فاكهة الصيف “أحدّ” من السيف: الأسمدة وأسعار الوقود تشعلان الأسعار والحكومة تبرر

من التوت إلى البطيخ والبرقوق، لم تعد فاكهة الصيف في الأسواق مجرد سلع موسمية معتادة، بل تحولت تدريجيًا إلى رفاهية بعيدة عن متناول كثير من الأسر، بعدما قفزت أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة، مدفوعة بارتفاع تكاليف النقل ومدخلات الإنتاج الزراعي، إلى جانب زيادة أسعار الوقود والأسمدة، في وقت تبرر فيه الحكومة هذه القفزات بأنها مرتبطة ببدايات الموسم وقلة المعروض.

أسعار ملتهبة

وضربت موجة جديدة من الغلاء أسعار الفاكهة، إذ وصل سعر كيلو التوت في بعض المناطق إلى 600 جنيه، والبرقوق إلى 500 جنيه، بينما تباع ثمرة التفاح الواحدة بنحو 25 جنيهًا، وقفز سعر العنب إلى أكثر من 130 جنيهًا للكيلو، فيما تجاوز سعر البطيخة الواحدة 300 جنيه بحسب الحجم والمنطقة.

وأثارت هذه الأسعار موجة واسعة من الغضب والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد تداول صور وتعليقات تتساءل عن أسباب وصول أسعار الفاكهة إلى هذه المستويات غير المسبوقة.

وقالت منال مدكور، ربة منزل من القاهرة، إن التوت كان من الفواكه التي تنتظرها الأسر كل عام بسبب سعره المناسب، لكنه أصبح الآن “فاكهة للأغنياء”، بعدما ارتفع سعره إلى ما بين 120 و150 جنيهًا في بعض المناطق، مضيفة: “الكبار والصغار بيحبوا التوت، لكن دلوقتي عيالنا اتحرموا من فرحته”»

أما إبراهيم عبدالمعبود، الموظف بإحدى الشركات، فقال إن مشهد بيع التوت مغلفًا داخل المتاجر الكبرى بأسعار مرتفعة يعكس حجم التغير الذي طرأ على الأسواق، موضحًا: “كنا زمان بنجمع التوت من على الشجر في الشوارع والترع، لكن دلوقتي بقى أغلى من التفاح”.

وأضاف أنه فوجئ بوصول سعر عبوة “البلوبيري” زنة 250 جرامًا إلى 170 جنيهًا، أي ما يعادل نحو 680 جنيهًا للكيلو، معتبرًا أن الأسعار تجاوزت قدرة كثير من الأسر.

وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، سخر المواطن كريم أيمن من موجة الغلاء، قائلًا عبر “فيس بوك”: “الحاجة اللي تغلى متشتريهاش.. الحمد لله أنا ومراتي وعيالي معودهم إن الفاكهة دي رفاهية ومش أساسية”.

موائد مرهقة

ولم تتوقف الأزمة عند التوت والعنب، بل امتدت إلى البطيخ، أحد أبرز رموز الصيف لدى المصريين، بعدما تجاوز سعر البطيخة الواحدة 100 جنيه، ووصل في بعض المناطق إلى أكثر من 300 جنيه.

وقال موسى محمود، أحد بائعي البطيخ، إن ارتفاع الأسعار يعود إلى عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها زيادة تكاليف النقل وارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات الزراعية، موضحًا أن سعر الكيلو يتراوح بين 20 و25 جنيهًا، بينما لا يقل وزن أغلب البطيخات عن خمسة كيلوجرامات، ما يرفع سعر الواحدة إلى أكثر من 125 جنيهًا في بعض الأحيان.

وأضاف موسى محمود أن كثيرًا من المزارعين اضطروا إلى تقليص المساحات المزروعة بسبب ارتفاع التكلفة، قائلًا: “المزارع اللي كان بيزرع 10 أفدنة، بقى يزرع 5 فقط، وده أدى لتراجع المعروض ورفع والأسعار”.

وامتدت موجة الغلاء كذلك إلى الخضروات الأساسية، حتى أصبح “طبق السلطة” نفسه عبئًا إضافيًا على كثير من الأسر.

وقالت منة محمد، 28 عامًا، إن تكلفة إعداد طبق سلطة بسيط تجاوزت أحيانًا 100 جنيه، بعدما ارتفعت أسعار الطماطم إلى نحو 30 جنيهًا للكيلو، والخيار إلى 25 جنيهًا، والفلفل إلى 35 جنيهًا، والجزر إلى 20 جنيهًا، والخس إلى نحو 20 جنيهًا.

