن الإشكالية لا تتوقف عند الحصر فقط، بل تمتد إلى تأثيرات محتملة على سوق العمل المحلي.
وحذر إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، من أن غياب تحديد نسبة للعمالة الأجنبية قد يؤدي إلى ارتفاعها داخل بعض المنشآت إلى 60 و70%، خاصة مع انخفاض تكلفتها مقارنة بالعمالة المصرية.
وطالبت الخبيرة الاقتصادية سمر عادل بوضع سقف لا يتجاوز 15% للعمالة الأجنبية داخل المنشآت، مؤكدة ضرورة حماية فرص التشغيل للمصريين.
يتزامن ذلك مع تطبيق قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، الذي حدد رسوم تراخيص العمل بما يتراوح بين 5 آلاف و150 ألف جنيه.
وبحسب حسابات أولية، فإن تطبيق الحد الأدنى على أعداد كبيرة من العمالة غير الرسمية قد يرفع حصيلة الرسوم إلى أكثر من 20 مليار جنيه، بخلاف التأمينات وضرائب كسب العمل.
ويرى متابعون أن هذه الأرقام تعكس توجهًا نحو تقنين الأوضاع ودمج العمالة غير المسجلة في الاقتصاد الرسمي.
يبقى السؤال الأساسي مفتوحًا: كيف يمكن تفسير الفجوة الكبيرة بين الأرقام الرسمية والتقديرات المتداولة حول العمالة الأجنبية في مصر؟
فبين بيانات محدودة التراخيص، وتقديرات تشير إلى أعداد أكبر بكثير، يبدو الملف أمام مرحلة إعادة ضبط شاملة، لا تتعلق فقط بعدد العمالة، بل بآليات الحصر والتنظيم ودرجة دقة البيانات الرسمية في عكس الواقع الفعلي