بعد عقد كامل من إطلاق مشروع “المليون ونصف المليون فدان” باعتباره أحد أكبر مشروعات التوسع الزراعي في تاريخ مصر، لم تنجح شركة “الريف المصري الجديد” سوى في استصلاح وزراعة 440 ألف فدان فقط، أي أقل من ثلث المساحة المستهدفة، بينما تحولت وعود إنشاء مجتمعات زراعية متكاملة إلى شكاوى متصاعدة من ملوحة المياه وغياب الكهرباء وتعثر الخدمات الأساسية.
وكشفت سنوات التنفيذ عن فجوة واسعة بين الخطط المعلنة والواقع على الأرض، في ظل معاناة المستثمرين والمنتفعين من ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف البنية التحتية وتعقيدات التمويل، ما أثار تساؤلات متزايدة حول كفاءة إدارة المشروع وجدوى التخطيط له منذ البداية.
أقل من ثلث المستهدف
منذ إطلاق الرئيس عبدالفتاح السيسي أولى مراحل العمل بأراضي شركة “الريف المصري الجديد” في ديسمبر 2015، بهدف زراعة مليون ونصف المليون فدان بدءًا من منطقة الفرافرة، لم يحقق المشروع مستهدفاته؛ إذ جرى استصلاح واستزراع 440 ألف فدان فقط حتى أغسطس 2025، بما يعادل 29% من المستهدف.
وكان رئيس الوزراء الراحل المهندس شريف إسماعيل قد أعلن وقتها تأسيس شركة تتولى إدارة المشروع بهدف زيادة الرقعة الزراعية بنسبة 20%، وإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة تستوعب الزيادة السكانية.
وتأسست شركة “الريف المصري الجديد”، التي أُسند إليها تنفيذ المشروع، كشركة مساهمة مملوكة لوزارات المالية والإسكان والزراعة عام 2015 .
وتدير الشركة أراضي في 8 محافظات تشمل أسوان والمنيا ومطروح والوادي الجديد وقنا والإسماعيلية والجيزة وجنوب سيناء، في مناطق الفرافرة والمُغرة وامتداد الداخلة وقرية الأمل وتوشكى وغرب المراشدة وغرب كوم أمبو وغرب المنيا وشرق سيوة والطور.
ويترأس مجلس إدارة الشركة اللواء المهندس عمرو عبدالوهاب، وتضم عضويتها الفريق مهندس كامل الوزير نائبًا لرئيس مجلس الإدارة، وعلاء فاروق وزير الزراعة عضوًا بمجلس الإدارة، وهشام عكاشة رئيس بنك مصر، إلى جانب ممثلين عن وزارتي المالية والإسكان.
ملوحة المياه.. بداية التعثر
قال المهندس إسلام أبوسريع، أحد المنتفعين بالمشروع، إنه دعا مستثمرين ومزارعين لتأسيس شركات في منطقة غرب غرب المنيا، وبلغ عددها 18 شركة بإجمالي مساحة تتجاوز 4 آلاف فدان، لكنهم فوجئوا بارتفاع ملوحة مياه الري إلى ما بين 2000 و2500 جزء في المليون.
وأوضح أن هذه المياه لا تصلح إلا لمحاصيل محددة مثل الزيتون والنخيل، وهي زراعات طويلة المدى لا تحقق عائدًا اقتصاديًا قبل السنة الرابعة أو الخامسة.
ومع غياب البنية الأساسية، اضطر المستثمرون لتحمل تكاليف إضافية ضخمة، إذ لجأوا إلى إنشاء محطات طاقة شمسية من أموالهم الخاصة بتكلفة تصل إلى مليوني جنيه للبئر الواحدة، بينما تحتاج القطعة البالغة مساحتها 237 فدانًا إلى نحو 15 مليون جنيه لإنشاء شبكات الري والطلمبات ومحطات الطاقة والمخازن والطرق والمباني.
وأضاف أبوسريع أن الطاقة الشمسية لا توفر سوى 30% من الاحتياجات بعد السنوات الأولى للزراعة، ما يضطر المستثمرين للاعتماد على مولدات تعمل بالسولار بتكاليف تشغيل مرتفعة، في ظل استمرار غياب الكهرباء عن مناطق المشروع.
وأكد أن الكهرباء تمثل العائق الأكبر أمام نجاح المشروع، ليس فقط للزراعة، وإنما أيضًا لتوطين العمالة والموظفين وإنشاء مجتمع زراعي صناعي متكامل، مطالبًا بالسماح بحفر بئر ثانية لكل 230 فدانًا بسبب عدم كفاية المقننات المائية الحالية.
استثمارات تواجه التعثر
وقال المهندس أمجد قاسم، أحد المنتفعين بمنطقة غرب غرب المنيا، إن المنطقة تحتاج بصورة عاجلة إلى توصيل الكهرباء وإنشاء محطة لتحلية مياه الشرب وخطوط للصرف الصحي.
