المكملات الغذائية الطبية خارج التسعيرة.. الشركات تتحايل لاستنزاف جيوب المرضى

قبل أسابيع، عانى حسن لقمان من ألم مستمر في منطقة الحوض، ما دفعه لزيارة طبيب مسالك بولية، ليشخص حالته بتضخم حميد في البروستاتا.

وصف له الطبيب عدداً من الأدوية، من بينها مكمل غذائي شائع الاستخدام في الحالات المشابهة، لكن حسن فوجئ داخل الصيدلية بأن الصيدلي أخبره بعدم حاجته لهذا المكمل تحديداً، واقترح عليه منتجاً آخر من إنتاج الشركة نفسها، يحمل الاسم ذاته تقريباً، لكنه أقل سعراً بنحو النصف.

بحسب حسن، تملكته الشكوك في البداية، واعتقد أن الصيدلي يحاول بيع المنتج المتوافر لديه فقط. إلا أن الطبيب، خلال الزيارة التالية، عرض عليه المستحضرين موضحاً الفارق بينهما؛ إذ يبلغ سعر ليمتلس بروستانورم ماكس نحو 410 جنيهات للعبوة (30 قرصاً)، بينما يبلغ سعر بروستانورم العادي 231 جنيهاً للعبوة ذاتها.

وأكد الطبيب لحسن أنه يمكنه شراء أيّ من المستحضرين، موضحاً أن الفارق الأساسي بينهما يعود إلى جهة الترخيص؛ فالأول مرخص من هيئة الدواء المصرية، ما يجعله خاضعاً للتسعير الجبري، بينما الثاني صادر ترخيصه عن الهيئة القومية لسلامة الغذاء، وبالتالي لا يخضع للتسعير الإجباري.

حسن لقمان ليس حالة فردية، بل واحد من آلاف المرضى الذين يحتاجون إلى مكملات غذائية ذات استخدام علاجي، ويصطدمون بسياسات بعض شركات الأدوية التي تصدر نسختين من المنتج ذاته، مع إضافة مكونات أو رفع تركيزات معينة، بالتوازي مع تقليل إنتاج النسخة الأقل سعراً، في محاولة للهروب من التسعير الجبري المفروض من هيئة الدواء.

الإطار القانوني وتعدد الجهات

في يونيو 2016، وافق مجلس الوزراء المصري على قانون إنشاء الهيئة القومية لسلامة الغذاء، كهيئة تتبع رئاسة الجمهورية، وتكون الجهة الرقابية المختصة بكافة مراحل تداول الغذاء.

وفي عام 2017، صدر القانون رقم 1 لسنة 2017، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الوزراء رقم 412 لسنة 2019، إلى جانب قرار مجلس إدارة الهيئة رقم 1 لسنة 2018 بشأن تنظيم تسجيل وتداول الأغذية ذات الاستخدامات التغذوية الخاصة.

وبموجب هذه القوانين، انتقلت تبعية المكملات الغذائية من هيئة الدواء المصرية إلى الهيئة القومية لسلامة الغذاء، باستثناء المكملات التي تحتوي على تركيزات تُعد ـ وفق دستور الأدوية ـ تركيزات دوائية وليست غذائية.

هذا الفصل القانوني بين الهيئتين خلق منطقة رمادية في سوق المكملات الغذائية، أتاحت للشركات مساحة واسعة للمناورة بين جهتي التسجيل، بما ينعكس في النهاية على توافر المنتجات وأسعارها.

فيتامين د.. تركيزات غائبة وأسعار مرتفعة

قبل ثلاثة أعوام، خضعت زهيرة يحيى لعملية جراحية لإزالة ورم عظمي، استلزمت ترقيعاً للعظام باستخدام أجزاء مأخوذة من الحوض.

احتاجت زهيرة، بعد الجراحة، إلى جلسات علاج طبيعي، إلى جانب مكملات غذائية داعمة لالتئام العظام، في مقدمتها فيتامين د.

