رغم وجود قانون يجرّم السمسرة العقارية دون ترخيص، لا يزال آلاف السماسرة يعملون خارج أي رقابة، يفرض بعضهم عمولات مبالغًا فيها، ويمارس آخرون النصب والابتزاز، ما حوّل السوق العقاري في مصر إلى ساحة مفتوحة للفوضى والاستغلال.
وتشير تقديرات متداولة داخل السوق العقاري إلى أن عدد العاملين بشكل غير رسمي وغير الحاصلين على تراخيص قد يقترب من مليون سمسار، وهو ما يعكس حجم السوق غير المنظم وصعوبة السيطرة عليه، في ظل غياب قاعدة بيانات رسمية دقيقة لحصر العاملين بالمهنة.
معاناة المواطنين مع السماسرة
ومؤخرًا، أعادت واقعة شهدتها منطقة فيصل بمحافظة الجيزة فتح هذا الملف من جديد، بعدما أقدم بواب يعمل سمسار عقارات – دون ترخيص – على التعدي لفظيًا على طبيبة أسنان وتهديدها بالقتل، مطالبًا إياها بدفع 75 ألف جنيه عمولة سمسرة، قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من ضبطه، ثم يُخلى سبيله لاحقًا بكفالة قدرها 20 ألف جنيه.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود الابتزاز، إذ يروي مواطنون وقائع نصب مباشرة تبدأ بعربون بسيط وتنتهي بخسارة مدخرات سنوات، في ظل غياب الرقابة الكافية على هذا النشاط.
ويقول إبراهيم عبدالله، وهو محاسب، إنه ذاق الأمرّين أثناء بحثه عن شقة سكنية بسبب غياب الأمانة لدى بعض السماسرة، الذين عرضوا عليه شققًا في مبانٍ غير مرخصة، فضلًا عن جولات طويلة لمعاينة وحدات لا تتوافر فيها المواصفات التي طلبها، فقط لمجاملة أصحابها أو محاولة تصريفها بأي وسيلة.
ويضيف أنه بعد العثور أخيرًا على الشقة المناسبة، فوجئ بالسمسار يطالبه بعمولة إضافية فوق المبلغ المتفق عليه، بحجة استعانته بسمسار آخر، لينتهي الأمر بدفع 15 ألف جنيه كعمولة عن شقة في منطقة شعبية، وهو مبلغ وصفه بالمبالغ فيه.
المعاناة نفسها ترويها أميرة ميخائيل، معلمة رياض أطفال، مؤكدة أن ابنتها وخطيبها تعرضا لاستغلال كبير خلال رحلة البحث عن شقة الزوجية، بعدما اشترط بعض السماسرة الحصول على عربون قبل أي خطوة جدية. وفي النهاية، لم يحصل خطيب ابنتها لا على الشقة المناسبة ولا على العربون الذي دفعه، بعد اختفاء السمسار تمامًا.
وتشير إلى أن كثيرًا من السماسرة كانوا يحتفظون بالشقق المميزة لأنفسهم أو لعملاء بعينهم، بينما يحاولون تمرير الوحدات التي تعاني من مشكلات قانونية أو إنشائية، ما يجعل العميل الحلقة الأضعف في هذه المنظومة.
من جانبه، يرى عماد رمزي أن انتشار السماسرة العقاريين غير المرخصين، خاصة في المدن الساحلية مثل الإسكندرية والغردقة، خلق بيئة خصبة لجرائم النصب العقاري، سواء عبر بيع وحدات وهمية، أو التصرف في عقارات لا يملكها البائع، أو إخفاء عيوب جوهرية مثل عدم الترخيص أو استحالة تقنين الوضع القانوني للعقار.
عمولات تصل إلى 10%
تعكس هذه الشهادات أزمة أوسع داخل السوق العقاري، حيث كشفت عبير عصام، عضو مجلس إدارة شعبة الاستثمار العقاري باتحاد الغرف التجارية، عن وجود حالة من الفوضى في تقدير عمولات السماسرة العقاريين داخل السوق المصرية.
وأكدت أن بعض الدخلاء على المهنة يفرضون عمولات تصل إلى 10% من قيمة الصفقة، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على أطراف العملية العقارية ويؤثر سلبًا على استقرار السوق وثقة المواطنين.
وأضافت أن مهنة السمسرة العقارية عانت لسنوات من غياب الرقابة والتنظيم، ما سمح بظهور ممارسات غير مهنية، موضحة أن النسب المتعارف عليها عالميًا وفي الأسواق المنضبطة تكون أقل بكثير، وتُحدد بشكل واضح بما يضمن حق السمسار دون إرهاق المشتري أو البائع.
وشددت على أن التوجه الحالي لتنظيم عمل الوسطاء العقاريين يستهدف تحويل السمسرة من نشاط عشوائي إلى مهنة رسمية تتطلب ترخيصًا وسجلًا تجاريًا وبطاقة ضريبية، بما يتيح للمواطن التعامل مع وسيط معتمد يمكن الرجوع إليه ومحاسبته قانونيًا حال وقوع أي تجاوز.
