غياب التقنين يشعل الدماء.. الحكومة تترك جبال الذهب للفوضى المسلحة

أعادت واقعة مقتل 8 من المنقبين العشوائيين عن الذهب، المعروفين محليًا باسم “الدهابة”، داخل جبال مدينة سفاجا بمحافظة البحر الأحمر، الجدل مجددًا حول مصير آلاف العاملين في هذا النشاط غير الرسمي، وسط تساؤلات متصاعدة بشأن أسباب تعثر جهود الدولة في تقنين أوضاعهم، رغم مطالبات ممتدة منذ سنوات وتحركات رسمية لم تكتمل.

فالواقعة، التي تحولت خلال ساعات إلى قضية رأي عام، لم تكن مجرد مشاجرة دامية على مناطق التنقيب، بقدر ما أعادت فتح ملف شائك يتعلق باقتصاد موازٍ ينمو في قلب الصحراء بعيدًا عن الرقابة الرسمية، ويستقطب آلاف الباحثين عن الثراء السريع في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.

معركة دامية في جبال سفاجا

أعلنت وزارة الداخلية المصرية، الجمعة، القبض على المتهم الرئيسي في واقعة مقتل 8 أشخاص وإصابة آخر، إثر إطلاق أعيرة نارية خلال مشاجرة بين عدد من المنقبين عن الذهب في إحدى المناطق الجبلية التابعة لمدينة سفاجا.

وقالت الوزارة، في بيان رسمي، إن الواقعة تعود إلى خلافات نشبت بين مجموعة من الأشخاص حول أولوية التنقيب غير المشروع عن خام الذهب، قبل أن تتطور إلى استخدام السلاح الناري، ما أسفر عن سقوط قتلى ومصابين.

وأضاف البيان أن الأجهزة الأمنية تمكنت من ضبط المتهم والسلاح المستخدم، بعد فراره من موقع الحادث مباشرة.

وأثارت الحادثة حالة واسعة من الحزن والغضب على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة بعد تداول صور الضحايا، الذين ينتمي عدد منهم إلى قرى بمحافظة قنا في صعيد مصر.

غضب وانتقادات للحكومة

ومع تصاعد التفاعل الشعبي، حمّل عدد من الصحافيين والنشطاء الحكومة مسؤولية تفاقم الأزمة، بسبب استمرار غياب آليات واضحة لتنظيم عمليات التنقيب.

وقالت الصحافية المصرية عزة مغازي، عبر حسابها على منصة “فيسبوك”، إن الدولة “تغاضت لسنوات عن بسط نفوذ بعض النواب على مناطق التنقيب”، متسائلة عن أسباب عدم تنفيذ التوجيهات الخاصة بتقنين أوضاع العاملين في هذا القطاع، رغم اتساع الظاهرة.

كما أثار بعض المستخدمين قضية الوجود الأجنبي في مناطق التعدين العشوائي، إذ كتب المستخدم موسى محمد عبر صفحته الشخصية: “بقينا نقرأ أخبارًا عن الدهابة ومعارك وقتلى بسبب التنقيب عن الذهب في مصر وحدودها الجنوبية، وأكيد هيكون فيه تجارة سلاح وبشر وآثار، لمجرد أنك فاتح الباب على مصراعيه لتواجد أجنبي بدون تقنين ولا ضوابط حقيقية”.
في المقابل، حذر الإعلامي مصطفى بكري من خطورة تصاعد النزاعات المسلحة المرتبطة بالتنقيب العشوائي عن الذهب، معتبرًا أن ما جرى في سفاجا “جرس إنذار خطير”.

وقال بكري، خلال برنامجه على قناة “صدى البلد”، إن “المشهد لم يعد مجرد خلاف عادي، وإنما تطور خطير يستوجب وقفة حاسمة”، متسائلًا: “ما الذي يحدث في جبالنا؟ وكيف تتحول مناطق كاملة إلى ساحات صراع على الذهب؟”.

لكنه أشار، في الوقت نفسه، إلى أن الدولة بدأت خلال السنوات الماضية اتخاذ خطوات لتطوير قطاع التعدين وإدخال تعديلات تشريعية لتنظيم عمليات التنقيب.

اقتصاد ظل في قلب الصحراء

يُطلق مصطلح “الدهابة” في مصر على العاملين بشكل غير رسمي في استخراج الذهب من المناطق الصحراوية والجبلية، خاصة في محافظات البحر الأحمر وأسوان وقنا، حيث يعتمدون على أدوات بدائية في الحفر والطحن واستخلاص الخام، في ظل غياب مظلة قانونية تنظم عملهم.

ورغم تصنيف نشاطهم باعتباره “تنقيبًا غير مشروع”، فإن الظاهرة شهدت توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بارتفاع أسعار الذهب وتراجع فرص العمل في بعض المناطق الفقيرة.

وقال “أبوحمرة”، أحد أبناء الصعيد العاملين في هذا المجال، إن كثيرين ينخرطون في البحث عن الذهب داخل مغارات ومناجم الصحراء الشرقية، مستخدمين آلات بدائية لاستخراج الصخور الحاملة لعروق الذهب، ثم طحنها وبيعها لتجار متخصصين.

وأضاف أن عمليات التنقيب تتم في سرية، مع الاعتماد على سيارات دفع رباعي وأحيانًا أسلحة، بعيدًا عن أعين الدولة، مشيرًا إلى أن بعض العاملين يمتلكون أجهزة للكشف عن المعدن النفيس، ويحققون أرباحًا قد تصل إلى ملايين الجنيهات.
وأوضح أن تجار الذهب الكبار يتولون شراء الأحجار أو الذهب المستخلص، لافتًا إلى أن حمولة السيارة الواحدة قد تُباع بما يتراوح بين 1.2 و1.5 مليون جنيه.

