تصاعدت الإعلانات الحكومية خلال الأسابيع الأخيرة عن ضبط أطنان من السلع والأغذية الفاسدة في المحافظات، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت الحملات الرقابية “صحوة جادة ومستدامة لحماية صحة المواطنين، أم موجة تشديد سريعًا ما تهدأ؟”.
ففي أحدث الوقائع، أعلنت محافظة بورسعيد ضبط كميات ضخمة من مصنعات اللحوم والدواجن الفاسدة داخل منشآت بالمنطقة الصناعية.
وأوضح بيان المحافظة أن الحملات المكثفة أسفرت عن ضبط 1180 كيلو من صدور الدجاج و1120 كيلو من اللانشون و590 كيلو مصنعات لحوم متنوعة.
أثبتت الفحوصات أن المضبوطات بدون بيانات تدل على مصدرها، وتخلو من تاريخي الإنتاج والصلاحية “مع وجود تغير واضح في الخواص الطبيعية”.
وأشار البيان إلى أنه جرى اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيال المنشآت المخالفة وتحرير المحاضر تمهيداً للعرض على النيابة العامة.
وقبل ذلك بساعات، أعلنت وزارة الداخلية ضبط مدير مصنع لتعبئة المواد الغذائية “غير مرخص ويفتقد الاشتراطات الصحية” في محافظة الغربية، عثر بداخله على أكثر من 14 طن مسلي معبأ داخل عبوات مدون عليها بيانات وهمية لا تشمل تاريخي الإنتاج والصلاحية.
كما أعلنت الداخلية ضبط مسؤول مخزن بمحافظة القاهرة، عثر بداخله على 51 طنا من الشاي والمواد الغذائية المعبأة داخل عبوات مدون عليها بيانات مغشوشة ومقلدة.
غش في المياه والزيوت
وقبل أيام أعلن جهاز حماية المستهلك ضبط مخزن غير مرخص بمحافظة الدقهلية يستخدم في تعبئة المياه وطرحها بالأسواق على أنها “مياه زمزم” بالمخالفة للحقيقة.
ولم تقتصر الحملات على الأغذية والمشروبات، حيث أسفرت حملات تموينية في محافظة الإسكندرية عن ضبط محطة تموين سيارات لحيازتها زيوت وشحوم مجهولة المصدر.
في سوهاج، ضبطت حملة لوزارة التموين 20 طن ردة مغشوشة، بعدما تبين خلطها بمواد أخرى بهدف زيادة الوزن والحجم بشكل وهمي على حساب الجودة والمواصفات القياسية.
من جهته، أعلن إبراهيم السجيني، رئيس جهاز حماية المستهلك، عن تنفيذ 730 حملة رقابية في أبريل 2026 شملت المرور على أكثر من 7,700 منشأة تجارية.
السجيني أشار إلى أن الحملات أسفرت عن ضبط 1,801 قضية متنوعة بينها 1,000 قضية تلاعب بالأسعار وضبط 16 طنًا من السلع الفاسدة.
آلاف الشكاوى من المواطنين
وأوضح أن الجهاز تلقى أكثر من 16 ألف شكوى من المواطنين في مختلف القطاعات، إلى جانب 78 بلاغًا ألف بشأن التلاعب في الأسعار.
ولفت إلى أنه تم التعامل معها وفق آليات الفحص السريع والتدخل الفوري.
وقال إن منظومة الشكاوى شهدت تفاعلًا متزايدًا من المواطنين، بما يعكس تنامي الوعي بدور الجهاز وفاعلية قنوات التواصل المختلفة.
وفي وقت تفاعل عدد واسع من المواطنين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بين مشيد بالحملات ومطالب باستمرارها “رغم أنها خطوة متأخرة”.
اعتبر آخرون أن هذه الحملات “موسمية” ولا تكشف سوى جزء بسيط من حجم الفساد الغذائي المنتشر في الأسواق.
وتعليقا على ضبط 3 أطنان من الدواجن النافقة وغير الصالحة للاستهلاك الآدمي بالجيزة، قال أبو كريم حسن قائلا: “ماذا يحدث في الجيزة، الأسواق كلها دجاج فاسد؟”.
وطالب أبو كريم بـ”تنظيم سوق الدواجن خلال الفترة القادمة، كصناعة وتداول حفاظا على الصحة العامة”.
ضمير غائب وخلل رقابي
فيما وجه أحمد إمام عبر حسابه على “فيسبوك” الشكر لمسؤولي مركز ومدينة الصف عقب ضبط أطنان من الدجاج النافق، لكنه حذر من ثنائي “غياب الضمير وعدم تنفيذ القانون الذي يصاحبه إهمال رقابي”.
وسلطت صفحة باسم “الوعي الوطني” الضوء على مغزى تكرار هذه الضبطيات من حين لآخر، معتبرة أنها تكشف عن “خلل مستمر في منظومة الرقابة قبل وصول السلع للأسواق، ما يستدعي تشديد العقوبات بدلا من تحرير مخالفات”.
بينما وجهت صفحة أخرى باسم “أهل كايرو” سؤالا وصفته بـ”المرعب” قائلة: “كم مرة ممكن تكون لحوم أو فراخ فاسدة وصلت للناس قبل ما تتكشف؟”.
الغش الغذائي وصل البرلمان
في فبراير الماضي، تقدمت النائبة صافيناز طلعت بطلب إحاطة موجه إلى وزير الصحة والسكان، حول تراجع دور الهيئة القومية لسلامة الغذاء في ظل تنامي ظواهر غش الأغذية وبيع منتجات منتهية الصلاحية أو مجهولة المصدر.
وأوضحت النائبة أن مخاطر الغش الغذائي لا تتوقف عند حدود استغلال المستهلكين ماديًا، بل تمتد إلى تهديد صحتهم وسلامتهم.
وأكدت أن الهيئة تُعد من الجهات الأساسية المنوط بها وضع القواعد الملزمة لسلامة الغذاء وفق المعايير الدولية، والرقابة على تداول المنتجات الغذائية المحلية والمستوردة، ومنع تداول غير الصالح منها للاستهلاك الآدمي.
وبينما تؤكد الحكومة أن هذه الحملات تأتي ضمن خطة شاملة لضبط الأسواق وحماية صحة المواطنين، يرى كثيرون أن حجم المضبوطات المعلن عنها يكشف عن ثغرات خطيرة في منظومة الرقابة اليومية.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل تتحول هذه الحملات إلى سياسة رقابية مستدامة تضمن سلامة الغذاء في مصر، أم أنها مجرد رد فعل مؤقت يخلّف وراءه واقعًا أكثر تعقيدًا؟