فلوس المصريين بتروح فين؟».. لماذا تطارد البنوك المدخرات؟»

«فلوس المصريين بتروح فين؟».. سؤال تفرضه مفارقة لافتة في سوق المال، بعدما تراجعت السيولة المحلية بنحو 68.9 مليار جنيه خلال يونيو، في أول انخفاض شهري منذ فبراير 2017.
وفي الوقت الذي تتحرك فيه المدخرات بين أوعية مختلفة بحثًا عن الحفاظ على قيمتها، من الذهب والعقارات إلى أدوات الاستثمار والودائع، تخوض البنوك في الاتجاه المقابل سباقًا لجذب هذه الأموال والاحتفاظ بها، عبر شهادات وحسابات بعوائد مرتفعة يقترب بعضها من 20%.

أين ذهبت السيولة؟

أظهرت بيانات البنك المركزي أن السيولة المحلية «M2» تراجعت خلال يونيو الماضي بنحو 68.9 مليار جنيه، لتصل إلى نحو 15.262 تريليون جنيه، مقابل 15.331 تريليون جنيه في مايو، مسجلة أول انخفاض شهري منذ فبراير 2017.
وتشمل السيولة المحلية النقد المتداول والودائع الجارية والودائع لأجل وشهادات الادخار بالعملات المحلية والأجنبية، ما يجعلها مؤشرًا واسعًا لحركة الأموال داخل الاقتصاد.
لكن قراءة الرقم منفردًا قد تقود إلى استنتاج بأن الأموال بدأت تختفي من الجهاز المصرفي، بينما تكشف مكونات السيولة عن حركة أكثر تعقيدًا.
فقد تراجع النقد المتداول خارج البنوك بنحو 87.6 مليار جنيه، في الوقت الذي ارتفعت فيه الودائع تحت الطلب بالعملة المحلية بنحو 77.8 مليار جنيه.
وبمعنى أبسط، فإن جزءًا من الأموال التي كانت تتحرك «كاش» خارج البنوك عاد إلى الحسابات المصرفية، وهو ما يشير إلى تغير في مكان وجود الأموال، وليس بالضرورة خروجها من الجهاز المصرفي.
وتظهر الصورة نفسها عند النظر إلى الودائع بالعملات الأجنبية، إذ لا يعني انخفاض قيمتها عند تحويلها إلى الجنيه خروجها من البنوك.
فقد ارتفعت قيمة هذه الودائع بالدولار من 65.5 مليار دولار إلى 66.2 مليار دولار، بينما أدى تراجع سعر صرف الدولار إلى انخفاض قيمتها عند احتسابها بالجنيه.
وبالتالي، فإن انكماش السيولة وفق مؤشر «M2» لا يعني بالضرورة انكماش مدخرات المصريين بالقيمة نفسها، وإنما يعكس تحرك مكونات السيولة وتغير أماكن وجود الأموال وطريقة استخدامها.

انخفاض الادخار

ولا تتوقف الصورة عند حركة السيولة داخل الجهاز المصرفي، إذ تكشف بيانات الادخار المحلي عن تغير أوسع في قدرة المصريين والاقتصاد على تكوين مدخرات جديدة.
ووفق بيانات وزارة التخطيط، تراجع معدل الادخار المحلي في العام المالي 2024/2025 إلى 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة 218 مليار جنيه، مقابل 6.1% بقيمة 848 مليار جنيه في العام المالي السابق، بانخفاض قدره 75% خلال عام.
وحذر تقرير لمعهد التخطيط القومي من اتساع الفجوة بين معدلات الادخار والاستثمار المحلي، وما يترتب على ذلك من زيادة الاعتماد على التمويل الخارجي لتغطية احتياجات الاقتصاد، موضحًا أن الادخار المحلي كان يساهم بنحو 80% من تمويل الاستثمارات قبل عام 2011، قبل أن يصل إلى أدنى مستوى له في العام المالي 2024/2025.
وأكد الخبير الإقتصادي هاني توفيق، عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، أن معدل الادخار في البلاد تراجع من 10% إلى 1% من الناتج المحلي، واصفًا الوضع بأنه «في غاية الخطورة»، ومؤكدًا أهمية جذب الاستثمارات الأجنبية، وليس بيع الأصول، لرفع معدلات التشغيل والإنتاج والتصدير وسداد الديون.
وأشار البرلماني المصري محمد فؤاد، في يونيو الماضي، إلى التراجع نفسه، مؤكدًا أن معدل الادخار في مصر انخفض خلال السنوات الماضية من 15% إلى 1% فقط.