وأشار إلى أن المزارعين والمستثمرين، سواء صغارًا أو كبارًا، يتحملون وحدهم تكاليف العمالة والتشغيل، ما يرهقهم ماليًا ويعرقل نمو استثماراتهم.
وأضاف أن ملوحة مياه الآبار والتغيرات المناخية أجبرت المستثمرين على تغيير أنواع الزراعات بعد سنوات من الانتظار، فضلًا عن معاناة العاملين بسبب بُعد المنطقة وتحملهم مشاق السفر ذهابًا وإيابًا.
وأوضح أن وزارة الري تصر على تخفيض المقننات المائية، رغم أن طبيعة المياه المالحة تتطلب زيادتها بنسبة لا تقل عن 25 % .
وأشار إلى التعقيدات الكبيرة في إجراءات التمويل بالبنك الزراعي والبنوك الوطنية، ما يجعل الحصول على قروض لإنشاء محطات الطاقة الشمسية أو شبكات الري الحديثة أمرًا بالغ الصعوبة.
ومع تعثر بعض الزراعات وارتفاع تكاليف التشغيل، يخشى عدد من المستثمرين الدخول في دوائر مديونية ممتدة، خاصة مع الاعتماد على التمويل البنكي لشراء مستلزمات الطاقة والري، بما يهدد بعضهم بالتعثر المالي أو العجز عن استكمال المشروعات.
مجتمعات بلا خدمات
ورغم الحديث الرسمي عن إنشاء مجتمعات عمرانية زراعية متكاملة، يؤكد عدد من المنتفعين أن مناطق المشروع لا تزال تفتقد أساسيات الحياة.
وقال السيد نصر الجندي، أحد المنتفعين، إن فرع البنك الزراعي لم يتم تشغيله حتى الآن، كما لم تُنشأ مدارس للتعليم الأساسي أو الزراعي، فضلًا عن غياب المخابز ومتاجر الخضروات ومنافذ أنابيب الغاز والخدمات الأساسية.
وأضاف أن المستثمرين مستعدون للمساهمة في تمويل هذه الخدمات حتى تصبح المنطقة جاذبة للسكان والاستثمارات.
ومن جانبه، طالب السيد وديد لطفي بضرورة تشغيل المحال التجارية والورش ومحطة الوقود وصيانة الطرق، وتفعيل البروتوكولات الموقعة مع البنوك لتسهيل الخدمات للمستثمرين.
وتساءل عن أسباب تحميل المنتفعين زيادة بنسبة 10% على أسعار السولار والبنزين رغم تسجيلهم الرسمي بالمحطة.
فيما أشار المهندس إبراهيم يعقوب، أحد المنتفعين بأراضي غرب المنيا، إلى أن الوحدة الصحية التي تم إنشاؤها وتجهيزها منذ 3 سنوات لا تزال مغلقة دون طاقم طبي، ما يضطرهم لنقل الحالات الطارئة لمسافات طويلة تصل إلى ساعتين للوصول إلى مستشفى المنيا.
تضخم وتكاليف متصاعدة
أدت موجات التضخم وخفض قيمة الجنيه منذ 2016 إلى مضاعفة تكلفة مدخلات الزراعة والطاقة، ما زاد الضغوط على المستثمرين داخل المشروع.
وأشار المهندس هشام عمار، أحد المنتفعين، إلى أن تكلفة زراعة فدان نخيل المجدول تصل إلى نحو 240 ألف جنيه، بينما لا تكفي المقننات المائية الحالية سوى لزراعة 114 فدانًا فقط.
وأوضح أن تكاليف التشغيل خلال السنوات الثلاث الأولى أصبحت مرهقة للغاية، لافتًا إلى أن سعر شتلات الزيتون ارتفع من 3 إلى 6 جنيهات في 2018 إلى نحو 50 جنيهًا في 2025، فيما ارتفع سعر السولار من 5 جنيهات إلى 17.05 جنيهًا، إضافة إلى تحميل الأراضي الزراعية زيادة 10% «بدون مبرر»، بحسب وصفه.
المغرة.. أزمة ملوحة حادة
وفي منطقة المُغرة، وجّه أسامة يس، أحد المنتفعين، استغاثة إلى المسؤولين بسبب ارتفاع ملوحة المياه، التي تتراوح بين 5 آلاف و12 ألف جزء في المليون.
وطالب بتوفير مصدر مياه صالح للزراعة، وصرف السماد المدعوم لكامل المساحات المزروعة، ورصف الطرق وتوصيل الكهرباء وحل أزمة المواصلات.
وشدد على أهمية تشغيل الوحدة الصحية والمستشفى الحكومي بالمنطقة، الذي قال إنه يفتقد الأطباء وهيئة التمريض، إلى جانب تأجيل الأقساط وغرامات الآبار لمدة خمس سنوات.
خبراء: أزمة المياه تهدد استدامة المشروع
ويثير اعتماد المشروع بصورة أساسية على المياه الجوفية تساؤلات متزايدة حول استدامته على المدى الطويل، خاصة مع التحذيرات من أن التوسع في السحب الجوفي دون خطط تغذية واضحة قد يرفع تكلفة استخراج المياه مستقبلًا ويهدد جدوى بعض المناطق الزراعية.