وأضافت أنها لم تعد تشتري الكميات المعتادة، وأصبحت تكتفي بالحد الأدنى لتقليل النفقات، قائلة: “بقيت أوفر”، لأن الغدا نفسه بقى مكلف.

وعلى النهج نفسه، قالت نعمات سيد، 50 عامًا، إنها اضطرت إلى تغيير نمط استهلاكها الغذائي بسبب ارتفاع الأسعار، وأصبحت تستبدل السلطة أحيانًا بالمخلل باعتباره أقل تكلفة، موضحة أن كيس المخلل الذي يبلغ سعره نحو 30 جنيهًا يكفي ليوم أو يومين، في ظل الزيادات المستمرة في أسعار السلع الأساسية.

أسباب الغلاء

وفي مقابل شكاوى المواطنين، أرجع التجار والخبراء هذه الارتفاعات إلى طرح “البشاير” مع بداية الموسم، إلى جانب زيادة تكاليف النقل ومدخلات الإنتاج الزراعي.

وقال حسين أبوصدام، نقيب الفلاحين، إن ارتفاع أسعار بعض الفواكه مثل العنب والبطيخ يرتبط بقلة المعروض في بداية الموسم، موضحًا أن الطلب يكون مرتفعًا في وقت لا تزال فيه الكميات المطروحة محدودة، وهو ما يدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة.

وأشار أبوصدام إلى أن سعر كيلو العنب تجاوز 130 جنيهًا في بعض المناطق، بينما وصلت أسعار البطيخ إلى أكثر من 300 جنيه، متوقعًا أن تبدأ الأسعار في التراجع تدريجيًا مع زيادة المعروض خلال الأسابيع المقبلة.

من جانبه، أوضح أسعد منير، بائع بسوق الخضار في منطقة السيدة زينب، أن ارتفاع أسعار التوت يعود إلى خروجه من المزارع بأسعار مرتفعة، فضلًا عن تكاليف النقل، خاصة أنه يُزرع في مناطق مثل الغربية والنوبارية والإسماعيلية، ويحتاج إلى نقل سريع بسبب سرعة تلفه.

وأكد إبراهيم طاهر، أحد تجار الفاكهة في سوق العبور، أن الأسواق قد تشهد انفراجة مع بداية شهر يونيو، بالتزامن مع زيادة إنتاج المحاصيل الصيفية المحلية مثل العنب والبرقوق والمانجو، ما سيدفع الأسعار إلى التراجع وفقًا لآليات العرض والطلب.

كما توقع حسن محمد، أحد تجار الفاكهة، انخفاض سعر كيلو العنب خلال ذروة الموسم المحلي إلى ما بين 35 و40 جنيهًا للكيلو.

بدوره، قال حاتم النجيب، نائب رئيس شعبة الخضراوات والفاكهة بالغرفة التجارية بالقاهرة، إن أسعار الفاكهة الصيفية مرشحة للانخفاض مع زيادة المعروض في الأسواق، خاصة العنب والبطيخ والمشمش والخوخ والبرقوق، لافتًا إلى أن الإنتاج المحلي لم يُطرح بالكامل حتى الآن، وأن السوق المصرية تمتلك إنتاجًا كبيرًا من الفاكهة يكفي الاستهلاك المحلي. وأضاف أن بعض الفواكه، مثل التوت، لا تُعد من السلع الأساسية ويمكن الاستغناء عنها.

 

ضغوط التضخم

ويرى مراقبون أن الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود والأسمدة لعبت دورًا رئيسيًا في ارتفاع تكلفة السلع الزراعية.

ففي 10 مارس 2026 رفعت الحكومة أسعار المنتجات البترولية وغاز تموين السيارات بنسب تراوحت بين 14% و30%، وهو ما انعكس مباشرة على تكاليف نقل السلع إلى الأسواق، قبل أن تعلن وزارة الزراعة لاحقًا رفع أسعار الأسمدة المدعمة بداية من أبريل 2026 .