أموال تتحرك

لكن انخفاض معدل الادخار يعكس تغيرًا في سلوك أصحاب المدخرات والوجهات التي تذهب إليها أموالهم.
ويرى الخبير المصرفي محمد عبدالعال أن انخفاض الادخار يعكس تغيرًا في سلوك الأفراد وانتقال المدخرات بين أصول مختلفة، مثل الذهب والعقارات وأدوات الاستثمار، إلى جانب استخدام الأموال في شراء السلع أو الاستثمار المباشر.
وبحسب عبدالعال، فإن الشهادات مرتفعة العائد التي طرحتها البنوك في فترات سابقة جذبت جزءًا من السيولة، لكن ذلك كان في جانب منه «انتقالًا تكتيكيًا بين الأصول»، إذ لجأ بعض العملاء إلى الشهادات لفترة مؤقتة للاستفادة من العائد المرتفع، بدلًا من كونها عودة دائمة إلى الادخار التقليدي.

مطاردة المدخرات

بدأت المنافسة بين البنوك تظهر بصورة أكثر وضوحًا في سوق الشهادات، إذ طرحت بنوك حكومية وخاصة خلال الأشهر الأخيرة منتجات بعوائد ثابتة ومتغيرة وآجال مختلفة، بينما اقتربت بعض الشهادات متغيرة العائد من مستوى 20% سنويًا.
وتشير بيانات منشورة في يوليو إلى أن البنك الأهلي المصري طرح شهادة متغيرة لمدة ثلاث سنوات بعائد سنوي يبلغ 19.5% يصرف شهريًا، بينما قدم بنك مصر شهادة مرتبطة بسعر الإيداع لدى البنك المركزي مضافًا إليه 0.25%، في حين طرحت بنوك أخرى شهادات متغيرة بعوائد تدور حول هذه المستويات.
وتكشف هذه المنتجات عن استراتيجية مزدوجة؛ فالبنك يريد جذب أموال العميل، لكنه لا يريد في الوقت نفسه تحمل تكلفة فائدة مرتفعة وثابتة لفترة طويلة.
ولهذا أصبحت الشهادات متغيرة العائد أكثر جاذبية للبنوك، لأنها تسمح بإعادة تسعير العائد وفقًا لتحركات أسعار الفائدة، وتمنحها مرونة أكبر في إدارة تكلفة الأموال.
وفي هذا السياق، رأى إبراهيم عادل، محلل الاقتصاد الكلي والقطاع المالي بشركة مباشر تريد مصر، أن موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة قد تدفع بعض البنوك إلى طرح شهادات ادخار بعوائد أعلى نسبيًا، بهدف الحفاظ على قدرتها التنافسية وصون حصتها من السوق المصرفية.
وأوضح أن المنافسة على ودائع العملاء تشتد مع تنامي الوعي المالي لدى شريحة واسعة من المودعين، الذين أصبحوا أكثر تدقيقًا في مقارنة العوائد واختيار البنك الأعلى ربحًا لمدخراتهم، ما يجعل مراجعة أسعار الفائدة على الشهادات بشكل دوري ضرورة بالنسبة للبنوك.
ويميز عادل بين البنوك التي تتمتع بسيولة مريحة ولا تجد مبررًا لرفع عوائدها ما دامت التدفقات الواردة تكفي لتلبية احتياجاتها، وبين البنوك التي تواجه ضغوطًا على الودائع أو تسعى إلى توسيع قاعدتها المصرفية، وهي الأكثر ميلًا إلى تقديم عوائد استثنائية لاستقطاب عملاء جدد.
وأكد أن هذه المعادلة لا تقتصر على بنوك بعينها، وإنما تشمل المؤسسات الحكومية والخاصة على حد سواء.