وفي السياق نفسه، أكد المهندس علاء فكري، عضو شعبة الاستثمار العقاري، أن وجود وسيط عقاري مرخص يعني أن الدولة أقرت أهليته لممارسة المهنة، وبالتالي يصبح هناك مرجع قانوني واضح يمكن اللجوء إليه عند حدوث نزاع أو تقصير.
وأوضح أن السوق تعاني حاليًا فوضى كبيرة، إذ يمارس النشاط أفراد ومكاتب وشركات دون ضوابط موحدة، مشيرًا إلى أن تفعيل القانون سيجبر الجميع على الالتزام بالقواعد التي تضعها الدولة.
السماسرة يعترفون بعشوائية السوق
في المقابل، قال محمد سعد، صاحب مكتب عقارات بمنطقة فيصل، إنه منذ أن قرر مع شقيقه العمل في السمسرة، حرصا على مزاولة النشاط بشكل رسمي، فحصلا على رخصة من الحي وسجل تجاري وبطاقة ضريبية.
واعترف سعد بأن السوق تعاني عشوائية شديدة، وأن كثيرين يعملون فيها دون ترخيص أو أي التزام قانوني، مؤكدًا أن السوق مفتوح عمليًا أمام أي شخص يريد ممارسة المهنة، وهو ما يخلق منافسة غير عادلة ويضر بالسماسرة الملتزمين.
وأضاف أن من لا يملك مكتبًا ولا سجلًا رسميًا يستطيع العمل بسهولة في ظل غياب الرقابة الكافية، ما يجعل المواطن عاجزًا عن التفرقة بين الوسيط المعتمد والدخيل على المهنة.
من جهته، أوضح أحمد جمعة، حارس عقار وسمسار بمنطقة أرض اللواء بالجيزة، أن كثيرًا من المواطنين يفضلون التعامل مع الحراس أو السماسرة المحليين أكثر من المكاتب، بسبب معرفتهم الدقيقة بالمنطقة وسكانها ومن ينوي البيع أو الشراء، إلى جانب أن عمولاتهم غالبًا أقل من المكاتب الكبرى.
إلا أن هذا النمط من التعامل يفتح الباب أمام نزاعات قانونية يصعب إثباتها لاحقًا، بسبب غياب العقود الرسمية وعدم وجود جهة رقابية واضحة.
تحرك حكومي
ومع تصاعد الشكاوى من تجاوزات السماسرة غير المرخصين، بدأت الحكومة تحركات فعلية لتشديد الرقابة على هذا النشاط، خاصة بعد تزايد وقائع النصب والابتزاز المرتبطة به.
ووجّه الدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، بتكثيف الحملات من خلال مأموري الضبط القضائي المختصين بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وسجل السمسرة العقارية، بالتنسيق مع وزارة الداخلية والجهات المعنية.
وأسفرت إحدى هذه الحملات عن ضبط المتهم في واقعة فيصل لمزاولته النشاط دون ترخيص، في مؤشر على اتجاه الدولة نحو تشديد الرقابة على هذا القطاع.
وحتى الآن، لم تعلن وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية إحصائية رسمية بعدد السماسرة أو مكاتب وشركات السمسرة المعتمدة لديها، ما يعكس حجم العشوائية التي تحكم هذا القطاع.
القوانين المنظمة للسمسرة
وفي محاولة لضبط هذا القطاع، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي القانون رقم 21 لسنة 2022 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 120 لسنة 1982، لتنظيم أعمال الوكالة التجارية وبعض أعمال الوساطات التجارية والعقارية.
وحظر القانون مزاولة أي عمل من أعمال الوساطة التجارية أو السمسرة العقارية إلا لمن يكون اسمه مقيدًا رسميًا في سجل السماسرة العقاريين، مع توقيع عقوبات تصل إلى الحبس لمدة عامين وغرامة تصل إلى مليون جنيه على المخالفين.
كما ألزم القانون بوجود عقد سمسرة عقارية مكتوب، يتضمن بيانات السمسار والعميل والعقار محل التعاقد وحدود عمل الوسيط ووسيلة الدفع، بما يضمن حقوق جميع الأطراف ويمنع النزاعات المستقبلية.
وفي عام 2025، أصدرت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية القرار رقم 578 لسنة 2025 بهدف تنظيم سوق السمسرة العقارية، من خلال تحديد أنواع وفئات السماسرة وشروط قيدهم في سجل السماسرة العقاريين بالهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات.
ونص القرار على تصنيف السماسرة وفق طبيعة النشاط إلى سمسار بيع، وسمسار شراء، وسمسار مزدوج، وسمسار إيجار، مع تحديد فئات بحسب قيمة العقود التي يباشرونها، ووضع حد أدنى لرأس المال يبدأ من 20 ألف جنيه.
