فجأة، توقف هاتف زياد حجاج عن العمل. لاعب منتخب مصر للشباب للمصارعة، صاحب الـ19 عامًا، الذي قال لزملائه إنه “هيلحقهم” في المران، لكنه لم يلحق بأحد، وغادر فندق إقامة البعثة في سلوفاكيا، وترك خلفه بطولة عالمية انتهت للتو، وفريقًا يبحث عنه، وسؤالًا يتكرر في مصر منذ سنوات: لماذا يهرب أبطالنا من بعثاتهم؟
اختفاء حجاج جاء عقب انتهاء منافساته في بطولة العالم للشباب بوزن 61 كجم مصارعة حرة، حيث كان يستعد أعضاء المنتخب لمران تحت إشراف المدير الفني، فأخبرهم بلحاقه بهم “بعد دقائق”، قبل أن يختفي تمامًا.
أحمد راشد، أمين صندوق اتحاد المصارعة ورئيس البعثة، تحرك فور اكتشاف الواقعة وأبلغ وزارة الشباب والرياضة والسفارة المصرية والجهات المختصة.
اللافت أن والد اللاعب، المقيم في أسيوط، كان قد وقّع قبل السفر إقرارًا رسميًا موثقًا بالشهر العقاري يتحمل بموجبه المسؤولية القانونية لعودة نجله إلى مصر. ورغم ذلك، استغل المصارع الشاب حصوله على تأشيرة “شنجن” ليغادر مقر البعثة.
الوزارة، من جانبها، أعلنت بدء اتصالات مكثفة وتحقيقات موسعة مع مسؤولي الاتحاد لتحديد ملابسات الواقعة ومحاسبة المقصرين، وتحرير محضر رسمي، مؤكدة توجيه جميع الاتحادات الرياضية باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه اللاعبين المشاركين في البعثات الخارجية.
“لن نتهاون”
أكد اللواء سعيد صلاح، رئيس الاتحاد المصري للمصارعة، أن الاتحاد “لن يتهاون” في الواقعة، وأن كل ملابساتها ستخضع للتحقيق مع تحديد المسؤوليات كاملة.
وقال في تصريحات صحفية إن الاتحاد أبلغ الوزارة بكل التفاصيل، وإنه “سيتم فتح تحقيق لمعرفة ما حدث وتحديد المسؤول عن أي تقصير”.
وكشف صلاح أن والد اللاعب وقّع إقرارًا رسميًا بعودة نجله مع البعثة، ما يجعله – بحسب تعبيره – محل مساءلة حال ثبوت مغادرة نجله دون إذن، مضيفًا: “هناك مسؤوليات واضحة، والتحقيقات هي التي ستحدد كل طرف مسؤول عن إيه في الواقعة”.
وأشار إلى أن الوزارة والاتحاد اتخذا خلال الفترة الماضية “إجراءات كتير جدًا” للحد من ظاهرة هروب اللاعبين، عبر ضوابط وإقرارات تُوقَّع قبل السفر، مؤكدًا أن أي طرف يثبت تورطه أو تقصيره “سيتم التعامل معه ومحاسبته وفقًا للوائح، ولن يكون هناك تستر على أي خطأ”.
ومن المنتظر أن تبدأ التحقيقات الموسعة عقب عودة البعثة إلى القاهرة.
بين السخرية والتعاطف.. جدل واسع
الواقعة أشعلت موجة تعليقات ساخرة وغاضبة في آن واحد. الناشط محمد عثمان كتب: “الراجل لقى فرصة عشان يعيش حياة كويسة.. سيبوه في حاله”، بينما سخر محمد سيد مطالبًا بحرمانه من “الـ300 جنيه مكافأة البطولة” كـ”عبرة لأي حد يفكر يهرب”.
صفحة لجماهير النادي الأهلي وصفت ما حدث بـ”هروب اضطراري”، مشيرة إلى تقارير تربط القرار بالبحث عن فرصة عمل واستقرار في أوروبا، في ظل مكافأة لا تتجاوز 60 دولارًا عن الفوز ببطولة أفريقيا للشباب، ومنحة شهرية لا تتعدى 345 جنيهًا مع شهادة تقدير.