بحسب الطبيب المعالج لزهيرة، فإن نسبة كبيرة من النساء المصريات المحجبات لا يحصلن على فيتامين د بصورة طبيعية، إذ يتطلب إنتاجه في الجسم التعرض المباشر لأشعة الشمس على مساحات واسعة من الجلد.

وبناءً على ذلك، أوصى الطبيب بحقنة فيتامين د بتركيز 200 ألف وحدة، إلى جانب جرعات يومية بتركيز أقل من 10 آلاف وحدة.

تقول زهيرة إن الحقنة المحلية منخفضة السعر، ولا يتجاوز ثمنها 34 جنيهاً، كما يتوافر بديل مصري آخر بسعر يقارب 50 جنيهًا، إلا أن كليهما غير متوافر في الصيدليات.

في المقابل، لا يتوافر سوى البديل المستورد، بسعر يزيد بنحو عشرة أضعاف، بينما تنتشر الأقراص ذات التركيزات المنخفضة التي لا تتجاوز 5 آلاف وحدة.

يوضح د. حاتم البدوي، أمين عام شعبة الصيدليات باتحاد الغرف التجارية، في حديثه لـ”أحوال مصرية”، أن الأزمة تعود إلى قواعد تسجيل مكملات فيتامين د، إذ لا تسمح هيئة سلامة الغذاء بتسجيل مكملات بتركيز يتجاوز 5 آلاف وحدة، بينما تخضع التركيزات الأعلى لهيئة الدواء، ما يجعلها مسعرة جبريًا، ويدفع الشركات إلى تقليل إنتاجها.

جهة واحدة.. وفوضى متعددة

يرى البدوي أن وجود جهتين لتسجيل المكملات الغذائية تسبب في فوضى بالسوق، مؤكداً أن الصيدليات تعاني من تراكم منتجات منتهية الصلاحية بسبب رفض شركات المكملات سحبها، وعدم استجابتها لمبادرة “wash out”، رغم مخاطبة هيئة سلامة الغذاء دون نتائج ملموسة.

ويشدد على أن المكملات الغذائية ليست رفاهية، خاصة لمرضى الأمراض المزمنة مثل السكري، والغسيل الكلوي، وأمراض العظام والقلب، الذين يفقدون عناصر أساسية من أجسامهم بسبب المرض أو العلاج.

يتقاطع هذا مع مبادرة جمعية الأورمان لدعم مرضى الفشل الكلوي غير القادرين، عبر توفير مكملات داعمة مثل فيتامين د والكالسيوم والحديد.

وبحسب رئيس إحدى وحدات الغسيل الكلوي في مستشفى حكومي، تحدث لـ”أحوال مصرية” وفضّل عدم ذكر اسمه، فإن الدولة تصرف مكملاً غذائياً واحداً فقط لمرضى الغسيل، هو “كارنتين”، وهو غير كافٍ لتعويض العناصر التي يفقدها الجسم خلال الغسيل.

منظومة التسويق

تروي مروة عبد الحي، المصابة بالسكري من النوع الثاني، أنها كانت تتناول مكملاً غذائياً منخفض السعر، قبل أن يغير طبيبها المكمل إلى منتج آخر من الشركة نفسها بسعر يقارب الضعف، مبرراً ذلك بارتفاع التركيزات.

لاحقاً، وبنصيحة الصيدلي، عادت إلى المكمل الأرخص، بعدما أكد لها عدم حاجتها للتركيزات المرتفعة، مرجعاً وصف الطبيب إلى احتمالية وجود اتفاق مع الشركة المنتجة.

يتسق ذلك مع ما قاله خالد القرشي (اسم مستعار)، مندوب بإحدى شركات الأدوية، في حديثه لـ”أحوال مصرية”، موضحاً أن وصف الأدوية بالاسم التجاري يمنح الأطباء مساحة لاختيار منتجات بعينها، في ظل اتفاقات وحوافز تشمل أموالاً مباشرة أو مؤتمرات داخلية وخارجية.

وأشار إلى اعتماد الشركات على “دواء بلوجرز”  للترويج للمكملات عبر منصات التواصل الاجتماعي مقابل مبالغ مالية.