ومنحت التعديلات العاملين في نشاط السمسرة العقارية مهلة لمدة 6 أشهر لتوفيق أوضاعهم، تبدأ من اليوم التالي لنشر القرار وتنتهي في يوليو 2026، مع إلزامهم بالقيد في السجل الرسمي كشرط لمزاولة المهنة.
الأزمة أعمق من مجرد قانون
إلا أن خبراء السوق يرون أن التشريع وحده لا يكفي، وأن الأزمة تمتد إلى بنية المهنة نفسها.
ويرى عبدالمجيد جادو، الخبير العقاري، أن الأزمة لا تتعلق فقط بوجود قانون، بل بثقافة المهنة ذاتها، مشددًا على أن السمسار يجب أن يمتلك معرفة حقيقية بأصول البيع والشراء، وأن يكون ملمًا بمستندات الملكية وسلامة التراخيص وجودة التنفيذ ومطابقة العقار للمواصفات، لأن المهنة لا تحتمل العشوائية.
من جانبه، أكد علاء الشيخ، خبير التسويق العقاري، أن التحدي الحقيقي يتمثل في إعداد كوادر مدربة تعمل باحترافية وشفافية، مطالبًا بإنشاء أكاديمية تدريب أو جهة معتمدة لتأهيل المسوقين العقاريين قبل دخول السوق، على أن تكون رخصة مزاولة المهنة شرطًا أساسيًا للعمل.
ودعا إلى وضع قواعد واضحة تنظم العلاقة بين المطور والمسوق، خاصة فيما يتعلق بالعمولات، في ظل شكاوى متكررة من تأخر المطورين في سداد مستحقات المسوقين، مؤكدًا أن تحديد نطاق عادل للعمولات سينعكس إيجابيًا على ثقة العملاء بالسوق.
أما رضا المنشاوي، مدير مبيعات شركة «ديارنا للتسويق العقاري»، فانتقد آليات تطبيق قانون السمسرة العقارية، معتبرًا أن الإجراءات الحالية تمثل “تطبيقًا لجزء من كل”، وأن القانون سيظل حبرًا على ورق ما لم تُستكمل المنظومة الرقابية بالكامل.
وأوضح أن المطور العقاري غير ملزم حتى الآن بالتعامل مع وسطاء معتمدين فقط، ما يسمح لأي شخص يمتلك سجلًا تجاريًا وبطاقة ضريبية بممارسة النشاط دون تصنيف حقيقي، وهو ما يضعف فاعلية القانون.
وأشار إلى أن العمولات تخضع حاليًا لآليات العرض والطلب، وتتراوح غالبًا بين 1% و5%، لكنها تصل في بعض مشروعات العاصمة الإدارية إلى 14%، وهو أمر وصفه بغير المنطقي، مؤكدًا أن هذه العمولات المبالغ فيها أصبحت أحد أسباب ارتفاع أسعار الوحدات العقارية، بعدما يلجأ المطورون إلى تحميلها على السعر النهائي للمشتري.
وأضاف أن ذلك لا يضر فقط بالأسعار، بل ينعكس أيضًا على صورة المسوق العقاري في نظر العملاء، الذين بات كثير منهم ينظرون إليه باعتباره باحثًا عن الربح فقط، لا مستشارًا موثوقًا يساعدهم على اتخاذ القرار الصحيح.
وطالب بإعادة النظر في القانون من جذوره، مقترحًا إنشاء هيئة مستقلة للوساطة العقارية تتبع وزارة الإسكان أو وزارة الاستثمار، بدلًا من تبعيتها الحالية للهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، باعتبار أن الأخيرة ليست الجهة الأنسب لطبيعة هذا النشاط.
تحرك برلماني
وفي ظل استمرار الأزمة، قال النائب محمد النمكي، عضو لجنة الإسكان بمجلس النواب، إن نحو 80% من السماسرة العاملين في السوق هم حراس عقارات يحصلون على عمولات تصل إلى 2.5%، في كثير من الحالات دون ضوابط واضحة أو ممارسة مهنية منظمة.
وطالب النمكي بتشديد الرقابة على السوق العقارية، وإجراء تعديلات تضمن التفعيل الكامل للقانون الحالي بصورة أكثر حسمًا، مع وضع ضوابط واضحة لعمليات السمسرة بما يحمي المواطن من الاستغلال ويحفظ حقوق الوسطاء الملتزمين.
ومع استمرار التأخر في ضبط السوق، تبقى الأزمة مفتوحة على مزيد من الفوضى، بينما يظل المواطن الطرف الأكثر عرضة لتحمل كلفة هذا الانفلات، في مواجهة يومية مع سماسرة “بير السلم” الذين تحوّل بعضهم من وسطاء للبيع والشراء إلى قنابل موقوتة تهدد استقرار أحد أهم القطاعات الاقتصادية في مصر