المطاعم والعقارات.. الوجهات المفضلة لغسل الأموال

في وضح النهار، تبدو بعض العقارات لامعة أكثر من اللازم، وبعض الشركات أسرع من الطبيعي في النمو، وبعض الواجهات التجارية أنظف من أن تُطرح حولها الأسئلة.

لكن خلف هذا اللمعان الهادئ، تتحرك أموال لا تأتي من الاقتصاد العادي، بل من عالم آخر يبدأ في الظل وينتهي داخل السوق نفسه.

ومن هنا تتشكل الصورة الأعمق وهي الأموال المتحصلة من تجارة المخدرات والسلاح والرشوة والفساد والاحتيال لا تبقى طويلاً داخل دوائر الجريمة، بل تبدأ رحلة معقدة للبحث عن غطاء قانوني يخفي مصدرها الحقيقي.

وبمرور الوقت، تتحول هذه الأموال الخارجة من عالم الجريمة إلى أصول واستثمارات تبدو قانونية بالكامل، بعد سلسلة متتابعة من المعاملات والصفقات والتحويلات التي تهدف إلى فصلها تدريجياً عن أصلها الأول.

بذلك تتبلور هذه العملية قانونياً تحت اسم “غسل الأموال”، وهي الجريمة التي تستهدف إخفاء المصدر الحقيقي للأموال المتحصلة من أنشطة غير مشروعة وإدماجها داخل الاقتصاد الرسمي باعتبارها أموالاً مشروعة.

مليارات مشبوهة

وتشير القضايا المعلنة خلال السنوات الأخيرة إلى أن هذه الظاهرة لم تعد استثناءً، بل نمطاً متكرراً، حيث تتحرك الأموال غير المشروعة داخل الاقتصاد عبر مسارات متعددة قبل اكتشافها في مراحل لاحقة من دورة تداولها.

وفي هذا السياق، ضبطت وزارة الداخلية، في 8 يونيو 2026، أربعة عناصر إجرامية متهمة بغسل الأموال المتحصلة من الاتجار في المخدرات، بعدما جرى إخفاء مصدرها عبر شراء عقارات وأراضٍ زراعية ومركبات، بقيمة قدرت بنحو 600 مليون جنيه.

وفي اليوم نفسه، ضبطت الأجهزة الأمنية ستة أشخاص لاتهامهم بمحاولة غسل 45 مليون جنيه متحصلة من جرائم النصب والاحتيال، عبر شراء عقارات وسيارات وتأسيس شركات.

وفي وقت سابق، أمر النائب العام المستشار محمد شوقي، في 27 أبريل 2025، بإحالة 237 قضية غسل أموال إلى محاكم الجنايات الاقتصادية خلال عام واحد، بإجمالي مبالغ تجاوزت 467 مليون دولار.

كما استجوبت جهات التحقيق في مارس 2025 متهمين بغسل قرابة 50 مليون جنيه حصيلة الاتجار في الأسلحة النارية، بعدما جرى توجيهها نحو شراء مطاعم وكافتيريات وعقارات ومعارض سيارات.

وتشير طبيعة هذه القضايا إلى أن الأموال تكون قد دخلت بالفعل إلى مسارات اقتصادية مختلفة قبل اكتشافها، وهو ما يعكس فجوة زمنية بين حركة الأموال وبين لحظة رصدها، أكثر من كونه حدثاً استثنائياً في كل واقعة على حدة.

ومع تكرار هذه الحالات، يظهر نمط ثابت في الوجهة النهائية للأموال: عقارات، أراضٍ، شركات، وأنشطة تجارية تبدو قانونية في ظاهرها.

رحلة التمويه

ولا تنتقل الأموال غير المشروعة مباشرة إلى الاقتصاد الرسمي، بل تمر عادة بمراحل متتابعة تهدف إلى تقليل إمكانية تتبع مصدرها الأول.

ويشرح اللواء رأفت الشرقاوي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن عمليات غسل الأموال تمر بثلاث مراحل رئيسية وهي الإيداع، والتمويه، والدمج.

وتبدأ المرحلة الأولى بإدخال الأموال المتحصلة من الجريمة إلى النظام المالي أو التجاري، تليها مرحلة التمويه التي تعتمد على سلسلة من التحويلات والمعاملات لإخفاء المصدر، ثم مرحلة الدمج التي تعود فيها الأموال إلى الاقتصاد في صورة استثمارات أو أصول يصعب ربطها بمصدرها الأصلي.

ويعكس هذا التسلسل أن التحدي لا يرتبط بمرحلة واحدة، بل بطبيعة الشبكات المالية المتعددة التي تجعل تتبع الأصل الأول للأموال أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت.

ومن الناحية الاقتصادية، لا يقتصر أثر هذه العمليات على الجانب الجنائي فقط، بل يمتد إلى تشوهات في السوق، وضغط على الثقة في المعاملات، وزيادة تعقيد حركة الأموال داخل الاقتصاد.

