في إحدى قرى مركز الوقف بمحافظة قنا، كان المزارع بدر فاوي يقف بين صفوف قصب السكر مع بداية يوم جديد، لكن المشهد الذي اعتاده طوال سنوات لم يعد كما هو.
لم يكن يتعامل هذه المرة مع التربة كعادته، بل مع سؤال واحد يتردد في ذهنه: كيف تغيّرت قواعد الزراعة فجأة دون أن تتغير الأرض نفسها؟
كان يعرف جيداً ما يعنيه القصب في حياته؛ موسم كامل من العمل، وديون تُسدَّد من “شيكات السماد” التي اعتاد الحصول عليها سنوياً، وميزانية أسرة تتوقف على ما يخرج من الفدان الواحد.
لكن هذا العام، بدأ الحديث بين المزارعين عن رقم مختلف: من 13 شيكارة للفدان إلى 5 فقط.
لم يكن الأمر بالنسبة له مجرد تعديل في الدعم، بل تغيير مباشر في معادلة الإنتاج نفسها: كيف يمكن لفدان قصب أن يمنح نفس المحصول بنصف التغذية تقريباً؟
في الحقول المجاورة، لم يكن بدر وحده في حالة حيرة، كانت نفس الأسئلة تتكرر بين مزارعي الصعيد، بصوت منخفض لكنه ثقيل: هل هذا قرار نهائي؟ وهل تستطيع الأرض أن تتحمل هذه المعادلة الجديدة؟
ومع تتابع النقاشات، بدأت الصورة تتضح تدريجياً؛ ما يواجهه بدر فاوي ليس حالة فردية، بل جزء من قرار أوسع يتعلق بإعادة تنظيم أو خفض منظومة الأسمدة المدعمة، يطال أكثر من مليوني فدان من محاصيل البساتين، إلى جانب مئات الآلاف من أفدنة قصب السكر وبنجر السكر.
أزمة تمتد إلى محاصيل التصدير
لم يتوقف القلق عند حدود قصب السكر. فالقرار امتد أيضاً إلى محاصيل البساتين مثل الموالح والنخيل والزيتون والرمان، وهي محاصيل تمثل أحد الأعمدة الأساسية في الصادرات الزراعية المصرية.
وبحسب بيانات القطاع الزراعي، حققت صادرات الموالح المصرية خلال عام 2025 نحو مليوني طن، لترسخ مصر مكانتها كأكبر مصدر للبرتقال في العالم للعام السادس على التوالي.
كما بلغت الصادرات الزراعية المصرية نحو 9.5 مليون طن من الحاصلات الزراعية، بزيادة تتجاوز 800 ألف طن مقارنة بالعام السابق، فيما وصلت قيمتها إلى نحو 11.5 مليار دولار مقارنة بـ3.5 مليار دولار فقط في عام 2019.
وتشير تصريحات وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق إلى أن القطاع الزراعي يمثل نحو 24% من إجمالي صادرات مصر، ما يجعله أحد أهم مصادر النقد الأجنبي .
لكن وسط هذه المؤشرات، يرى مزارعون أن القرار يهدد الأساس الذي تقوم عليه هذه الطفرة التصديرية .
صرخات المزارعين
المزارع سعيد عبدالجواد كان من أوائل من رفعوا صوتهم اعتراضاً، متوجهاً باستغاثة مباشرة إلى رئيس الجمهورية، مؤكداً أن وقف أو تقليص الأسمدة المدعمة لمحاصيل البساتين يهدد أكثر من مليوني فدان من الموالح والنخيل والمانجو والزيتون وغيرها.
وقال إن أسعار الأسمدة في السوق الحرة وصلت إلى مستويات تفوق قدرة المزارعين، ما ينذر بزيادة تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة التنافسية للقطاع الزراعي الذي يعد أحد أهم مصادر العملة الصعبة.
وأكد أن قطاع البساتين ليس مجرد نشاط زراعي، بل ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني وقاعدة رئيسية للتصدير.
غضب مزارعي القصب
وفي قلب أزمة القصب، يعود اسم بدر فاوي مرة أخرى كأحد المتأثرين المباشرين.
يقول المزارع إن قصب السكر محصول لا يحتمل التجارب، لأنه يعتمد على دورة إنتاج طويلة تمتد لعام كامل، وأي نقص في التسميد ينعكس مباشرة على المحصول والإنتاج .
ويضيف مزارعون آخرون من مركز الوقف أن تقليل الحصص السمادية “يقضي على الموسم قبل أن يبدأ”، مطالبين بإعادة النظر في القرار قبل فوات الأوان .
وفي السياق نفسه، طالب محمود أبو الشيخ، أحد مزارعي المنطقة، وزارة الزراعة بإلغاء القرار، مؤكداً أنه سيؤثر سلبًا على زراعة القصب في الصعيد .
كما وصف المزارع محمود بهدلي القرار بأنه متسرع، مشيرًا إلى أن المزارعين يواجهون بالفعل ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف الإنتاج وصعوبة في توفير المستلزمات الزراعية.