المدخرات لتمويل الاقتصاد 

ولا ترتبط معركة البنوك على المدخرات برغبتها في زيادة الودائع فقط، وإنما باحتياجاتها المتزايدة لتمويل النشاط الاقتصادي.
وترى الخبيرة المصرفية سهر الدماطي أن التوسع في الشهادات ذات العائد القريب من 20% يرتبط باشتداد المنافسة بين البنوك على السيولة، فضلًا عن استمرار التضخم عند مستويات تجعل العملاء أكثر اهتمامًا بالأوعية مرتفعة العائد.
وتعتبر الدماطي أن العائد المتغير يمنح البنوك مرونة في التعامل مع أي تغيرات في أسعار الفائدة، مضيفة أن زيادة الطلب على الائتمان من جانب الشركات، مع تحسن توافر النقد الأجنبي واستئناف استيراد مستلزمات الإنتاج، رفعت احتياجات البنوك إلى السيولة اللازمة لتمويل النشاط الاقتصادي.
وهنا تبدو المنافسة على المدخرات مرتبطة بحركة الاقتصاد نفسها؛ فكلما زاد الطلب على التمويل، أصبحت قدرة البنك على جذب أموال مستقرة ومنخفضة التكلفة أكثر أهمية.

تكلفة مرتفعة

لكن جذب المدخرات بعوائد مرتفعة له تكلفة على البنوك، إذ إن رفع أسعار الفائدة على الشهادات يزيد تكلفة الأموال ويضغط على هوامش الربحية.
ويرى محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، أن خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي قد يكون أحد البدائل التي تمنح البنوك مساحة أكبر لإدارة السيولة وتحسين العائد المقدم للعملاء، موضحًا أن النسبة جرى خفضها سابقًا إلى 16% بدلًا من 18%.
وبذلك تواجه البنوك معادلة دقيقة: جذب المدخرات من خلال عوائد تنافسية، دون تحميل ميزانياتها تكلفة مرتفعة لفترات طويلة.

هل تعود شهادات الـ27%؟

رغم المنافسة الحالية، لا يرى الخبراء أن عودة الشهادات ذات العائد الاستثنائي هي السيناريو الأكثر ترجيحًا في الوقت الحالي.
وكان بنكا الأهلي ومصر قد أوقفا في وقت سابق شهادات العام مرتفعة العائد، بعدما جمعت شهادات بعائد 23.5% للصرف الشهري و27% للصرف السنوي أكثر من تريليون جنيه خلال نحو عام ونصف.
ويربط محمد عبدالعال احتمال عودة شهادات السنة ذات العائد المرتفع بعودة الضغوط التضخمية أو تغير اتجاه السياسة النقدية، خصوصًا إذا أصبح العائد الحقيقي على الشهادات الحالية أقل جاذبية.
أما الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح، فيستبعد التوسع الكبير حاليًا في الشهادات مرتفعة العائد، معتبرًا أن العملاء أصبحوا أكثر ترددًا في تجميد أموالهم لفترات طويلة بسبب احتمالات تغير التضخم وأسعار الفائدة.
ويرى أبو الفتوح أن السوق يحتاج إلى أدوات ادخارية واستثمارية أكثر مرونة من الشهادات التقليدية.

السيولة تتحرك

وتقدم قراءة محمد عبدالعال تفسيرًا أكثر وضوحًا للتراجع المسجل في يونيو، إذ يرى أن انخفاض النقد المتداول خارج البنوك مقابل ارتفاع الودائع تحت الطلب يعكس عودة جزء من «الكاش» إلى الجهاز المصرفي، مدفوعًا بجاذبية العوائد وانتشار وسائل الدفع الإلكتروني.
كما يربط جزءًا من الانخفاض بعمليات السوق المفتوحة التي يستخدمها البنك المركزي لإدارة فائض السيولة.
في النهاية، لم تعد المنافسة المصرفية تستهدف فقط زيادة عدد العملاء، وإنما أصبحت تستهدف الودائع المستقرة وعالية القيمة.
وأشار الخبير المصرفي أحمد متولي إلى توجه بعض البنوك لطرح منتجات مرتفعة العائد لكبار العملاء، معتبرًا أن هذه الودائع توفر تمويلًا أكثر استقرارًا وتساعد البنوك على التخطيط للتوسع الائتماني.
فالأموال التي كانت تتجه إلى الشهادات والودائع أصبحت تتحرك بين البنوك والحسابات والأصول الاستثمارية المختلفة، بينما تحاول البنوك استقطابها عبر شهادات أكثر مرونة، خصوصًا متغيرة العائد.

 

 

أضف تعليقك
شارك