وتشير تقديرات محلية وقبلية إلى أن نحو 10 آلاف شخص يعملون في التنقيب العشوائي عن الذهب في مناطق البحر الأحمر وأسوان، فيما تضم الصحراء الشرقية أكثر من 120 موقعًا معروفًا باحتوائه على خام الذهب.

وقال الباحث الجيولوجي وكبير مفتشي مناجم البحر الأحمر السابق، طارق خيري، إن “الدهابة” تمكنوا من الوصول إلى مناطق غنية بالذهب لم تصل إليها جهات رسمية أو شركات كبرى، رغم محدودية إمكاناتهم.

وأضاف أن هؤلاء العاملين “يُعاملون كلصوص”، رغم امتلاك بعضهم خبرات عملية كبيرة في تتبع عروق الذهب داخل الجبال.

وكشف الدكتور حسن بخيت، رئيس رابطة المساحة الجيولوجية المصرية، أن التعدين الأهلي في مناطق مثل حلايب وشلاتين ومرسى علم يسهم بإنتاج يتراوح بين 20 و30 طنًا سنويًا.

وفي سياق متصل، قال المهندس حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية السابق، إن صادرات مصر من الذهب بلغت نحو 6 مليارات دولار، في ظل نمو متسارع للسوق المحلي.

من جانبه، أكد هاني ميلاد، رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية، أن استثمارات قطاع الذهب “جيدة”، لكنها لا تزال دون مستوى الإمكانيات المتاحة، مشيرًا إلى قدرة مصر على جذب استثمارات أكبر حال توفير الحوافز المناسبة.

ويصل عدد مناجم الذهب في مصر إلى أكثر من 100 منجم، تتركز أبرزها في الصحراء الشرقية، خاصة بمنطقة المثلث الذهبي، التي تمتد على مساحة 250 كيلومترًا مربعًا.

حوادث متكررة

لم تكن حادثة سفاجا الأولى من نوعها، إذ شهدت السنوات الماضية سلسلة من الحوادث المرتبطة بالتنقيب العشوائي.

ففي مايو 2025، عُثر على جثامين خمسة شبان بمنطقة العلاقي في أسوان، بعدما ضلوا طريقهم داخل المناطق الجبلية خلال رحلة تنقيب.

وقبل ذلك بعام، لقي شاب مصرعه بطلق ناري خلال مشاجرة مع شريكه في التنقيب بمحافظة قنا.

كما شهد طريق “قفط – القصير” في أغسطس 2023 واقعة مأساوية، حيث عُثر على جثث ثلاثة أطفال توفوا عطشًا بعد ضياعهم أثناء البحث عن الذهب.

وتعكس هذه الوقائع حجم المخاطر التي تحيط بهذا النشاط، سواء بسبب الطبيعة القاسية للصحراء أو النزاعات المرتبطة بمناطق التعدين.

تعثر جهود التقنين

يعود الحديث الرسمي عن تقنين أوضاع “الدهابة” إلى عام 2018، حين جرى تكليف مساعد الرئيس للمشروعات القومية آنذاك، إبراهيم محلب، بدراسة الظاهرة ووضع تصور للتعامل معها.

كما تقدم النائب ممدوح عمارة بطلب رسمي لتنظيم عمليات التنقيب وإدخال العاملين تحت المظلة القانونية.

ورغم ذلك، لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من وضع نموذج واضح لدمج صغار المنقبين ضمن القطاع الرسمي.

رؤية إصلاحية متكاملة

في هذا السياق، طرح الدكتور مصطفى محمود إسماعيل زيان، الخبير الجيولوجي، رؤية إصلاحية متكاملة تستهدف إنهاء العشوائية وتعظيم الاستفادة من ثروات الذهب.

وترتكز الرؤية على 9 محاور، أبرزها إنشاء مشروع قومي لأبحاث الذهب، وتنفيذ مسح جيولوجي شامل لمناطق الجنوب، وإعادة هيكلة شركة شلاتين، وتفعيل الرقابة الميدانية.

كما تشمل تسهيل إجراءات التراخيص، وتنظيم بيع معدات التنقيب، وفرض ضوابط صارمة على عمليات الاستخلاص والتصنيع، إلى جانب تنظيم تداول السبائك عبر كيان رسمي، وتعديل التشريعات لتغليظ العقوبات على المخالفين.

وأكد “زيان” أن إصلاح القطاع أصبح ضرورة ملحة لتحويله من نشاط عشوائي إلى ركيزة اقتصادية منظمة.

محاولات حكومية للضبط

وفي فبراير الماضي، أعلنت محافظة قنا توقيع بروتوكول تعاون لإنشاء منطقة حرفية لاستخلاص الذهب على مساحة 490 فدانًا بمركز قوص، في محاولة للحد من التنقيب العشوائي.

كما نفذت السلطات حملات لإزالة الطواحين غير المرخصة وأحواض السيانيد المستخدمة في استخلاص الخام بطرق مخالفة.
لكن مع تكرار الحوادث، تتجدد التساؤلات حول قدرة الدولة على نقل هذا النشاط من اقتصاد الظل إلى قطاع منظم، أم أن جبال الذهب ستظل ساحة مفتوحة للصراع والمخاطر.

أضف تعليقك
شارك