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، نشر المواطن عمر عبدالحميد استغاثة قال فيها إن حصص السماد التي كانت تصل إلى 13 شيكارة للفدان أصبحت 5 فقط، متسائلًا عن قدرة المزارعين على الاستمرار في زراعة القصب بهذه الكميات، ومحذرًا من تراجع الإنتاج وتفاقم الديون.
كما تقدم حمدي الشيخ، ممثلًا عن مزارعي قصب السكر بمحافظة قنا، بمذكرة إلى وزير الزراعة طالب فيها بإعادة النظر في القرار، مؤكدًا أن قصب السكر يمثل محصولًا استراتيجيًا يعتمد عليه آلاف المزارعين وصناعة السكر في مصر.
جمعية الموالح تدخل على الخط
الاعتراض لم يقتصر على الأفراد، بل امتد إلى مؤسسات إنتاجية، إذ رفضت الجمعية التعاونية الزراعية العامة لإنتاج وتسويق الموالح قرار إلغاء الحصة السمادية المدعمة للمحاصيل البستانية .
وأكدت الجمعية أن توقيت القرار يشكل عبئًا إضافيًا على المزارعين، ويهدد استقرار إنتاج الموالح، مشيرة إلى أن المقررات السمادية السابقة كانت مبنية على أسس علمية وتوصيات بحثية دقيقة تراعي طبيعة التربة واحتياجات المحاصيل.
تهديد يتجاوز الحقول
في المقابل، يرى خبراء أن التداعيات لا تتوقف عند حدود الإنتاج الزراعي، بل تمتد إلى الأسواق المحلية والخارجية.
الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة، قال إن مصر تصدر نحو 7 ملايين طن من الأسمدة سنويًا، مستفيدة من ارتفاع الأسعار العالمية.
وأضاف أن تقليص حصص المحاصيل الاستراتيجية ثم خفض الدعم عن محاصيل الفاكهة قد يدفع المزارعين إلى الاعتماد على السوق الحرة بأسعار مرتفعة، وهو ما سينعكس على أسعار الفاكهة وقدرتها التنافسية أمام دول مثل تركيا واليونان وإسبانيا وإيطاليا والمغرب والهند وباكستان.
وأشار إلى أن ذلك قد يهدد أحد أهم مصادر القوة التصديرية الزراعية لمصر.
خفض حصص الأسمدة
وفي سبتمبر 2025، وافقت الحكومة على خفض كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55% إلى 37% من إجمالي الكميات المنتجة .
كما ألزمت شركات الأسمدة بتوريد 2.4 مليون طن سنويًا، بواقع 200 ألف طن شهريًا، مقارنة بـ3 ملايين طن سابقًا، مع توفير جزء آخر يُطرح في السوق الحرة بالسعر العالمي .
البرلمان يدخل على خط الأزمة
ومع تصاعد الجدل، انتقلت القضية إلى مجلس النواب، إذ حذر النائب أمير الجزار من خطورة القرار على قطاع البساتين الذي يضم نحو 2.3 مليون فدان، منها 450 ألف فدان موالح، و300 ألف فدان نخيل، و200 إلى 250 ألف فدان زيتون، و120 ألف فدان مانجو.
النائب مدحت ركابي المنصوراوي أكد أن القرار أثار قلقًا واسعًا بسبب تأثيره على تكلفة الإنتاج ومستقبل المحاصيل الاستراتيجية.
أما النائب خالد خلف الله فتقدم بطلب عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الزراعة ومحافظ قنا لإعادة مقررات السماد لمحصول قصب السكر كما كانت (12 شيكارة للفدان).
فيما تقدم النائب الدكتور محمود المنوفي بطلب إحاطة، مؤكدًا أن قصب السكر يمثل أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في الصعيد، وأن أي نقص في مستلزمات الإنتاج سينعكس على الصناعة والإنتاج المحلي.
مبررات رسمية.. وصدمة في الحقول!
في المقابل، تحاول وزارة الزراعة الالتفاف على الأزمة بنفي استهداف “تقليص الدعم”، واصفة القرار بأنه مجرد “إعادة تنظيم وترشيد”.
ويبرر الدكتور محمد شطا، المسؤول بالوزارة، هذا الخفض المفاجئ بأن الاستخدام المفرط للأسمدة الآزوتية طوال العقود الماضية أدى إلى تدهور خصوبة التربة، زاعماً أن 30% منها يتطاير في الهواء دون استفادة.
وتدعي الوزارة أنها وضعت “خريطة سمادية” علمية تعتمد على احتياجات التربة والمعايير العالمية لحماية الإنتاج، داعية الفلاحين للتحول نحو “البدائل العضوية والمخصبات الحيوية”.
بين حقول قنا التي يبدأ فيها المزارع بدر فاوي يومه بحسابات مختلفة، وبيانات رسمية تتحدث عن إعادة ضبط منظومة الدعم، تتسع الأزمة لتتجاوز فكرة “السماد” وحدها.