وكشف البنك المركزي المصري، في تقريره الصادر بتاريخ 19 أبريل 2026، عن ارتفاع معدل التضخم السنوي للحضر إلى 15.2% خلال مارس، مقابل 13.4% في فبراير، مدفوعًا بزيادة أسعار السلع الغذائية بنسبة 5.8%، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع غير الغذائية بنسبة 215 %

وأشار التقرير إلى ارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة الطازجة بنسبة 16.8%، بينما قفزت أسعار الخضروات وحدها بنسبة 26%، بما يتجاوز المعدلات الموسمية المعتادة.

وعلى أساس شهري، سجل تضخم الحضر 3.2% في مارس مقارنة بـ2.8% في فبراير، كما ارتفع معدل التضخم الأساسي إلى 14%، فيما شهد الريف المصري زيادة في معدل التضخم السنوي ليصل إلى

11.9% مقابل 9.7% في فبراير، ما دفع المعدل العام للتضخم على مستوى الجمهورية إلى 13.5 %.

وفي خلفية الأزمة، أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” أن ارتفاع أسعار الأسمدة، أصبح من أبرز الضغوط التضخمية المؤثرة على القطاع الزراعي.

وتوقع شريف المنشد، عضو الجمعية المصرية لصناعة التقاوي والمدير التجاري لشركة “هاي تك” الدولية للبذور الزراعية، أن تشهد أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي زيادات لا تقل عن 30% إذا استمرت الأوضاع الحالية.

وارتفعت أسعار الأسمدة في السوق الحرة المصرية ارتفعت إلى نحو 28 ألف جنيه للطن، مقارنة بمتوسط 22 ألف جنيه خلال شهري فبراير ومارس، بزيادة تقارب  27 % .

وتأتي هذه الزيادة في وقت يشكل فيه الغاز الطبيعي نحو 70% من تكلفة إنتاج الأسمدة الأزوتية، ما يجعل أي زيادة في أسعار الطاقة تنعكس مباشرة على تكلفة الزراعة والإنتاج.

وقال حسين عبدالرحمن أبوصدام، نقيب الفلاحين، إن وصول سعر طن الأسمدة إلى 28 ألف جنيه يثير قلقًا واسعًا بين المزارعين، خاصة مع زيادة الطلب على الأسمدة الخاصة بزراعة الخضروات والأرز والذرة والفواكه الصيفية، محذرًا من استمرار ارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة.

تحركات رسمية

ومع تصاعد الأزمة، تقدم الدكتور محمد الصالحي، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة بشأن الارتفاع الكبير في تكاليف مدخلات الإنتاج الزراعي، وعلى رأسها أسعار الأسمدة، محذرًا من تأثير ذلك على الفلاح المصري والأمن الغذائي.

وقال إن القطاع الزراعي يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة اضطرابات الأسواق العالمية وارتفاع أسعار الطاقة، رغم أن مصر تُعد من كبار منتجي ومصدري الأسمدة.

وأشار الصالحي إلى أن الفلاح يعاني من نقص المعروض وارتفاع الأسعار رغم وفرة الإنتاج المحلي، محذرًا من أن استمرار الأوضاع الحالية دون تدخل حكومي حاسم قد يؤدي إلى أزمات أكبر في القطاع الزراعي.

كما طالب النائب نادي عبدالرسول، عضو مجلس النواب، بتشديد الرقابة على منظومة توزيع الأسمدة المدعمة، وإعادة النظر في سياسات التصدير لضمان تلبية احتياجات السوق المحلية أولًا، إلى جانب وضع آلية عادلة لوصول الدعم إلى المزارعين الفعليين بدلًا من أصحاب الحيازات الورقية.

في المقابل، أكدت وزارة الزراعة أن ارتفاع أسعار بعض الفواكه في بداية الموسم يتكرر سنويًا ويرتبط بطرح “العروة الأولى” بكميات محدودة.

وقال الدكتور خالد جاد، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، إن البطيخ المطروح حاليًا يأتي في معظمه من محافظات الصعيد، خاصة أسوان، وإن ارتفاع الأسعار في هذه المرحلة يعود إلى محدودية الكميات المعروضة مع بداية الموسم.

وبين تبريرات الحكومة بأن الأزمة مؤقتة، وشكاوى المواطنين من تحول الفاكهة إلى رفاهية، تبقى موائد المصريين الطرف الأكثر تأثرًا، في وقت لم تعد فيه حتى أبسط مظاهر الصيف من شريحة بطيخ أو طبق سلطة، متاحة بسهولة لكثير من الأسر.

أضف تعليقك
شارك