وسبق أن اعترض الدكتور علاء النهري، نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء بالأمم المتحدة، ونائب هيئة الاستشعار عن بعد السابق، في 15 مارس 2021، على زراعة أرض المغرة بمرسى مطروح ضمن المشروع القومي الخاص باستصلاح المليون ونصف المليون فدان، بسبب ارتفاع نسبة الأملاح في المياه الجوفية بها.
وأضاف: “إن تركيز الأملاح في آبار المغرة ما بين 3000 و8000 جزء في المليون، وهذه نسبة عالية جدًا يصعب معها الزراعة الطبيعية”.
وأشار النهري إلى أن ملوحة المياه المرتفعة دفعت كثيرًا من المستفيدين في المغرة إلى تحويل أراضيهم للاستزراع السمكي بدلًا من الزراعة.
وسبق أن قال الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، إن المشروع كان “محاولة للقفز على الحقائق، لأن مصر ببساطة لا تمتلك المياه اللازمة لاستصلاح 1.5 مليون فدان في وقت واحد”، مضيفًا: “المياه الجوفية ليست حلًا مستدامًا، والاستخراج العشوائي يؤدي إلى نضوب المخزون المائي”.
وقال الدكتور عادل البلتاجي، وزير الزراعة الأسبق، والأستاذ بكلية الزراعة بجامعة عين شمس، إن معلومات عدم توفر المياه لزراعة المليون ونصف المليون فدان تم توثيقها من خلال مذكرة أرسلها الدكتور محمد عبدالعاطي، وزير الموارد المائية والري السابق، إلى رئيس مجلس الوزراء، يؤكد فيها عدم قدرة الوزارة على توفير سوى 260 ألف فدان ضمن المشروع.
المصريون بالخارج.. انتقادات لشروط المشروع
وامتدت الانتقادات إلى المصريين العاملين بالخارج، الذين اعتبر بعضهم أن شروط وأسعار المشروع لا تشجع على الاستثمار.
وقال صلاح عبدالقادر، أحد المصريين بالخارج عبر “فيس بوك”: “سعر الأرض غالٍ جدًا، وكان من المفترض أن يكون بسعر رمزي لتشجيع المغتربين، خصوصًا مع وجود فائدة 4% على الأقساط”.
وأضاف أن الشركة لم توفر حتى الخدمات الأساسية أو الاستراحات أو شبكات الري، ما يجعل المستثمر مطالبًا بتحمل تكاليف إضافية ضخمة فوق سعر الأرض.
وتابع: “الناس نفسها تشارك البلد في التعمير والاستثمار، لكن للأسف المسؤولين غير مؤهلين لاستقطاب المغتربين”.
الشركة تتمسك بالأرقام رغم الانتقادات
وسبق أن اعترف اللواء عمرو عبدالوهاب، رئيس الشركة، خلال اجتماع للجنة الزراعة والري بمجلس النواب في مارس 2021، بوجود تحدٍ كبير في منطقة المغرة بسبب ارتفاع ملوحة المياه.
إلا أنه استعرض، خلال لقائه الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء في أغسطس 2025، موقف الأراضي التابعة للشركة.
وأشار إلى أن إجمالي المساحات المزروعة والمستصلحة وصل إلى 440 ألف فدان، فيما بلغت المساحات التي تم تسليمها للمنتفعين نحو 875 ألف فدان، إضافة إلى وجود طلبات شراء وتقنين جارٍ استكمال إجراءاتها لنحو 192 ألف فدان.
وأضاف أن عدد الشركات العاملة بالمشروع تجاوز 4500 شركة في مختلف مواقع مشروع المليون ونصف المليون فدان.
البرلمان: مشكلات حقيقية تعرقل المشروع
من جانبه، أكد اللواء هشام الحصري، رئيس لجنة الزراعة والري السابق بمجلس النواب، أن المشروع يواجه بالفعل مجموعة من التحديات، على رأسها ارتفاع ملوحة المياه، التي تتراوح بين 1500 و2500 جزء في المليون، وهو ما يفرض زراعة أنواع محددة من المحاصيل مثل زيتون المائدة ونخيل المجدول وبنجر السكر.
وأشار إلى أن المقننات المائية التي حددتها وزارة الري لا تسمح بزراعة كامل الأراضي، بل تتراوح القدرة الفعلية للزراعة بين 60 و70% فقط.
وبين وعود استصلاح مليون ونصف المليون فدان، وواقع لم يتجاوز 440 ألف فدان بعد عقد كامل من إطلاق المشروع، تتصاعد التساؤلات حول كفاءة التخطيط والإدارة واستدامة الاعتماد على المياه الجوفية، بينما يواجه المستثمرون والمنتفعون أعباء متزايدة من ارتفاع التكاليف وملوحة المياه وغياب الخدمات الأساسية، في مشروع كان يُفترض أن يصبح قاطرة للتوسع الزراعي والعمراني في مصر.