ولا توجد أرقام رسمية لحجم سوق المكملات الغذائية في مصر، إلا أن تقديرات غير رسمية تشير إلى تضخم حجم الإنفاق عليه.

وبحسب محمد أنور، رئيس الجمعية المصرية لمصدري ومنتجي المكملات الغذائية، قال لـ«أحوال مصرية»، فإن حجم إنفاق المصريين على المكملات الغذائية خلال عام 2024 يُقدَّر بنحو 50 مليار جنيه، بزيادة تقارب 30% مقارنة بعام 2023، وفق تقديرات الجمعية

آلية التسعير

منذ 2016، تعاني سوق الدواء من أزمات نواقص متكررة بسبب التسعير الجبري وارتفاع تكلفة الإنتاج. وتعتمد هيئة الدواء في التسعير على مقارنة الأسعار الدولية وتقسيم الدواء إلى أصلي ومثيل.

هذه الآلية دفعت بعض الشركات إلى تقليص الإنتاج أو التوقف، قبل أن تبدأ الأزمة في الانحسار نهاية 2024 بعد تحريك الأسعار، وهو ما دفع شركات أخرى إلى الاتجاه نحو تسجيل منتجاتها كمكملات غذائية غير مسعرة.

يرى محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصري لحماية الحق في الدواء، في حديثه لـ”أحوال مصرية”، أن شركات عديدة تقلل إنتاج المكملات المسعرة جبرياً، لصالح مكملات مسجلة بهيئة سلامة الغذاء لتحقيق أرباح أكبر، معتمدين على اتفاقات تسويقية مع الأطباء.

وأشار إلى تنظيم مؤتمرات طبية في منتجعات سياحية بالمخالفة للمواثيق الدعائية، وإلى استفادة شركات المكملات من غياب تنظيم الدعاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رغم وصول أول تشريع بهذا الشأن إلى وزارة الصحة مؤخرا.

سوق بيع الملفات

رصد التحقيق وجود سوق لبيع ملفات تسجيل المكملات الغذائية. ويوضح فؤاد أن تكلفة تسجيل الملف قد تصل إلى 500 ألف جنيه، بينما يُباع لاحقاً بملايين الجنيهات، مشيراً إلى وجود أكثر من 4 آلاف ملف مسجل.

والمقصود بسوق بيع ملفات تسجيل المكملات الغذائية بحسب فؤاد، هو نشاط يتم بين الشركات، يقوم على تسجيل مكمل غذائي كامل لدى الهيئة القومية لسلامة الغذاء، ثم بيع أو نقل ملكية ملف التسجيل الرسمي – الذي يضم التركيبة المعتمدة وبيانات المنتج –  إلى شركة أخرى مقابل مبلغ مالي، بدلاً من قيام صاحب الملف الأصلي بتصنيع المنتج أو تسويقه بنفسه.

في المقابل، يرى د. علي عوف، رئيس شعبة الأدوية والمكملات الغذائية بالغرف التجارية، في حديثه لـ”أحوال مصرية”، أن بيع الملفات إجراء قانوني عالمي، وأن تسجيل المكملات بهيئة سلامة الغذاء أمر مشروع، والمخالفة الوحيدة تقع حال تطابق الاسم والتركيب دون اختلاف.

ويؤكد عوف أن المكملات لا تُسعر جبرياً عالمياً، وأن المشكلة الأساسية تكمن في عدم إلزام الأطباء بوصف الدواء بالاسم العلمي، داعياً إلى نشر الثقافة الدوائية.

حاولت “أحوال مصرية” الحصول على تعليق من د. طارق الهوبي، رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء، ود. محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، دون رد حتى موعد النشر.

في هذا السياق، يتحمل متوسطي الدخل العبء الأكبر، إذ لا تشملهم مظلة الدعم الدوائي، ولا يملكون في الوقت ذاته القدرة على مواكبة الارتفاع المستمر في أسعار المكملات الغذائية. ومع خروج هذه المنتجات من أي تسعير مُلزم، تتحول من عنصر داعم للعلاج إلى كلفة إضافية تُستنزف من ميزانية الأسرة.

أضف تعليقك
شارك