الناقد الرياضي محمود شوقي دعا إلى “دراسة حقيقية” لظاهرة هروب أبناء المصارعة تحديدًا، “لأن الوقائع لا تنتهي”.
أما المدون محمد عاطف فرصد هروب 8 لاعبي مصارعة بنفس الطريقة خلال آخر 10 سنوات، مؤكدًا أن عدد من اختاروا التجنيس لدول أخرى في مجمل الألعاب “يتخطى الأربعين”.
وعلّق عاطف بأن: “الانتماء الحقيقي هو بإحساسك بالدعم”، مستشهدًا بحالة لاعب اضطر للسفر لبلغاريا بعد إصابته ورفض الاتحاد علاجه، ليعمل هناك “عامل شاورما” قبل أن يحقق بطولة باسم بلد آخر.
تاريخ من الهروب
قصة حجاج ليست استثناءً في تاريخ المصارعة المصرية. ففي مايو 2023، غادر أحمد فؤاد بغدودة، بطل مصر في المصارعة الرومانية، بعثته في تونس متجهًا إلى فرنسا عقب حصوله على فضية أفريقيا، وسط حديث عن ضغوط مالية وضعف المكافآت.
وفي 2018، أعلن بطل المصارعة الرومانية محمود فوزي مغادرة مصر للولايات المتحدة إثر خلافات مع مسؤولي الاتحاد، ليمثل لاحقًا المنتخب الأمريكي.
وقبلها في 2017، وأثناء بطولة العالم للشباب بفنلندا، اختفى اللاعب محمد عصام فتحي من مقر البعثة، وتبين لاحقًا توجهه لأوروبا بحثًا عن فرصة احتراف أو إقامة.
هذه التكرارات دفعت الوزارة إلى إلزام أولياء الأمور بتوقيع تعهدات وشروط جزائية موثقة بالشهر العقاري قبل سفر البعثات – وهو الإجراء نفسه الذي جرى تطبيقه مع والد حجاج، ولم يمنع الواقعة.
تساؤلات عن الدعم والمسؤولية
من جانبها، تساءلت المدونة بسمة سرحان، عضو اللجنة الرياضية بنادي الزهور، إلى متى تظل كلمة “التحقيقات” هي الإجابة الجاهزة على وقائع الهروب المتكررة، مذكّرة بأن واقعة حجاج تأتي بعد واقعة مشابهة شهدها منتخب الجودو بهروب يسري سامي وعمر محمود، حيث أُعلن وقتها عن تحقيقات وإجراءات لم يظهر لها أثر أو نتيجة حتى الآن، ولم يُعرف من تمت محاسبته فيها.
وطالبت سرحان وزير الشباب والرياضة جوهر نبيل بالإجابة عن أسئلة محددة: “هل كان اللاعبون الذين هربوا يحصلون على دعم من الدولة والاتحادات؟ وأين المتابعة إن كان الدعم موجودًا؟ ومن المسؤول إن لم يكن كافيًا؟”.
واعتبرت أن تكرار الوقائع من الجودو إلى المصارعة، إلى جانب أزمة اتحاد التجديف وتأخر تصفيات بطولة أفريقيا، يكشف غياب نظام واضح لاختيار اللاعبين وإعدادهم ومتابعتهم.
وشددت بسمة على أنها لا تبرر الهروب ولا تدين أي لاعب قبل انتهاء التحقيقات، لكنها أكدت أن المطلوب نتيجة واضحة، وتحديد للمسؤولية، ومعرفة الأسباب الحقيقية، وإجراءات تمنع تكرار السيناريو نفسه في اتحاد ثالث أو رابع.
وبين إقرار موقّع بالشهر العقاري، وتصريحات رسمية بـ”عدم التهاون”، وتحقيقات متتالية بعد عودة البعثة، يبقى السؤال معلقًا: “هل تنتهي هذه المرة قصة زياد حجاج بنتيجة واضحة تُعلن للرأي العام، أم تُضاف إلى أرشيف الملفات التي أُغلقت بكلمة “جارٍ التحقيق” دون أن يعرف أحد خاتمتها؟”.