ولتقريب الصورة، يمكن تصور مسار الأموال حين تنتقل من نشاط غير مشروع إلى عدة أطراف وشركات، ثم تدخل في شراء أصول أو تأسيس كيانات تجارية، قبل أن تصبح جزءاً من دورة اقتصادية تبدو طبيعية في ظاهرها.

ملاذات آمنة

تُظهر طبيعة الأنشطة المرتبطة بغسل الأموال أن بعض القطاعات الاقتصادية أكثر قابلية لاستيعاب هذه التدفقات من غيرها.

وتوضح الصحفية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية داليا محمد أن العقارات تعد من أبرز هذه القطاعات عالمياً، نظراً لإمكانية تحويل الأموال النقدية إلى أصول عالية القيمة.

كما تتيح العقارات في بعض الحالات استخدام هياكل ملكية غير مباشرة أو شركات وسيطة، ما يجعل تتبع المالك الفعلي أكثر تعقيداً، إلى جانب وجود هامش في تقييم الأسعار.

كما تُستخدم المطاعم والمتاجر والأنشطة ذات التدفقات النقدية المرتفعة كقنوات لدمج الأموال غير المشروعة ضمن الإيرادات اليومية.

وتمتد هذه الأنماط أيضاً إلى مجالات مثل الاستيراد والتصدير وتجارة السيارات وبعض الأنشطة التجارية ذات الحركة المالية الواسعة.

عين الرقابة

وينص قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 على أن الجريمة تشمل كل سلوك يهدف إلى إخفاء المصدر الحقيقي للأموال المتحصلة من جريمة أو تغيير طبيعتها أو مالكها أو الحقوق المتعلقة بها.

وتتولى وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب التابعة للبنك المركزي المصري تحليل الإخطارات المالية الواردة من البنوك والمؤسسات، ورصد العمليات التي قد تشير إلى أنماط غير طبيعية في حركة الأموال.

كما يُلزم القانون المؤسسات المالية بالإبلاغ عن المعاملات المشبوهة، بما يتيح تحويلها إلى الجهات المختصة عند الحاجة للفحص والتحقيق.

سباق مستمر

ورغم تطور أدوات الرقابة، تكشف طبيعة القضايا أن التعامل مع غسل الأموال يعتمد على ملاحقة حركة الأموال بعد تشكلها داخل النظام المالي، وهو ما يجعل تتبع المصدر الأول للأموال تحدياً معقداً بطبيعته.

وتشير التحديات إلى اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي وتنوع أساليب الجريمة المنظمة، كما يوضح اللواء الدكتور عبدالوهاب الراعي، المتخصص في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة.

ويضيف أن الشبكات الإجرامية تستخدم أدوات متعددة مثل الشركات الوهمية والعقود الصورية والتجارة الإلكترونية والتحويلات المعقدة لإخفاء أثر الأموال.

ويشير الدكتور حسن الصادي، أستاذ الاقتصاد والتمويل بكلية التجارة جامعة القاهرة، إلى أن حجم الاقتصاد غير الرسمي في مصر يقدر بنحو 14 تريليون جنيه، وهو ما يعكس حجم التعاملات التي تتم خارج القنوات الرسمية.

وينعكس ذلك على المؤشرات الدولية، إذ يضع مؤشر مخاطر غسل الأموال الصادر عن معهد بازل للحوكمة مصر في المركز 87 عالمياً من بين 177 دولة بدرجة 5.22، ضمن فئة المخاطر المتوسطة.

وتوضح سهر الدماطي، نائب رئيس بنك مصر السابق، أن التطور التكنولوجي في التحويلات المالية زاد من تعقيد تتبع العمليات المالية.

ويرى الدكتور محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي، أن هذه الجرائم تؤثر على الثقة في النظام المالي، وتزيد الضغط على سوق النقد الأجنبي، وتؤثر على استقرار السوق.

جزاء قاسٍ

ويشير المستشار القانوني الدكتور إبراهيم عبدالمطلب إلى أن غسل الأموال يُعد جناية وفق قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002.

وتشمل العقوبات السجن من ثلاث إلى سبع سنوات، والغرامة بما يعادل قيمة الأموال محل الجريمة، إضافة إلى مصادرة الأصول، وقد تصل العقوبات إلى إيقاف الأنشطة أو إلغاء التراخيص.

وفي كل مرة تظهر فيها قضية جديدة، يتكرر نمط واحد وهو أموال تبدأ من نشاط غير مشروع، وتصل إلى الاقتصاد عبر قنوات تبدو نظامية، بينما يظل التحدي الأساسي مرتبطًا بقدرة المنظومة على التعامل مع هذه التدفقات في مراحلها الأولى داخل السوق، قبل أن تكتسب شكلاً اقتصادياً يصعب تمييزه لاحقاً.

أضف تعليقك
شارك